محمد القصبي وتفاعل الأجيال

20/11/2015 - 9:41:12

محمد القصبى محمد القصبى

يوسف الشاروني - كاتب مصري

بداية تعرّفي بمحمد القصبي كانت حين سافرت للعمل بسلطنة عمان كرئيس لقسم الترجمة بشركة النفط العمانية (شركة بريطانية هولندية) في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، حين زارني الأديب المرحوم عبد الستار خُليف وبصحبته محمد القصبي: شاب في العشرينيات ويعمل رئيسا لتحرير مجلة الأسرة، إحدى المجلات العمانية التي تجمع بين أخبار الأدب والمجتمع.
وقد دعاني في ذلك اللقاء للمشاركة في نشر موضوعاتي بالمجلة عن السلطنة التي كنت سعيدا بالكتابة عن اكتشافاتي لنفسي ولغيري عن كنوزها التاريخية وإنجازاتها المعاصرة، والتي أقحمتني فيما أطلقت عليه في سيرتي الذاتية "ومضات الذاكرة"، "حوارات سبلة عمانية" (والسبلة هي المكان المخصص في القرى العمانية لاستضافة الغرباء، وإقامة حفلات الزواج وتقبل العزاء، واللقاءات الاجتماعية والندوات) وذلك حين تعرضت لهجمات بعض الإخوة العمانيين بسبب المسافة الثقافية بيننا، فبادر محمد القصبي بالوقوف إلى جانبي بأكثر من مقال في مجلته الأسرة، أذكر منها مقالين أولهما بعنوان "يوسف الشاروني الذي أعرفه" (3 ديسمبر 1986) ومما قاله في مقدمته "أتابع في شيء من القلق ما يُكتب ويقال عن أديبنا يوسف الشاروني، وأشد ما أخشاه أن ينسحب الرجل إلى داخله تدفعه أحاسيس المرارة ليس لكثرة ما انُتقد، لكن لافتقاد منتقديه إلى الرؤية الصحيحة". ثم يناقش قضايا أثارها المهاجمون نتيجة ما أطلق عليه "قصور في المعرفة". ومنها قضية الأدب الشعبي حيث يقول إن محاولاتي "قوبلت من البعض بعدم الفهم لعدم إدراكهم أهمية التراث الشعبي في الحضارات الإنسانية بوجه عام وفي تكوين الأدباء والقصاصين بوجه خاص، لهذا نجد كل المجتمعات تحتفى بتراثها الشعبي، وتنشئ المراكز المتخصصة لإحياء كنوزها من القصص الشعبية".
أما الموقف الآخر فحين تعرضت لهجوم من الوزير إبراهيم بن حمود الصبحي في ملحق صحيفة عُمان الثقافي (أشبه بصحيفة الأهرام وقتئذ في مصر) بتاريخ أول يناير 1987 بعنوان "أهل مكة أدرى بشعابها"، يقصد بذلك أن العمانيين أدرى بتراثهم الشعبي من وافد قادم من مصر. وكان رد فعلي مقال بعنوان "وجدت كنزا فاغترفت منه" في 15 من الشهر نفسه في الصحيفة نفسها. بينما هاجمني رئيس تحرير صحيفة عُمان "حمود بن سالم السيابي" (21 مايو 1981) بعنوان "قصص من التراث العماني، روايات غير عمانية لرواة عمانيين" وقد رددت عليه بدوري. لكن ما يهمني هنا هو مبادرة محمد القصبي بالرد على تلك الانتقادات في مجلة الأسرة بمقال عنوانه "قصص من التراث العماني، محاولة رائدة من الشاروني للبحث في جذور القصة العمانية" (3 يونيو 1987) قام فيها باستعراض كتابي "قصص من التراث العماني" موضوع الهجوم، ردا عمليا على منتقديه، مختتما دفاعه معلنا أن هذا الكتاب يُعتبر صورة شبه متكاملة لجذور ما يمكن تسميته بفن القصة العمانية.
فلما غادرت سلطنة عمان (عام 1992) وظل فيها محمد القصبي لم تنقطع صلتنا سواء حين يحضر إلى القاهرة في إجازته السنوية أو عن طريق التراسل. وأضرب مثلا بخطاب يفتتحه قائلا: لن أشكرك على مفاجأتك السارة على "زمن الجنرال" (مجموعة قصصية نشرها في القاهرة وهو في السلطنة وأرسلت أول نسخة منها إلى مؤلفها في مسقط) ولكن سأشكرك وبصدق على رائعتك "المساء الأخير"، (1963) أقرؤه حاليا وللمرة الثانية.
