بعض مما روي عن الصبايا

20/11/2015 - 9:47:35

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

سامية شرف الدين - كاتبة من تونس

وكانت الحرية أصل الأشياء إلى أن صنع الإنسان العبودية.
في ذاك اليوم من تلك السنة الفارقة التي صنعت تاريخا جديدا لبعض البشر وابتلعت في عمق الجُبّ بقية الخلائق تراءت للكون بنت لم تفارق سنين الطفولة بعد. كانت مُلقاة في إهمال كثوب ممزق شبه ميتة على سرير خشن في غرفة قذرة.
تنفسها خافت وقلبها يخون الجسد الهزيل الضعيف جدا في تواطؤ متعمد. وجهها الشاحب لا يزال يحمل بقايا خوف وألم. عيناها الواسعتان الجميلتان نصف المغمضتين كانتا بلون الدم المراق على أطراف الحشايا. على الخد كانت لا تزال هناك آثار بكاء طويل هزّ كل كيانها قبل أن تفقد الوعي تماما وتستسلم لذئب مزّق جسدها منذ حين.
جلس على أريكة غير بعيد منها رجل في السبعين من العمر إلا قليلا تبدو عليه علامات الثراء الفاحش يلعق بقايا كأس نبيذ مُعتَّق ويشُم أبخرة القنَّب الهندي المحترق على الجمر بين يديه. انتابه إحساس بارتقاء نفسي وفرح لا محدود ملَك عليه كيانه. على خده الأيمن بعض الصبغ الأحمر الذي كان يزين شفتي البنت. وفي رقبته آثار جروح دامية سببتها أظافرها في محاولاتها الفاشلة التخلص من قبضته. سحب نفسا عميقا من البخار المنتشر. أغمض عينيه كاتما الدخان في صدره لبرهة. ألقى برأسه إلى الخلف في حين انبعثت دوائر الدخان من بين شفتيه المنفرجتين قليلا راسمة أشكالا مجنونة لدوائر تضيق حينا وتتسع أحيانا، ترتفع متعانقة راقصة تتقارب في قبلات ثمْلى عَلَّها تروي ظمأ لاتحاد أبدي تفشل في بلوغه ثم تتباعد سريعا في تلاشيها القدري.
غزا كيانه حنان قلبي لا يعلم منبعه ثم تولدت أوهام وهلوسات لم يتمكن من تحديد كنهها. اضطربت لديه مقاييس الزمان والمكان. شعر أنه يعيش في عالم يزداد اتساعا وتراءت أمامه مشاهد عديدة مُتجددة باستمرار لا نهاية له. تباعدت المسافات بينه وبين الأشياء التي تؤثث الغرفة. بدا وكأنه فقد كل عامل من عوامل الاتزان الزماني والمكاني. فتح عينيه أخيرا. تأمَّلها طويلا دون أن ينبس بكلمة.
ماذا يدور بخلدها وهل عرفت أخيرا معنى النشوة التي حدثتها عنها معلمتها "حليمة" قبل أن تسلمها إليه واعدةً إياها بمستقبل باهر وأمان لا ينتهي!؟
عندما بلغَت الحدود كانت مُنهَكة. سارت لأيام طويلة حافية الأقدام عارية الجسد بعد أن تهرأ نعلها وتمزق ثوبها. فرت من بَرقة مع مَنْ تبقّى من أهلها لكنها وصلت وحيدة. هناك حيث أُقيمَت مخيمات لاستقبال اللاجئين. عانقت الأرض كما نعانق تراب وطن افتقدناه طويلا لأنه الأمان والسلام والمرفأ لكنها لم تكن تعرف شيئا. لم تشك أنه لا مجال للأمان خارج حضن الأم الأول وأنه في وقت وجيز ستتلقفها أكفُّ الذئاب الموتورة. الذئاب الجائعة دوما مُكشّرة الأنياب وأنوفها تشُم الفضاء بحثا عن صيدٍ جديد.
