جربوا طريقة أخرى للدمع .. « جدارية يناير »

20/11/2015 - 9:52:30

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

جمال القصاص - شاعر مصري

في مثل هذا اليوم، في الخامس والعشرين من يناير 2011 جرَّب شعبٌ أن يختبر بداهة الأشياء، أن يكون صوته.. لم يكن ثمة نصٌّ أو مخرجٌ أو كاميراتٌ متعددةُ العدسات، أو ممثلون يجيدون رشوة العشيقة بحفنة دمع. الميدان وحده كان يوزِّع الحلمَ بالعدل على العشاق.. سهروا حتى الصباح واخترعوا الأغنية.. نساءٌ وأطفالٌ، شبابٌ وفتياتٌ، شيوخٌ وباعةٌ جائلون، فقراءُ الله فوق سطح الرغيف، واضحون كنصل الشمس، موجة تعتلي موجة، والبحر يعلو في الشرفات والمقاهي والأرصفة.. علَّموا الدبابةَ ألفةَ العشق، دلُّوها على المقهى والمتحف والسينما وورشة النهار، غفروا لها حماقة الطريق، زينوا ظهرها بعصافير النشيد، كي تحميهم من عطب السنين وتواطؤ الأعداء.
حين سقط الطاغيةُ اطمأنوا إلى ماء القلب، نظَّفوا الميدانَ بمنافض الروح، دهنوه بآخر لون في اللوحة.. عادوا إلى مخادع أيامهم الجديدة، دم الشهداء كان أكثر ما يؤرقهم، حفظوه في الدفاتر، في أعناقهم، في محافظ أولادهم، أودعوه إلى خازن طبع الأفلام في المعسكر.. كان الجنرالات حديثي العهد بأقواس النصر، لم يفطنوا أن ثمة نسخةً واحدةً للفيلم، أن كلَّ الرؤى والأفكار ووصايا العشب تبدأ من نقطة الصفر.
حين كثر الوسطاءُ على معنى الحرية، ابتكر الجنرالاتُ نسخًا عديدةً للفيلم، سمحوا لكل الكاميرات أن تخطف المشهدَ، كلٌّ على طريقته الخاصة.. ولأنهم حديثوعهد، كانوا دائما سياحا على الميدان، لم يفهموا عِلَّة الأثر، وكيف يكون شاهدا على لحظة السقوط.. كان همهم ألا تعتلي الموجةُ أسوارَ المعسكر، ألا يتعكَّر صفو حارس المدخنة العجوز، فتختلط خيوط الدخان، وتنمحي شهادة العذرية.. لم يكن الأمر يحتاج لحصانة المطلق كي تُحسن الرصاصةُ فرائضَ الدم.. ثمة صلاةٌ لا تُرى، لا تخترقها طلقة أو قذيفة.. عدالةُ الأنقاض لا تحتاج لأدلة الغبار.
في النهر.. جرت أمورٌ كثيرة، انقلبت مراكبُ وسفنٌ، وتهدمت شطوط، صعد قوادون سلالمَ العرش، انتهى دورُ خازن الأفلام، تبخَّر حارسُ المدخنة العجوز، ارتاح الجنرالات، بهدوءٍ ابتلعوا الطُّعمَ.. لا شيء يمكن إنقاذه، ليس ثمة حريّةٌ بين خطين لا يتقاطعان، لا يشدُّ أحدهما هامشَ المتن.. إسقاط الطغاة ليست مهمتنا، نحن حراس الدولة، أقدامنا الغليظة لا تعرف تعددية النص، نحن شرعية الصمت، جرِّبوا طريقةً أخرى للدمع.
فوق الجدران، على أرصفة الشوارع والميادين لا تزال بقع الدم الناشف تعيد قراءةَ المشهد.. فوق المنصة، لا يزال القاضي المحنَّك منهمكا في تنظيف صفحة الماضي.. "عودوا إلى مقاعدكم".. احتسوا الشايَ المعطَّرَ، ميولكم القمعيةُ لا تتعارض مع الشَّرع.
في القصر، لا يزال البلبلُ المخلِّص يعيد تدوير البصائرَ في عتمة النظائر.. يكرِّر سردَ الذات، وأوهام الطبقة من أجل حكمة الموت.. وحدهم القتلى ناموا في هياكلهم، استراحوا، لم تتح لهم الفرصةُ كي يختلفوا على معنى الحياة.
في مثل هذا اليوم، في الخامس والعشرين من يناير 2011.. كان ثمة حلمٌ، نادرا ما يحدث، حتى الآن لا أعرف كيف أضع له عنوانا، ربما الخديعة، ربما الأمل، ربما الألم.. ربما جدارية 25 يناير.