سوق مايو .. كل شيء ممكن

20/11/2015 - 9:54:28

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبد الغني كرم الله - كاتب سوداني

كل شيء، ممكن هنا.
هب أنك رأيت فتاة، تنحني بشدة، حتى اندلق كلا نهديها، من جيب نحرها، (أهي الأخرى عجول، كيديها؟)، كي ترفع سلعة مفروشة على تراب السوق "رقية جلدية، بداخلها قلب فتى تحبه" قبل أن تخطفها يد ناعمة أخرى، وتحلق مع فارسها، دستها مع نهديها، بعد عنت محاولات ثلاث، مثل عناد نعجة، ركوب قارب نهري، أمقتا حبسهما؟ مرة أخرى، بعد براح ثوان؟ صدر ماكر، خرج بكل لين، من جيب النحر، فلم العصيان؟ أذاق طعم الحرية؟ حشرته، ثم مضت، رغم السعر الغالي، راضية البال.
أو رأيت زجاجة "بيرة أبو جمل"، مليء بطنها الوسيع بالزيت حتى فمها الممدووود، النحيف، الثمل بأقدار تحولاته، من خمر لزيت، (أعجب خلف، لخير سلف)، آآآه من زمان الحرية في سماء الخرطوم، حين كان للزيت زجاجه، وللخمر زجاجته، في كل رف، ومتجر، ولك مطلق الخيار بينهما، وآل الأمر اليوم، أن تندس بعض الأشياء، فطرة الخوف، في قناع أشياء أخرى، غريزة البقاء العجيبة.
إن رأيت فستان زفاف طويلا، متسخا، تلبسه عجوز، وهي تجلس على "بنبر خشبي قصير"(1)، وترمي ذيله الطويل وراءها، كأنه ذنب ديناصور أبيض، وقربها حصير مفروش عليه بضاعتها، بنطال عسكري ممزق من دبره "أفر من حمى حرب شرسة؟ ما أكثرها في بلادي، الغالب فيها مغلوب"، وقربهم مجلة أمريكية قديمة، ناشيونال جيوجرافيك، بلا غلاف، يتصفحها النسيم والغبار، كيفما اتفق، ومسامير تتلوى كديدان سوداء، صدئة، (أنزعت من بيت مهجور بسبب الجفاف والحروب؟ فلم الباب؟ أيحرس بيت بلا فرش وعرش وقرش؟ أم هدم السيل الدار؟ وتركه بابا منتصبا بلا دار، لوحة سريالية؟)، وثمار قرع جاف، وكرسي حديدي بقدم واحدة (هل ظنه اللغم الغشيم بشرا؟) أم بترت أقدامه، تعزيرا من خلاف؟ لأن فتاة عارية جلست عليه "لا حد لشطح فتاوي فقهاء هذا الزمان، أبدا".
لو تلفت، ووجدت كهلا حزينا، فاق الثمانين، يجثو منكسرا، يستجدي وظيفة بواب، من ضاربة رمل، أو رجلا مهندما، ينشد وزارة سيادية، أو صاحب "كارو"، يطلب (تعويذة)، براءة من جريمة نكراء، هو وحماره، فقد سجن حماره شهرا، لأنه التهم قصب جاره، وهو أسبوعا، لأنه سرق يافطة حديدية.
إن رأيت كل هذه المشاهد، معروضة للبيع، والشراء، على رفوف متهالكة، أو على تراب أسمر، مدى البصر، مع صياح ألف رعد حديدي، "مكبرات صوت خرقاء، بحاء، لا تبعد عن بعضها أكثر من متر، كل يمجد بضاعته، ياليت شعري ما الصحيح؟".
إن كنت في متن هذا الصخب السحري، وقد حشرت في طبلة أذنك قسرا، آلاف الأصوات، والأنغام، أسماء وسلع، ومشروبات، وبضائع، ومأكولات، تعجز عن نطقها، ناهيك عن فهمها، ولو حللت ألف عقدة من لسانك، فتأكد، بلا أدنى شك، أنك في أقصى جنوب الخرطوم، في قلب "سوق مايو" الشعبي الشهير.
