بريد السماء الافتراضي من الشاعر المغربي أحمد بركات: الشعر الأرضي احتفالٌ في الجحيم

20/11/2015 - 9:55:27

أحمد بركات أحمد بركات

كتابة وحوار: أسعد الجبوري - شاعر وروائي عراقي مقيم في الدنمارك

أحمد بركات شاعر مغربي من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1960 تصدر قائمة الأسماء في تحديث الشعر في بلاده. اشتغل بالصحافة. حصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة 1990. وفي سنة 1994 توفي نتيجة مرض عضال بإحدى المصحات المغربية. صدرت له مجموعتان شعريتان "أبدا لن أساعد الزلزال" 1991، "دفاتر الخسران" 1994.
المقدمة والحوار:
بين تلك الطبقات الرمادية المفعمة بالهدوء والضجر، لم يستغرق البحث عنه سوى ساعات قليلة من زمن تلك السماوات. بعدها خرج علينا الشاعر أحمد بركات من نومه، تاركا السرير والمعدات التكنولوجية التي كانت تنتجُ له الأحلام الاصطناعية، ليستخدمها من أجل الوصول إلى أهل الأرض، كما أخبرتنا بذلك السكرتيرة الخاصة به.
كان وجه الشاعر أحمد بركات في تلك الأثناء، أشبه بساحل رملي يتمتع بحركة مستمرة من المدّ والجزر. لم نكن نتوقع رؤيته بالصحة الكاملة، على الرغم من أن القلق بطابعه الرومانسي، ما زال باردا ولم يغادر ملامحه العامة.
أدركنا ضرورة تجنب مخاطر سوء الفهم المتبادلة، وحاولنا الدخول في الحوار، لولا تمنعه وإصراره على أن يرافقنا بزيارة "الحديقة الفيزيائية" الواقعة فيما وراء التخوم الحمراء. تلك كانت رغبته، ولم تجد ممانعة منا.
ذهبنا معه داخلين بمجرى شعاعي حادّ، لنجد ماكينات وآلات عملاقة وهي تشفط مواد مختلفة من تراب تلك الأجساد البشرية التي كانت خاضعة للعمل أو التجربة.
ووسط ذهولنا، قال أحمد بركات:
هنا يتم تنظيف البشر مما عَلِق بهم من غبار وخطايا وآلام، يوم كانوا على أسطح تلك المجرات القديمة. لنجلس هنا ونتمتع.
جلسنا على أريكة مُطيلين النظر فيما كان يجري من أعمال. وما إن امتلأت الأعين بتلك الألعاب السحرية، التفتنا نحو الشاعر أحمد بركات وسألناه:
ـ بعد عشرين عاما على غيابك. كيف خرجت من الأرض إلى هنا؟
ج: إلى هنا.. ماذا تقصد باسم الإشارة هذا؟
ـ ليس غير السماء طبعا. ألمْ تشعر بوجودك هنا بعد؟!!
ج: هذه المناطق التي ننتشر على أراضيها ليست سوى عوالم بخارية لإنتاج النصوص الشعرية وبعض الجماليات التي كان يفتقدها البشر.
ـ وما عملك هنا؟
ج: أنا أسرعت باستكمال تمارين التجريب على الشعر بلغة ما بعد العدم. هذا كل ما وراء السفرة التي قمت بها منذ عشرين عاما.
ـ وكيف هي لغة ما بعد العدم التي يشعر بها أحمد بركات الآن؟
ج: هي اللغة التي لا تكتب ولا تقبل التشكيل في النحو والصرف. لأننا غير قابلين للإعراب في هذه المناطق المفتوحة على الآخرة.
ـ وثمة آخرة أخرى غير هذي التي أنت فيها؟!!
ج: أجل. فالسماء مثل اللغة، كلما وصلت إلى آخرتها، سرعان ما تكتشف أن آخرة تقعُ وراء الآخرة الأولى. وهكذا تستمر اللعبة.
ـ من أجل إنعاش النصوص أم من أجل هدف آخر ككسر للعادة؟
ج: لا من أجل هذا ولا من أجل ذلك، بل لغاية أخرى تماما: أن يستمر الشاعر بآلامه للأبد.
