ديوان « لمسة سلام » للشاعر البروناوي شكري زين

20/11/2015 - 10:08:07

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. عارف كرخي أبوخضيري - جامعة السلطان الشريف علي ببروناي دار السلام

تحظى سلطنة بروناي دار السلام بعدد وفير من الموهوبين من الشعراء، في مقدمتهم السلطان المرحوم عمر علي سيف الدين، وتتلوه جماعة من الشعراء كيحيى عيم إيس وبدر الدين إيتش أو، وآدي رومي، وزايرس عيم إيس. ولهم شهرة عالية لا في بروناي وحدها، بل في أرخبيل الملايو كلّه. ويتبوأ مكانا مرموقا بين هذه الكوكبة من الشعراء "شكري زين" الوزير الشاعر الذي نظم في شبابه قصائد كثيرة في جرائد ومجلات، ثم جمعها في ديوان "دامي دالم سنتوهن" (السلام في اللمس) والذي آثرت أن أعربه باسم "لمسة سلام".
وقد نشر الديوان الملايوي عام 1985، ثم ترجم إلى اللغة الإنجليزية عام 1990 في كوالا لمبور بماليزيا، وقام بطبعه المجمع اللغوي البروناوي بسري بكاوان حاضرة سلطنة بروناي دار السلام؛ فلفت الأنظار على الفور، ومنح عليه صاحبه عام 1991 جائزة أدبية كبيرة هي جائزة كتّاب جنوب شرقي آسيا.
تدور قصائد الديوان حول ثلاثة محاور أساسية (الوطن والإسلام والإنسانية). الوطن عند صاحب الديوان هو بروناي بطبيعة الحال. والإنسانية تعاطف قوى مع شعوب العالم في قضاياها وصراعاتها ضد قوى الشر من أجل تحقيق الخير والعدل والسلام. أما الإسلام كدين وأخلاق وأسلوب حياة فيتصل بالمحورين الآخرين أوثق الاتصال، فوطن الشاعر بروناي "نسل الأمة"، والمشاعر الإنسانية العالمية كالتضامن والأخوة والمساواة، إسلامية في جوهرها. ومن ثم فالإسلام في لمسة سلام الموضوع الرئيسي أو النبع الذي تصدر عنه كل خواطر شكري زين وصوره الشعرية، وهو موطن الجمال والقوة في شعره. وقد فطن النقاد إلى هذه الحقيقة ونبهوا عليها، وكان أول من أشار إلى ذلك مقدم ديوانه الناقد المعروف الأستاذ بدر الدين إتش أو: إن قوة شعر شكري زين في هذا الديوان تكمن أساسا في ملاحظة وجهة النظر الإسلامية، وذلك أمر لا لبس فيه، وقصائد من هذا النوع ينبغي أن تجد مكانا للازدهار، وقد كان شكري زين رائدا على الطريق، وعلى الآخرين أن يقفوا أثره فيه.
والحق أن الموضوعات الدينية ليست الجانب الوحيد الذي يميز ديوان "لمسة سلام" ويجعل من صاحبه شكري زين رائدا في الشعر الإسلامي، فثمة جانب آخر على درجة كبيرة من الأهمية وهو الأسلوب الذي نظمت به قصائد الديوان. فشكري زين شاعر ذو أسلوب فني مميّز، الشِّعر عنده تعبير جميل عن شعور صادق، ومصدره حياته وتجاربه الخاصة ورحلاته وثقافته الواسعة. والديوان ذو طابع رمزي مفعم بالإشارات والكنايات والضمائر والأمثال الشعبية الملايوية.
تظهر في الديوان ظاهرة فنية لافتة، هي انتشار الرموز؛ إذ يعبّر الشاعر عن أفكاره وعواطفه، ليس بوصفها مباشرة ولا بشرحها من خلال مقارنات صريحة وبصورة ملموسة، لكن بالتلميح لهذه الأفكار والعواطف وذلك بإعادة خلقها في ذهن القارئ من خلال استخدام رموز غير مشروحة(1).
وفي الديوان رموز كثيرة جدا تربو على الخمسين من بينها: الله رمز للإسلام، واللمس رمز للعلاقات الإنسانية، وأُمّ رمز للوطن، والقافلة رمز لرحلة الحياة، وأبناء الوطن رمز للفلسطينيين.
وتوجد ظاهرة فنية أخرى وهي استخدام ضمير الغائب في مطلع القصيدة، كما في قصيدة "لحن النجاح":
مضى للسفر لا ليستريح
حلم جميل غير مشوش مجرد حلم
يعرق بغزارة مغضن الجبين مستلب الزمن.
يرمون ورودهم والثمار في حديقة الورود
في امتنان يُحيّا بالورود
عريس مهندم اللباس وسيم.
والقصيدة درة من درر الديوان، كالحسناء، الفاتنة لا تكشف لنا عن وجهها، وتحتجب عن عيوننا في دلال، وهي تذكّرنا بما كان يردده فرلين (1844-1896) من أن النشيد المسكر هو الذي يمسح الوضوح بالإبهام، ويطل كالعيون الساحرة من خلال نقاب شفيف، فإن ما يبتغى في الشِّعر إنما هو الظلال لا الألوان، وعلى الشاعر أن يحاول تعرية الصورة من مادتها وتخليصها من قيودها الحسية ليخلع عليها لونا من الضباب المبهم وهالة من الغرابة العجيبة(2).
