إيقاعات فى أعماق الضوء

20/11/2015 - 9:46:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

ملاك ميخائيل شنودة - كاتب مصري

الصمت يخيم على المكان. ثلاث دقات رتيبة ومتوالية. الستار الأحمر نارى اللون ينفرج ببطء شديد ومتعمد. أخيرا انفتح الستار تماما. خشبة المسرح خالية. (سفروت) عازف الأكورديون يعزف مقطوعة موسيقية من أغنية معروفة. فجأة... تدخل (سمارة) الراقصة المشهورة. تندفع بسرعة الإعصار وخفة الفراشة ورقة النسيم.
ملابسها الحريرية الشفافة تتطاير هفهافة من حولها. أضواء المسرح الملونة تتراقص على جسدها البض. مصباح أبيض لامع كالشمس يصب أنواره عليها. الضوء الأبيض يتشابك ويتلاحم مع الأضواء مختلفة الألوان، لتلفها وتصنع منها إلهة من آلهات الجمال فى الأساطير القديمة. كل المتفرجين الذين يمتلئ بهم المسرح الكبير عن آخره يصفقون لها بأيديهم ومشاعرهم. يصفرون ويهتفون بقلوبهم وحناجرهم أيضا. كل العيون تتعلق بها وتتزاحم على جسدها وهى لا ترى أحدا. كل القلوب والمشاعر تحتضنها؛ تذوب فيها وتتمناها وهى لا تحس بأحد. عيون وقلوب ومشاعر الحاضرين جميعا تحيط بها وتتعلق بخطواتها، وأنا فى الظل، لا يكاد يرانى أو يشعر بى أحد. الظل كلمة مرادفة للظلم والظلام؛ ولكنها أكثر رقة منهما.
احتضنت رفيقة عمرى. أحسست بها دافئة وهى ترقد مطمئنة بين يدىّ. شعرت بارتعاشاتها المنتشية تحت لمسات أصابعى. أكثر من عشر سنوات وهى معى. عاصرت وعاشت ظروف حياتى كلها. رأت الليالى التى نمتها بلا عشاء. شاركتنى أيام فقرى وبؤسى وتعاستى، أيضا أيام فرحى وسعادتى. لم أهملها قط، ولم أفكر فى هجرها وتركها إلى غيرها. تمسكت بها ولم أفرط فيها حتى فى أقسى وأصعب الظروف. فى الأيام التى لم أكن أجد فيها ثمن رغيف الخبز، لم يخطر ببالى أن أبيعها لأشترى بثمنها هذا الرغيف الذى أسد به جوعى. كانت تشتعل حبا وعطاء تحت لمسات أصابعى. ثم... قبلت طبلتى.. رآنى (سفروت) عازف الأكورديون فابتسم لى، وهز رأسه محييا. فى حركة مضحكة قلدنى واحتضن آلته الموسيقية ومال عليها وقبلها. تجمعنا معا صداقة قديمة ومهنة واحدة منذ سنوات طويلة مضت. أظن سبع سنوات.
كان المقام قد استقر بى فى فرقة الراقصة (سمارة). لم تكن قد عرفت أو اشتهرت بعد. أصبحت عضوا مهما لا غنى عنه فى الفرقة الموسيقية الصغيرة. إذا كان أذان الديوك يجعل الشمس تشرق، وصفارة الكمسارى تجعل الترام يتحرك، فإن إيقاعات طبلتى هى التى تجعل (سمارة) ترقص. ليس غرورا ولكنه ما يحدث فعلا. بدون إيقاعاتى الساحرة والسحرية لا تستطيع (سمارة) أن تقدم رقصاتها المثيرة والرائعة.
على أحد المقاهى قابلت (سفروت). تعارفنا وتصادقنا. كان من ذلك الصنف من الناس الذى تحبه "لله"، بمجرد رؤيته. صحبته معى وتوسطت له فأصبح عازف الأكورديون بفرقة (سمارة). مع مرور الأيام؛ أصبحنا (سفروت) وأنا كل الفرقة. صرنا كسائق وكمسارى الترام، بهما معا يسير، وبدون أحدهما يتوقف. بمناسبة الترام والسائق والكمسارى، عندما كنت صغيرا كنت أهوى التعلق و(التشعبط) بالترام. كان الكمسارى يطاردنى بإصرار محاولا الإمساك بى ليحرمنى متعتى. كنت أراه يقترب منى بخبث الثعلب، فأتركه حتى يظننى قد أصبحت بين يديه، وعندئذ أقفز كالأرنب مهما كانت سرعة الترام. ذات يوم كدت أقع تحت عجلات الترام الحديدية الباردة لتمزقنى. أفلت من موت محقق. لمّا عدت إلى البيت، وحكيت لأمى ما حدث، صرخت فزعة فى أول الحكاية؛ ثم شتمتنى وتمنت لو كنت متّ حقا فى نهايتها. يومها قالت لى المثل الوحيد الذى ما زلت أحفظه من كل أمثالها الكثيرة التى كانت تقولها فى كل مناسبة وبلا مناسبة أيضا: "عمرالشقى بقى". ماتت أمى الطيبة قبل أن ترى ما وصلت إليه من بحبوحة عيش وسعادة. صحيح أننى لا أمتلك الكثير من المال، أو غيره من الأشياء التى يقاس بها غنى وثراء الإنسان، لكننى أعيش سعيدا. السعادة لا تنبع مما نمتلك، ولكنها تخرج وتشع من أعماقنا لتلون الحياة من حولنا بالحب والبهجة والأمل.