ـ ألا تكفيك عذابات الأرض، لتخبرنا بهذا؟
ج: العذاب في الشاعر طاقة، قد يتحملها فينتج منها المزيد من الدراما اللغوية دون الحديث عن العذاب نفسه، أو يسرف بالعذاب، فيعذب شعره.
ـ وماذا فعلت أنت بذلك العذاب؟
ج: كسرتُ الأرضَ بهزال جسدي، لأتبخر من أعلى نوافذها. هكذا شعرت وأنا أرمي بجميع قطع غياري كالحطب في تلك اللحظة الخالصة من وجودي على تلك الأرض.
ـ يوم كنت قلقا ؟
ج: لم أكن أكثر قلقا من سرير المستشفى البائس الذي نُقلت منه إلى مصحة "الحكيم" في بلاد المغرب. القلق لم يعد بالأمر المخيف، بقدر ما كنت أعاني هبوب تلك الريح السوداء بداخلي.
ـ ريح الشعر تقصد؟
ج: لا. بل هي ريح الموت السوداء التي تحيط بشعراء بلداننا. كل شاعر هناك، تلٌ من تلال الرماد. والريح تكنس وتشطب وتمحو إهمالا وقسوةً وجوعا. ومتى ما استمر هبوبها التعسفية، ينتهون طيرانا إلى المجهول.
ـ قد لا يجوز التعميم. فربما كان ظرفك غير ظروفهم الآن.
ج: أشكُ بذلك.
ـ هل يراسلك أحدٌ منهم، الإيميل أو الفاكس أو يكتب إليك على الانستجرام أو تويتر أو الفيسبوك مثلا؟
ج: لا أحد.
ـ ربما يكون ذلك بسبب لغتك المختلفة الموغلة بالتجريب، مثلما يقول عبد الواحد مفتاح: "لغة أحمد بركات التي تحضر دائما في نصوصه معتدة بقلقها ونبيذها، والتي طالما حاول نقاد كثيرون فك شفرتها التي يَدسّها من غير تخطيط، وهي شفرات رَوّضت الخطاب النقدي على ترك مسلماته وتقنيات أدواته وإعادة صياغة مقولاته من داخلها". مثلا؟
ج: لست معقدا إلى ذاك الحدّ. وقد يصح هذا الكلام على شعراء مرحلتي آنذاك. أما الآن، فيوجد في المغرب شعراء استخلصوا من التجريب شعرا مختلفا عما كتبته أنا في زمني.
ـ وإذا ما عدت للأرض مرة أخرى، هل ستنجز قصائدك بالقسوة الحادّة نفسها التي سبق وأن مارستها على لغتك الشعرية فيما كتبته؟
ج: لا حلم لي بعودة من باب اللزوم الضروري. فأنا استبدلت بقطع غيار جسدي قطعا مختلفة تماما، وهي غير قابلة للزواج أو للمرض أو للكتابة مرة أخرى.
ـ ولم تعد صالحا حتى للكتابة؟!!
ج: الشعر الأرضي بالنسبة لي، احتفالٌ في الجحيم. كنت أدخل في ذلك المجرى وأختفي دون وعي مني، حتى أصبحت غائبا عن نفسي وعن تلك القصائد التي أكتبها.
ـ ربما كنت تقلّد رامبو؟
ج: اعتقدت بهذا الشاعر العملاق. جعلته توأم روحي، وكان خياري الأعظم في كل ما كنت أكتب وأحلم وأمرض وأحب. رامبو مثل سفينة، ما إن صعدت إليها حتى بدأت أغرق وبشكل سريع.
ـ أنت غرقت على متن سفينة رامبو، وليس في بحره كما أظن. أليس ذلك صحيحا يا أحمد؟
ج: ربما يكون في هذا شيء من الصحة. ولكن لم تكن عندي القدرة على بلوغ طقوس شاعر مثل رامبو. لذلك كان يمر بخيالي كالبخار الذي تعجز الأصابع على التقاطه أو الاحتفاظ به.
ـ وماذا تفعل فيما لو احتفظت برامبو في ذاكرتك أو في بيتك على سبيل الافتراض مثلا؟
ج: لكنت قد أطعمته ما أطعمني الشعرُ منه.
ـ وجبةً من السل تقصد؟!!