آوتها "المنظمة الدولية لأزمة اللاجئين البرقيين" في بقعة صحراوية معزولة خالية من البشر. قصّرت الخيام المقدمة على الإيفاء بالحاجة فتكدسوا على الرمل مباشرة برغم الشتاء العاصف الذي بدأ يطرق الأبواب. استسلموا لقدرهم مسلوبي الإرادة والأمل. تكوّموا فوق بعضهم البعض بحثا عن بعض دفء مفقود. ندرة الماء وخواء البطن أنهكاهم وتجربة العبور قوّضت أركان ما بالنفس من عزة.
اعتلّ المنفيون وتساقطوا كفراشات ضعيفة أحرقتها موجة ثلج مُباغتة لكن "بنت الاثنتي عشرة" نجت من ذلك الدمار الطبيعي الذي بلغ بالكل حدود الجنون. مع الأيام تزايدت عللهم. غزتهم الأمراض التنفسية والإسهال والجفاف وتملّكهم الرعب حتى جعلتهم مآسيهم أثرى الخلق مكسبا.
أخيرا فُتحت أبواب الجنة الموعودة لما ظهرت سيدة وقور ذات دين وتقوى.
في كل الأزمات الكبرى التي تجتاح الإنسانية، من يمنح وهم الخلاص يحمل دوما بيده صليب فداء يخفي به قلبا مظلما حالكا كليل ديسمبر القاسي القاتل.
بنى "عبيد" لهذه السيدة المبجلة التقية بيتا واسعا عند أطراف المخيم. كثرت الأعطيات وتوفر الطعام لكل جائع. خطب الدُعاة الذين رافقوها في الرجال أَنْ حيّ على الجهاد. الصلاة جهاد وتحرير البلاد جهاد وترك النساء في حماية "أم خالد" إلى أن يحين النصر وتتحرر البلاد من الطاغي جهاد. بسمَلَ الدُعاة وركعوا فركع كل الحشد. تعوَّذوا وحَوْقلوا وتضرّعوا فأمِّن:
ـ آمين. آمين.
ـ ألف آمين...
كثرت حلقات الذكر وتوسعت. تذكر كل ناس اسم الله وخشع. تشبعوا بالإيمان.
لكن أين نقطة الانطلاق؟
- في بغداد خليفة اصطفاه الله وبارك سَلَفه. سيُحيي الدين ويُدافع عن أسماء القديسين. منحه الله حديثا آبارا من الذهب الأحمر. ذهبٌ لن ينضب أبدا يسيل في عروق المملكة ويوسع أرزاق أهلها. ذهبٌ لا تُحَدّ منافعه ولا يقل عن الزيت المقدس طيبا. سيمتلكون بعد النصر بعض فوائده وسيصيرون بحول الله من جملة "الزيتيين" أهل الذهب الأبرار.
ـ هلمّوا إلى طريق الحق. نادى الإمام.
ـ من سيحمي الحريم والأطفال؟ تعالى السؤال.
من العدم تقدم ملاك الرحمة المتجلي. طمأن بآي من النص المقدس الحشد:
ـ امضوا في سبيل الله ولا تجزعوا. يوما ما ستُرَد الأمانات لأهلِها. وعد الله وصدق وعده.
فحمدَلوا.
جُمِعت النساء والبنات وأُدخِلْنَ الدار الواسعة. بعون الله سيُحْفَظن من الخطيئة التي تهددهن لو بقين في العراء إلى حين عودة الرجال غانمين. عالجتهن طبيبات مُختصات وأطعمنهن. مُنع من الدخول عليهن حتى آبائهن. النفس أمارة بالسوء وإن كان الزائر مَحْرما. قام على خدمتهن المخصيون واهتمت بتربيتهن العجائز.
عادت الدماء لتسري في عروق قتلها العوَز.
بعد أشهر من الغياب زارتهن "أم خالد". جالست المسنات من بينهن وحادثتهن طويلا. إلى متى سيبقين في الخلاء. من يضمن عَوادي الزمن. قررت إرسال البنات إلى قصرها في جنوب الشام في مرحلة أولى فوافقن. وعدت أن يعشن في سلام حياة كريمة تُرضي الله ورسوله ويدرسن ما ينفعهن في حياتهن المستقبلية إلى أن يجعل لهن الله مخرجا فقبَّلْن يديها وغمرنَها دمعا وامتنانا.