وإذا كان هذا ما يفعله الشاعر فإن ما نحاوله نحن – كقراء أو نقاد - أن نخلع عن القصيدة هذا الضباب المبهم فنسأل أنفسنا من الذي مضى للسفر أولا؟ وما الحلم الجميل غير المشوش ثانيا؟ وما هي حديقة الورود هذه ثالثا؟ ثم أخيرا من هذا العريس المهندم اللباس الوسيم؟ بيد أنه لا شيء في القصيدة يجيب عن هذه الأسئلة كلها، إلا أن مكان كتابة القصيدة (القاهرة) وتاريخ كتابتها (9 يناير 1985) يجعلنا ننحي عن أذهاننا فكرة أن الشاعر يتحدث عن نفسه (وهي فكرة واردة لكثرة أسفاره). والحقيقة أن الشاعر يتحدث عن مديرية التحرير بمصر، وتحويل صحرائها إلى جنّة فيحاء أو على حد تعبير الشاعر "حديقة ورود"، و"الحلم" هو فكرة تحويل هذه الصحراء إلى مزارع خضراء مثمرة. أما العريس المهندم اللباس الوسيم فهو الزعيم المصري جمال عبد الناصر الذي نجح في تحويل هذا الحلم الجميل إلى حقيقة ملموسة فاستحق من الشاعر هذه التحية الفنية الرائعة.
والحقيقة أن هذه القصيدة تشبه إلى حد كبير قصيدة "الأغنية الحلوة" لفيرلين الشاعر الرمزي الفرنسي، وفيها يقول(3):
القمر الشاحب
يشرق من بين الأشجار في الغابة
من كل غصن
يهمس صوت
من تحت الأوراق
آه يا حبيبتي
إن البحيرة تعكس
كمرآة عميقة
ظل الصفصافة الداكن
حيث تبكي الريح
لقد حانت ساعة الأحلام
رقيقا غامرا
هذا السلام
الهابط من أفق السماء
تضيؤها شمس الغروب
لقد حان وقت السعادة.
والقصيدتان تتفقان لا في الصور والأسلوب فحسب، بل في البدء والنهاية كذلك، ففي ختامها يقول شكري زين:
أقبل على الحياة في هدوء
وتيقن أنك ستشعر بالغبطة
في آخر المطاف.
فالقصيدتان وصفيتان في ظاهرهما ولكن هدفهما الأساسي مختلف تماما. فشكري زين يعبّر في قصيدته عن الحقيقة الخالدة التي تقول بأن الإنسان "عن علم ما في غد عم" على حد تعبير شاعرنا القديم زهير بن أبي سلمى. فالمرء لا يعرف هل سيصل إلى هدفه أو لا، ولا يدري إن فعل شيئا ما الذي سيصل إليه بالتحديد. ومثله في ذلك مثل الرسام الذي يخط في لوحته خطوطا بيد أنه لا يعرف إن كان سينتهي من رسمه، ولا يعرف ما الذي سيتمخض عنه عمله. كما أن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه كما يقول المتنبي، فالشاعر يريد أن ينام ولكنه لا يستطيع لأنه يتذكّر ما مضى فيمنعه عن النوم. بيد أنه على الرغم من جهل الإنسان بالمستقبل فعليه أن "يقبل على حياته في هدوء"، ويتيقن أنه "سيشعر بالغبطة في آخر المطاف"، وبذلك يختم الشاعر قصيدته بنظرة تفاؤل بمستقبل سعيد لبلاده.
وبجانب الرمز والإشارة والإضمار والخفاء، هناك أيضا اشتمال الشعر على معنيين، سطحى، وعميق. ونمثل لهذا الاتجاه بقصيدة "الشبوط". فيقول الشاعر:
الشبوط الذي في الحافة في طريقه إلى أسفل
السلور فكّر مليا
من أجل البقاء يراعى المواعيد
الشبوط والسلور الصغير
لم يختارا التهديد الخطر
مستقبلهما مهدد، نفس المصير ينتظر
صلَّتا ليزول الخطر.
فالحديث هنا ليس كما يبدو على السطح عن نوعين من الأسماك مختلفين أشد الاختلاف، يعيش أحدهما في البحر المالح والثاني في النهر العذب، بل عن طبقتين من الناس مختلفتين وجدتا أنفسهما أمام خطر يهدد حياتهما بالهلاك، فماذا يفعلان؟ "صلتا ليزول الخطر"، أي نسيتا الخلافات التي بينهما واتحدتا لمواجهة الخطر.
وعلى هذا النحو الفنّي الفريد ينسج شكري زين أشعاره البديعة الرائعة في مقطعات قصار محكمة البناء، منوّعة الأشكال، متعددة المقاطع، مشيعا فيها ألوانا فاتنة من الكنايات والصور والرموز، ومستخدما الضمائر بصفة عامة وضمير الغائب بصفة خاصة استخداما فنيا بارعا يضفى على قصائده جوا من الخفاء والعمق، ويغمس ريشته في بحري القرآن والحديث، ويقبس منهما أفكاره ومعانيه وفلسفته، ويصوغ ذلك كلّه في أسلوب قصصي متميّز يتسم بالروعة والجاذبية والخيال.
الهوامش:
(1) محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ص41-42.
(2) تشارلز تشادوك: الرمزية، ص40.
(3) محمد فتوح أحمد، المرجع السابق، ص102 و 104.