يبدو أننى قد سرحت كثيرا مع أفكارى وذكرياتى. أفقت من سرحانى عندما لكزنى سفروت بيده فى صدرى. كانت سمارة قد بدأت رقصتها. تأخرت لحظة عن متابعتها بايقاعات طبلتى. هززت رأسى لأطرد منه الخيالات التى تملؤه، والذكريات والخواطر التى تتلاعب به. بدأت إيقاعاتى تنتظم مع رقص (سمارة) وحركاتها. أكف المتفرجين تشارك الإيقاعات بالتصفيق المنغم والمستمر. جسد (سمارة) يتلألأ رائعا ومثيرا تحت الأضواء الملونة. خلال السنوات التى عملتها معها، رأيتها آلاف المرات، وفى كل مرة كانت تختلف وكأننى أراها ترقص للمرة الأولى. أحببتها. واتتنى الشجاعة فصارحتها بحبى لها. كنت أيامها لا أزال أملك جرأة وشجاعة واندفاع الشباب. فاتحتها برغبتى فى الزواج منها. ضحكت ضحكة ناعمة كجلد الثعبان، ومليئة بحرارة جهنم، وفيها دلال القطط. سرت ضحكتها فى داخلى كالكهرباء. أحسست وكأننى قد اشتعلت وتوهجت واحترقت فى لحظة واحدة. دفعتنى بيدها اليمنى، ومدت يدها اليسرى أمام وجهى وهى تكاد تخرق عينى بأصابعها. تسمرت نظراتى على تلك الدبلة الذهبية فى خنصرها. أفهمتنى أنها متزوجة عرفيا من المعلم (عباس) تاجرالشنطة. اعتذرت لها. عادت تضحك بإغراء، وربتت على كتفى وهى تهمس لى بصوت راقص كجسدها:
ـ إذا قبض على المعلم وأخذ تأبيدة، أو لا قدر الله راح عند خالقه، ستكون الأولوية لك.
ـ بعد الشر عنك.. وعن المعلم.
وأنا أتراجع مبتعدا عنها، سمعتها تقول بحرارة: "وبعد الشر عنك يا حلاوة.. ربنا يحرسك لشبابك". بعد مدة لا أذكرها، تزوجت (نادية). بنت حلال. من عائلة فقيرة وبسيطة، لكنها أصيلة وطيبة. أنسانى حبى وزواجى حكاية غرامى بسمارة.غرقت فى البيت نهارا، وفى العمل ليلا. كانت نادية "وش خير" علىّ كما يقولون. بعد زواجى منها، فتحها الله أمامى وانهمرت علينا الخيرات كالمطر. أصبحت حياتنا مليئة بالحب والرخاء والسعادة.
"أعد... أعد... أعد".
أفقت من سرحانى على صيحات المتفرجين. رأيت(سمارة) تبتسم لى بتقدير وإعجاب واضحين. همس (سفروت) وهو يحتضننى بعينيه: "يا ابن الإيه. كيف عزفت هذه الإيقاعات السحرية الرائعة؟! منذ سنوات لم تعزف كما عزفت الآن. الله ينور عليك". طلب المتفرجون أن أعيد ما عزفته. لم أعرف أية إيقاعات تلك التى يطلبون إعادة عزفها. كنت فى سرحانى مع أفكارى وخواطرى قد عزفت ما أعجبهم، وكنت الوحيد الذى لم يسمع ما يعزفه. غريبة حقا. ليس هناك من سيصدق أننى لا أعرف أية إيقاعات يطلبون سماعها ثانية. توقفت صيحات المتفرجين وصرخاتهم وصفيرهم تماما عندما رفعت (سمارة) يديها لأعلى. بدأ الصمت ينتشر، وساد المكان كله لما وقفت فى منتصف المسرح.