غمرهن الأمل. هَللْنَ فرحا. سيلتحقن بفلذات أكبادهن ما إن تستقر أمور الصبايا في الشام.
ـ ما أكرمك اللهم. رددت الأمهات.
اقترب شخص ما. يرينه للمرة الأولى. سلّم بحياء شديد ثم وقف بينهن خافضا البصر. أشارت إليه أم خالد فاقترب منها. همست في أذنه بشيء ما ثم أمرت أن يؤخذ إلى عنبر الصبايا. ابتسم. قبَّل يديها الممدودتين وتقهقر إلى الوراء. سبقته بعض الخادمات. عَلَت الجلبة وتضاحكت البنات. استمر الأمر وقتا طويلا ثم سكن كل شيء. عاد العبد الأسود عظيم الجثة للظهور مجددا. أشار بصمت ففهمت أم خالد أن الركب جاهز. استأذنت من رفيقات السهرة. قبَّلْنها بحرارة. وعدتهن بأخذهن في الرحلة القادمة ثم خرجت مُهللة الوجه راضية.
انطلقت القافلة على بركة الله. أحاط بها حرس مدججون بالسلاح وتقدمتها السيدة الطيبة في هودج جميل نصب لها على ظهر أحد الجمال. لم يلتفت أحد إلى الوراء. ساروا قُدما ولم يعلم أحد أن من بقي في الدار لقي نحبه تلك الليلة. بعد مضي عدة أيام ارتفعت رائحة عفونة في الفضاء وتكاثرت الذئاب. من يدري ما سبب الوباء المباغت الذي فاجأ من بقي بالمخيم. مات سر المخيم المنكوب ولم يفطن أحد للقافلة التي ابتلعتها صحراء سيناء والتي حملت كل الصبايا الجميلات.
في قصر عند تلة عالية حط المسافرون رحالهم. تسلم الحرس مستحقاتهم ورحلوا. سيقت الصبايا إلى غرف أُعِدّت لهن. بعد نوم طويل أُخِذن إلى حمام جماعي عند الطرف الغربي للقصر. دخلن حوضا كبيرا مليئا ماء دافئا وبتلات ورد. تراشقن بالماء وتضاحكن. راقبتهن سيدة القصر برضا. كان وجهها يفيض فرحا. قامت نساء خبيرات بغسل أجسادهن ودلكنهن بالصابون والمراهم. مشّطن شعورهن وقصصنه. ألبسْنهن ملابس حريرية ناعمة وزينَّهن ثم أتى الخصيان وحملوهن إلى غرفهن. في المساء جمعهن الخدم في بهو القصر حيث كانوا قد نصبوا طاولة كبيرة وضعوا فوقها كل ما تشتهي النفس من لذيذ الطعام والغلال والفواكه. بعد العشاء أتت "أم خالد" تتبعها عجوز وجهها مطلي بالأصباغ.
شرحت لهن أن إقامتهن بالقصر ليست مجرد نزهة وأن هناك عملا كثيرا ينتظرهن حسب صنفهن. فهمْن إلى أي أصناف ينتمين لما قامت الطبيبات بالكشف عن عذريتهن. وضعت الصبايا العذارى والطفلات ما دون الخامسة عشرة في الجناح الأيمن للقصر وهو جناح أقرب إلى الحديقة الكبرى وقاعاته كلها تمتاز بنوافذ كبيرة إن فُتحت بدتْ القاعات كمسارح ضخمة لا تُخفى أيا من تفاصيلها. في حين أُخِذَت الشابات ممن سبق لهن الزواج أو العمل كجوارٍ إلى الجناح الأيسر. جناح لا يقل أبهة عن نظيره لكنه أقل بهجة. قدمت للعذارى مرافقتها العجوز ذات الأصباغ "حليمة" وقالت لهن إنها من ستشرف عليهن وستعتني ببرنامجهن اليومي. ورافقت البقية إلى جناحهن بعد التوصيات الصارمة والتهديد بالطرد من القصر في حال الشغب. انسحبت سيدة القصر وتولت العجوز شرح ما ينتظرهن من عمل.