ج: ليس السل وحده، بل جميع الأمراض الوطنية التي كانت تعيش برأسي، والتي طالما كانت تدفعني للجنون أو الانتحار. الشعر كان حوضا لجمع ولملمة كل تلك الأمطار السوداء التي غسلتني، دون أن تبلل ملابسي.
ـ ماذا كنت تظن بالشعر؟ منقذا من الزلازل؟
ج: كلا. الشعرُ هو الزلزال بعينه. العاصفةُ التي تنظف أشجار الغابة من الأوراق الصفراء. هكذا كنت أظن بأن الحياة ستكون بعد حركة تلك الزلازل غابةً رومانسية. إلا أن كل تلك التصورات، وكل تلك الأحلام سقطت على الأرض ميتة، كمجموعة ضفادع.
ـ أحدهم يكتب عنك ما يلي:
"نصوص بركات شقراء الروح بالضرورة كرغوة "البيرة"، والتي أنظر إليها - كرجل رائع حديث العهد بالحانات. فالشعر يأتي من المنسي والمِفجاج والابْتعاد ما أمكن عن البلاغة وعَضلاتها، أما هنا فَهو مَحض نِيابة عن الذات. ذات الشاعر التي تَحضر كسند لقصيدته، وهو حضور مُصاحب لرؤية تستطيع أن تستأنس بإضافة صفة خلاقة لها". ما رأيك؟
ج: قد يكون ذلك صحيحا. فأغلب ما كتبته كان يخرج ممهورا بحبر الروح. أنا كنت أكتب وأهرب من قصائدي. وطالما تمالكني الإحساس بالأرنبة. أجل كنت أشعر كما لو أنني أرنب يقفز على ظهور الكلمات، وخلفه جمهرة من بنادق الصيد.
ـ وهل ما زلت تعاني تلك الأمراض وتلك التصورات بعد غيابك عن الأرض؟
ج: الأمراض هنا تختلف عن الأمراض هناك. بل لا يجوز المقارنة بينهما. تصور أن الغربان هم الأطباء والمعالجون للأرواح التي لم تتخلص من اضطراباتها أو أمراضها القديمة بعد. خاصة وأن بعض الأمراض هي جزء لا يتجزأ من الإتيكيت.
ـ كنت حادّا على خارطة وجودك المغربي القديم، وتحاول على الدوام أن تُسمِعَ نفسك صدى تلك الوحدة. لأية أسباب ترجع ذلك؟
ج: عندما كنت أمتلئ بالأعشاب اليابسة، وهي تسيطر على خارطة جسدي بأكمله، لم أجد ما يمكن فعله سوى إشعال عود ثقاب.
ـ هل كانت تراودك فكرةُ الانتحار؟
ج: نعم. فليس ما يمكن فعله غير ذلك بعد أن غمرتنا ظروف البلاد بمياه العدم. لست وحدي من كان يفكر بالانتحار، بل جيل عربي بأكمله. جيل لم يجد من يأوي أرواحه أو كلماته بمنزل فيه أمان وخبز وخمر وجنس وحواس نظيفة من البكتيريا القاتلة.
ـ ولكنك رفضت مساعدة الزلزال؟!!
ج: لا أتذكر لمَ رفضت ذلك وعلى ماذا؟
ـ كان على شاعر من طرازك، أن يطيح بمختلف سلطات الخراب، أو بما كنت وجيلك تتمنون أن يطاله المحو أو التغيير على أقل تقدير!!
ج: ربما لأنني كنت خائفا من الموت انتحارا في بداية الأمر، فأبعدت جسدي عن زلزال من ذلك القبيل.
ـ وهل تندم على عدم مساعدتك الزلزال؟
ج: بالتأكيد. وهو عار لا يمكن غفرانه حتى لو كانت الجائزة دخول الجنة.
ـ بسبب زلزال مرض السل الذي ضرب جسمك، وأنهكك بطريقة خالية من البطولة التي سبق وأن أقدم عليها كثيرون من أمثال الشاعر الروسي ماياكوفسكي!
ج: إنك تشعرني مرة أخرى بالاختناق. أنا هنا، ومنذ وصولي أعاني عقدة عدم الانتحار. لقد سبق إرادتي المرضُ، فحطم حلُمي بالصعود إلى حبل المشنقة أو القفز من قمة جبل توبقال.