مغناطيس عجيب، سوق مايو، يجذب إليه الأموات والأحياء، والأشياء، اسبيرات دبابات(2)، قطع غيار طائرات "هوت في حروب أهلية، وقبلية، في أصقاع وطن كالقارة"، طلق نارية قبل الحرب العالمية الأولى، سلع، عملات كينية وحبشية ودنماركية، سوق ترتاده قبائل الإنس، والجن، تأتي بالماضي والآتي، في قلب الحاضر الأبدي، كما حكى عنه بوذا.. ما كان، وما سيكون، فهو كائن "في سوق مايو"، ، كل شيء ممكن، وكائن، حتى قراءة الكف والغيب، تشترى هنا.
إن اشتريت فتيل دواء نزلة، وتلفت بمكر حولك، ووضعته بحرص عظيم، في جيب بنطالك الخلفي، وأسرعت الخطى للأزقة التي تفوق الجحور متاهة، وظلمة، فأنت زبون قديم للسوق، تعرف توريته، وكنايته، ومكر سلعه، وكيف يستر (الخمر) عن عيون غير أهلها، وإن سألت عن سعره؟ وسألت أهو للسعال؟ أم المخاط، فستحدجك البائعة بعيون أحمر من الشطة أيها الطرير، سلعة مضنون بها على غير أهلها، فلم تحشر نفسك فيما لايعنيك "وما أكثره في حمى هذا السوق"، أيها الأرعن، وقد تعاقب على هذا التطفل، بما لا يحمد عقباه، فكن "حكيما"، فيما لا يعنيك.
ولو جيبك شبه خاو، أو مثقوب، يمكنك أن تشتري (صامولة)، أو حجر بطارية قديما، أو قلب مديرتك "حجاب محبة"، أو رواية بلا غلاف، وتبدأ من الصفحة 13، أو تأكل بمتعة جرادا مشويا شهيا، بل تتذوقه قبيل أن يكيل لك "الملوة"، أو تشتري قزازة بيرة، مليئة بمقوٍ للأكل، أو تشتري لابتوب بمائة جنيه، فهو لم يتعرض (لحواجز جمركية)، وإن تعرض "لقفز حواجز جدران"، لا تسأل عن السبب، أو تشتري "خرطوم دبابة"، من باعة الحديد، أو خط سكة حديد طوله أميال عدة، نافق "بعد أن سرق اللصوص خط مدينة (واو، أم روابة) بعد انفصال الجنوب، مع إطارات تراكتر زراعي، وبداخله "إطارات "توك توك"، رقشات"، كالفيران في الجحر، أو تشتري ترقية وظيفة ب"دعوات وهمهمات فكي" أو تجعل جوليا روبرتس تحلم برؤيتك (حدد الفتاة واسمها، وعمرها، ويوم ميلادها)، كل هذه الأشياء والعواطف، تعرض على رفوف وتراب سوق مايو.
كل شيء ممكن في " سوق مايو" سقط المتاع هنا، في حجر هذا السوق الغريب، أغلى من الماس والذهب، رحم الله صاحب نظرية النسبية، ما أصدقه، كل شيء هنا، غال ونفيس، ومطلوب، حتى سراويل النساء المسروقة "لا تسأل بأي أسلوب سرقت، وهل يقفز اللص المجرب، في البيوت، إلا منتصف الليل حيث يشغل الناس شأن، عن شؤون؟"، وإياك أن تضحك، من سروال ضخم، كسحابة سمراء، فأرداف النساء هنا، مساند للصبر، ومخدات لطول القعاد، يعرف اللصوص طلبهن، ومزاجهن "العرض والطلب".
تبور السراويل الصغيرة "حجم أرداف شمام، وتبش(3)"، ولكن السراويل حجم "البطيخة وما فوقها"، لا يمكث إلا عمر البرق، أو سويعة، حتى تنحني امرأة، تقيسه حول صلبها، كي تستيقن، ترمي خمسة جنيهات مكرمشة، مبللة بالعرق، عند قدمي البائع، ثم تسحب فستانها لأعلى حد ممكن "لها" فوق الركبة بكثييييييير، ومثير"،، ترفع قدمها اليسرى، ثم اليمنى، وتحشرهما في جيوبه، تلبس سروالها الجديد، خير البر عاجلة، تحك صلبها، أظنه حرقها، تشرب بالحرارة سويعات، وهو مفروش عز الظهيرة، ترقص، تهز صلبها يمنة ويسرة، عسى أن يبرد، تغبطها على حريتها، تمضي سعيدة، غير عارية.