أصلحت من وضع طبلتى على ركبتىّ. نظرت لى (سمارة) وهى تبتسم. أمسكت بأطراف ملابسها الحريرية الشفافة. أطارتها فى الهواء وهى تومئ لى برأسها. بدأت ترقص على إيقاعاتى. جسمها اللدن الجميل يتماوج براقا لامعا ومزهوا تحت الأضواء الملونة التى تحتضنه بشوق ولهفة. خيّل إلىّ أنها معى وحدنا. كل جزء من جسدها العارى يتماوج مرتعشا كالمحموم. (نادية) زوجتى ترقد الآن فى مستشفى الولادة. ذهبت لزيارتها قبل مجيئى للعمل، كما تعودت منذ دخولها المستشفى. أخبرونى أنها قد تلد اليوم. لعلها تلد الآن. جسمها يتلوى من الألم. الأضواء مسلطة عليها، والعيون كلها ترقبها باهتمام. تمسك فمها بيديها حتى تمنع صرخاتها من الانطلاق. تلقى قبلاتها على المتفرجين. المخاض يأتيها. ملابسها تتطاير من على جسدها. الهتاف يتعالى والصفير يتواصل. الصراخ الذى يوجع القلوب الملتفة حولها يتزايد. أصابعها تتشنج وتلتف بعصبية على أعمدة السرير المعدنى الأبيض الذى ترقد عليه. ولاداتها الثلاث السابقة كانت متعسرة. ينقلونها إلى حجرة العمليات. ترقد على المنضدة الجلدية المستطيلة. خشبة المسرح تتأوه تحت تثنيات جسدها اللولبى. المصابيح الكهربية تنخفض لتصبح الرؤية أكثر وضوحا. الأضواء الملونة تتراقص بسرور ونشوة على كل جزء من جسدها العارى المتموج. عيون الأطباء ترقبها باهتمام وأيديهم تتحسسها بقلق. عيون المتفرجين تلتهمها بتلذذ وأكفهم تشتعل من حرارة التصفيق لها. التوتر يسود المستشفى كله. الجميع يلهثون جريا هنا وهناك، بحثا عما يساعدهم على تخفيف آلامها.
سنوات طويلة وأنا فى مكمنى هذا وراء الستار. فى الظل. الجمهور كله يسمع إيقاعات طبلتى هذه، دون أن يرانى ولا لمرة واحدة. أتمنى أن يرى الناس أصابعى التى تتحرك (سمارة) على إيقاعاتها. تملكتنى رغبة جنونية فى الخروج من وراء الستار والصياح بالمتفرجين:
"أيها الناس.. انظروا. هذه هى أصابعى. إنها الأصابع التى تحرك لكم بإيقاعاتها السحرية جسد (سمارة) الذى لا تشبعون أبدا من رؤيته".
قاومت شيطانى واستعذت بالله. واصلت العزف. بدأ الوليد يطل برأسه ليشق لنفسه طريقا للحياة والنور. ملأت صيحاته الخفيضة الغرفة كلها. كل الأطباء والعاملين بالمستشفى تنفسوا الصعداء. أغمضت أمه – زوجتى - عينيها بعد الجهد والعناء الذى قاسته لتجىء به إلى الدنيا. استرخت أعصابها المشدودة، واستراحت عضلاتها المرهقة على موسيقى صرخاته الباكية والخافتة. زادت سرعة إيقاعاتى. رقصت (سمارة) كما لم أرها ترقص من قبل. زدت من سرعة وقوة إيقاعاتى أكثر فأكثر... وفجأة توقفت إيقاعاتى وتوقفت (سمارة) عن الرقص فى لحظة واحدة. تسمرت فى وضعها كما هى، معلقة على رجل واحدة كراقصة الباليه البارعة. ارتفع صياح الجمهور وهتافه وصفيره وتصفيقه. انحنت تحيى المتفرجين برشاقة وهى تبتسم وتلقى بقبلاتها إليهم عبر الهواء. دون أن أتوقع، جاءتنى. أمسكت بيدى. شدتنى معها. جرتنى وراءها إلى وسط المسرح. وقفت إلى جوارها للمرة الأولى تحت الأضواء. صفق لى المتفرجون وهى ترفع يدي أمامهم إلى أعلى. أحسست بالعيون تحاصرنى دون أن أراها. سمعت (سفروت) ينادينى. أشار إلي بيديه وهو يصيح راقصا وضاحكا:
ـ جالك ولد.. جالك ولد.
هزنى الموقف من أعماقى. ملأتنى فرحة غامرة. اغرورقت عيناي بالدموع. لم أعد أحس بشىء.