مــا بـقــــي لــــــي

20/11/2015 - 9:49:46

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

سمير عبد الفتاح - كاتب مصرى

بالأمس ماتت زوجتى وأطفأت بموتها كل شموعى، وطويت ألبوم حياتى، وأستطيع الآن أن أستعيد ما جرى، وأنقل حاجاتها الأثيرة إلى غرفتها المظلمة، وأضع مفتاحها بين حنايا القلب، وأرفف الذاكرة فلأضع الإيشاربات هنا، وملابس الإحرام على هذا الجانب، والجوارب فى الدرج الأوسط، وما بقى من ملابس نوم قديمة، بالدرج العميق، ولأعطرها بنفس العطر الذى كانت تحبه، وبات لا يعجب الأحفاد، ولا يعجب من حملتهم فى رحمها، وأرقدتهم على صدرها وسهرت ليناموا، لأبقى على آخر مفرش كنفاه أنجزته وآخر غرزة تريكو لم تكملها فى بلوفر وآخر قلم كحل اشترته ولم تستعمله وآخر قسط لشقة نبيل قبل أن يعمل بالسلك الدبلوماسى، وبما أن صورنا لم تعد مطمعا لأحد فلأكبرها لأعلقها على الحوائط: صورتى وأنا فى ريعان الشباب، وقد رفعت أثقالاً من إسمنت، وبانت ضلوعى، ومن خلفى صورة مكبرة لمحمد على كلاى، ثم صورة زفافنا ، وقد رحل كل من حولنا وأخرى ونحن فى بعثة مدريد، وأخيراً ونحن على شاطئ البحر، وقد تدثرت ابنتنا الأولى ببشكير كبير، ثم صورتنا ونحن نودع سامح قبل أن يهاجر إلى كندا، وأخيراً لحفل تخرج نرمين وقد لبست كاب الجامعة الأمريكية... كانت الجنازة قد انتهت بسرعة، وعرفنا من جامل ومن توانى أستطيع الآن أن أجمع كل ما بقى لى من زوجتى، وأعيد ترتيبها من جديد: كوبها المفضل، ومقعدها الأثير، ملاعقها الصغيرة والكبيرة، سبحتها ونظارتها، حتى جواربها القديمة، ومناديلها التى استعملتها، أو أرجأتها، كلها ملك لى، جزء من تاريخى وذكرياتى، وقطعة من شغاف قلبى كان الأولاد قد رافقونى إلى المقبرة كل بسيارته، وهناك صافحوا الناس وقبلونى وقبل أن يدمى فؤادى أكدوا: أنهم يقدرون عشرتنا الطويلة، ولكن الحى أبقى من الميت، ولا تنس أنها أمنا أيضاً ولنا فيها ما لك فيها، كدت أقول إنها لم تكن زوجتى فقط، لكن سندى ورأس مالى وعينى اللتين أرى بهما طريقى .لم تكن قريبتى أو زميلتى لكن عشرة النصف قرن جعلتها جزءاً من كيانى: لا أستطيع أن أنام بدونها، ولا آكل من غير يدها، ولا أسمع إلا صوتها، وبمرور السنين، اخترعنا لغة تخصنا، وعرفنا متى نصمت ومتى نقول، متى نغضب ومتى نتسامح حتى سلمنا مشاعلنا لآخر الأولاد،.. أشرت لهم أن يصمتوا فصمتوا، وقدر بعضهم حزنى، لكنهم أشاروا أن الحق حق، والصباح رباح.. وقبل أن تشرق شمس جديدة، كانوا قد تربعوا على الصالون، وفكر كل منهم فيما سيحمله لذلك سألتنى ريهام إن كنت سأحتاج للطقم الصينى؟ فنفيت حاجتى إليه، فنادت على زوجها وحملاه -بكرتونته- من المطبخ.. وقبل أن تصارحنى سعاد بحاجتها لذهب ماما، أكد توفيق على حقه الشرعى فى رصيدها البنكى: ولم يجد حرجاً فقدر موقفي ، لكنه أراد أن يقتسم أرض ماما مع جابر، فيما لم تستطع نرمين -التى لم يرزقها الله بولد- كبت دمعها فجلست على حجرى، وقالت إنها لا تريد أى شىء سوى الشقة، بعد أن تبطل زوجها، ولم تنعم بنعمة الأمومة!! ودون أن تسأل أحداً، تسللت إلى غرفة النوم، وراحت تعس وتدس وتلعن وتنتحب، ثم رأيناها تخرج ساخطة ببعض الجوارب الجديدة، والكريمات التى لم تفتح بعد، وقالت إنها لم تجد ما يستحق الاهتمام، فلعنتهم جميعاً.. وطاردتهم بما طالت يدى فتفرقوا، !! وحين أغلقت الباب خلفهم، لم تطاوعنى الدموع، لكنى شعرت بظلام داخلى يملأ أركان روحى ظلام يخصنى وحدى!! ووجدتنى أتذكرها وهى تهتف من المطبخ البعيد: أومليت ولا عيون؟!
فتعجبت، وصحت بعتب خفيف:
- أومليت
فسمعتها تخفق البيض، وتدير المكنسة، حتى شممت رائحة شياط، وصوت المكنسة وهى تسقط على الأرض: شوقية .. شوقية!! هكذا صحت، وأنا أتعكز إلى المطبخ، لأراها تنام على وجهها، وأرى ذلك الخيط الدموى الرفيع، ينزلق من فمها الذى لطالما قبلته.؛