في الصباح يبدأ درس اللغات على يدي معلم بارع اُستُقدِم خصيصا من بيزنطة ثم في العاشرة يخرجن للحديقة حيث يقوم بستانيو أحد ملوك الهند تعليمهن فنون الاعتناء بالزهور وصناعة التحف من القصب والخيزران. بعد الغداء يذهبن إلى قاعة الرقص حيث تقوم على تدريبهن راقصات مختارات من بين أشهر راقصات الشرق. بعد حصة الرقص تبدأ حصة الموسيقى والغناء. وفي المساء بعد العشاء ستتولى حليمة تعليمهن فنون الغزل والغرام أجمل ما يمكن أن تتعلمه أنثى خلقت لتكون متعة للملوك الموقرين والأبطال العظماء والأثرياء المُبجلين.
في المساء لما اجتمعن في القاعة الكبرى جلست أم خالد على أريكة تراقبهن. لم تفارق ابتسامة الرضا وجهها. أمرتْهن حليمة بأن يلبسْن ما خفّ من الملابس الحريرية التي تظهر فتنة الجسد وجماله. تولى المخصيون تغيير ثيابهن. ندت عنها ضحكة عندما احمرّت وجوههن خجلا. رفضت الشابات من بينهن أن يلمسهن العبيد لكن العجوز نهرتْهن بقسوة فامتثلْن وقد فاضت عيونهن بالدمع. عاتبتها أم خالد في دلال طالبة منها أن تترفق بهن بما أنها تجربة العري الأولى لهن. ثم بدأ الدرس.
طلبت منهن أن يشكلن فرقا من زوجين وأن يقلدْنها في كل ما تقوم به. وقفت وسطهن وقد اختارت أحد المخصيين شريكا. احتضنته وضمته إلى صدرها الضخم وبعين قاسية أمرتهن أن يفعلن مثلها فخضعن. ثم بدأت تجربة التقبيل.
ـ يجب أن تكون القبلة على الشفتين وأن يكون وضع الرأسين متقاطعا لكي لا نقطع التنفس عن الشريك. جربْن ذلك. التحام أكثر. قرب أكبر. الشفتان تسحقان تماما. ما الذي يعتريكن أيتها الكسولات؟ من لا تريد أن تقوم بالتمرين فلتذهبْ إلى غرفتها ولتجمع ثيابها وترحل.
ترددن قليلا لكن بالنهاية خضعن. إلى أين سيرحلْن على كل حال؟
ـ لنمرّ إلى التجربة التالية انظرنَ مليا. هكذا نمصّ شفتي الشريك. نقضمها كتفاحة ناضجة. نعتصرها ونشرب خمرها. أحسنتنّ يا غزالاتي الرائعات.
فجأة تقيّأت إحدى البنات. أغرقت وجه رفيقتها التي أجهشت بالبكاء.
ـ يلعنكن أيتها الغبيات الفاشلات.
لم تفارق الابتسامة وجه أم خالد. أمرت العبيد أن ينظفوا المكان وأن يغيّروا ثياب البنتين بسرعة لكي يُستأنَف الدرس.
بعد برهة شرع كل زوجين في تجربة القبلة الحارة الشبقة.
توالت الأيام واستمرت الدروس بوتيرة جادة وصارمة. كل منْ أظهرت تهاونا أو نفورا عوقبت بالحبس والحرمان من الطعام فسرى الجد والنشاط في صفوف الطالبات وتحسّن الأداء بسرعة فائقة. تعلمن اللغات العالمية كلها والكلمات البذيئة المستفزة والأغاني الماجنة والرقصات المثيرة. دربتْهن حليمة على إثارة الشريك بإظهار مفاتن الجسد. تعلمن في وقت قياسي كيف يتمنّعن وكيف يعِدْن بوصل ويبخلن به.
الخروج للحديقة كان لتطبيق القواعد المدروسة في المساء أكثر من الاهتمام بدرس البستنة. كُنَّ يختفين خلف الأشجار حيث يطبقن في الهواء الطلق ما تعلمْنه. لم يغضب إهمال هذه المادة البستانيين. كانوا يسترقون البصر مستمتعين بمراقبتهن يتغازلن ويتبادلن القبلات.
وجاء موسم الحصاد.
(من رواية "يوم واحد طويل" قيد النشر)