تقع منها صرة "كيس دمور، ملفوف فيه منشط جنسي شعبي"، يضحك التجار والزبائن "كومر مركب مكنة برااااااادووووووو" ترفعه، تحشره بين ثدييها، تصيح ضاااااحكة، "نهنا براااااادو بدون دفرة" بسمتها تنير الطريق، وتعطره، أي براح ينور بال هذه المرأة؟ تفعل وترقص وتعيش، كما لو أنها وحدها، متى حققت هذا الحلم العظيم؟ أن تحيا يميله عليها قلبها، وليس خيوط دمى وعرف وضمير، حرة، وحرة، وحرة.
قد تعرج على مساحة كبيرة، في قلب السوق، صارت ملعبا، أطفال في حمى كرة قدم، في الملعب أيضا "توك توك" رقشة، وكارو، وامرأة حامل، و23 طفلا في قلب الملعب، لا تتأخر الكرة، أو يصفر الحكم (ولا حكم هنا، العدل سار بين الأطفال، كلهم حكام)، رقشة "توك توك"، تعبر المباراة الحية، والمباراة جارية، أعود لإحصاء عددهم، أجدهم 27 لاعبا، هل عدلت الفيفا عدد لاعبي الفرق؟ هم ملائكة سمر، وهل حرمت السماء الخمر على الملائكة، كما حرمتها في الأرض؟ (أنهر من خمر، لذة للشاربين)، فريق يلعب بسبعة عشر لاعبا، أكثر من الفريق الآخر بسبعة، ولم يلام من الفريق الآخر، امرأة ماهرة مثلهم، تحمل على رأسها كيسا أحمر ضخما، وبيدها اليمنى حقيبة، وباليسرى كرتونة كبيرة، على ظهرها مربوط طفلها الصغير، مهارة رأسها، وهو يحمل الكيس وفرت لكلتا يديها، حرية أن تحمل أشياء أخرى، أتوسع المهارة قدراتنا، وعطاءنا؟ تعبر خط السكة الحديد العالي، (خط حقيقي، يبحث عن قاطرة تجري فيه) حسبت الكرتونة ستهوي "كأنه رأسي"، وليس رأسها الماااهر، العجيب.
إن رغبت في العودة، لزقاق ما، انس الأمر، من الاستحالة أن تعرفه البوصلة نفسها، مرة أخرى، سوق مايو يشعرك، بالهوان، والدهشة، والحزن، والعجب، والضلال.
كائن غني بالعجب والخيال، والغرائز، تتكدس مثل تلال، الأرجل الحديدية، لضحايا الحرب، لصقها جبال من كراسي خشبية لمدارس هدمتها الحروب والسيول، كل شيء متوفر، في سوق مايو، يمتلئ بطقوس الحرب، ويتغذي بسبل السلام، ولا يبالي من أين جاءه الرزق.
AKb تنطق مهجنة بلهجات إفريقية طاعمة، فصول محو أمية، في قلبه، تعليم إنجليزية مكسرة، ليس المعلم، بأفضل من المتعلم، أصغر تلميذ عمره فوق الخمسين عاما، أغنيات كنجولية، وحبشية، وزائيرية، أعتى مايكروسكوب لا يدرك ما يمور بأمعائه، وقلبه، وبطنه، ولا أعظم تليسكوب يرى ما يدور في سمائه من لغط، وهمس، وكيد، وسحر، وبوح.
هب أنك عشت هذا الحلم، عيانا، بيانا، فأنت لا تعرف أين أنت، في كينيا؟ تشاد؟ الحبشة؟ غانا؟ كاليفورنيا، دمشق، موريتانيا؟ المغرب؟ لا محال أنت في أزقة سوق مايو.
سوق غريب، متمرد، حالم، مجنون، صادق حد التعب، سيرته، وسريرته ظاهرة في العلن، لا يضمر شيئا، ويظهر آخر، فصيح للخبايا، حد الإحراج.
1 ـ بنبر خشبي: مقعد قصير، مصنوع من جذوع الأشجار ومنسوج بحبال من ليف النخيل.
2 ـ اسبيرات دبابات: قطع غيار دبابات، يأخذها الناس من مناطق الحروب، للدبابات الهالكة، في أطراف البلاد، إلى قلب السوق.
3 ـ التبش: فاكهة، في حجم الكمثرى أو التفاح، وكلها ـ في عالم السوق ـ للأرداف الكبيرة والصغيرة والمتوسطة.