وواضح أن محمد القصبي طور ما كان يكتبه في افتتاحيات مجلة الأسرة التي كان يحررها بناء على رأيي الذي أبلغته أنها قصص مجهضة لو صبر عليها لاكتملت قصصا، بل طالت قاماتها إلى روايات كتبت عن ثلاث منها: مجموعته القصصية "هموم امرأة متمردة"، (1990) وتضم خمس قصص وصفتها "كأنها خمس طلقات تصل إلى وجدان قارئها مباشرة بحيث تصبح جزءا من وجوده. ويتسع مدى الرؤية في المجموعة من الهموم القومية حتى الهموم الشخصية". (يوسف الشاروني، من جراب الحاوي، القاهرة، 2003).
وقد أصدر محمد القصبي مجموعته القصصية "زمن الجنرال" (1990). بعدها انتقل إلى الإبداع الروائي فأصدر ثلاث روايات: "الخليفة" (1999) التي فازت بجائزة الإبداع الروائي بإدارة الإعلام والثقافة بالشارقة، و"عائلة صابر عبد الصبور" (2001) الفائزة بجائزة نادي القصة بالقاهرة، وروايته الأهم "عّراف السيدة الأولى" (2002).
وفي عام 2006 أصدر في سلسلة "أصوات أدبية" بقصور الثقافة كتابه السابع "هذيان على قبرها"، ويتضمن قصتين: الأولى أقرب إلى الرواية القصيرة (83 صفحة) التي أخذ منها عنوان كتابه، والثانية أقرب إلى القصة القصيرة الطويلة (ثلاثون صفحة) عنوانها "سيرة ذاتية لرجل ميت". وبحكم اقترابي من محمد القصبي فأنا أعرف مصادر قصته الأولى بل عايشتها حين كنت مع زوجتي في سلطنة عمان، وكانت زوجته الشابة وأم ابنه وابنته قد أصيبت بداء الالتهاب الكبدي الوبائي. ولأن محمد القصبي من الشخصيات التي شعارها: ما لا يميتني فهو يحييني، فقد استطاع أن يحّول الآكل أُكلا وتجاوز محنة غياب رفيقته لتصبح مادة خصبة لعمل أدبي يتأرجح ما بين القص والبوح والتأمل واستدعاء قراءات تثري الحدث، مخاطبا في الختام زوجته الغائبة الحاضرة "فبعدك لا أحزن.. وحزني برحيلك تنضب معه كل عيون الحزن".
وفي عام 2010 نشرت مقالا في جريدة القاهرة عن مجموعته القصصية "توأم سيامي"، وتحت العنوان "فانتازيا تسخر من أحوال المثقفين" بعد أن تتسلل إلى أكثر من قصة ما يُعرف بأدب الاعتراف. حيث تتناول أحوال وهموم المثقفين بأسلوب فانتازي ساخر.. مثل قصة "انتحار المؤلف" والتي جعل محمد القصبي من سطورها لعمله الإبداعي العظيم "عّراف السيدة الأولى": مناقشة درامية بينه كمبدع وأبطال روايته حين يؤنبه بطلها منذر عبد المهيمن: لم يرق لمزاجك الدموي أن يعيش هذا الفلاح المسكين فعدلت النهاية وقتلته. ثم مستطردا: ألا تلحظ.. في داخلك يختبئ مسدس إن اشتد إلحاحه عليك دفعته إلى قبضة أحد أبطال رواياتك، فلا يليق بمؤلف متحضر مثلك أن يقتل.
وقد واصل صحبته الإبداعية فنشر أكثر من دراسة عن إبداعاتي منها "يوسف الشاروني الصارخ في البرية بعد الأذان في مالطة" (2005) إشارة إلى كتابين لي بالعنوانين السابقين، صدر عام 2005 "الأذان في مالطة"، و"الصارخ في البرية دراسات وكلمات تكريمية في مناسبات احتفالية" صدر عام 2003.
وبتاريخ 5 مايو 2009 نشر مقالا في صحيفة القاهرة عن كتابي "الحكاية في التراث العربي" (2008). كما أثار قضية مهمة في مقاله "الحوار الموضوعي أفضل من اتهام الناس في ذمتهم وأخلاقهم" حين اتهمنى القصاص سيد الوكيل بأنني وقفت حائلا دون حصوله على جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة لأن مجموعته التي تقدم بها تحتوى على أجواء مسيحية واضحة أثارت حفيظتي. وقد بادر محمد القصبي بالرد على هذا الاتهام السخيف مستشهدا بعلاقتنا الشخصية والإبداعية الممتدة، وكتاباتي عن مبدعين لا تُعرف أسماؤهم بين الأديان قائلا: "إن محك الجودة وحده هو الذي يلعب الدور المحوري في إصدار الشاروني أحكامه سواء في كتاباته النقدية أو نشاطه بلجان الفحص". وختم كلماته بقوله: وعذرا لو قلت لصديقي سيد الوكيل إن إقحام الدين في مثل هذا لا يليق بمثقف مثله.
أما آخر تحية لي فهو ما نشره في صحيفة القاهرة بتاريخ 3 إبريل 2013 وكأنه ويا للغرابة رد غير مباشر على القضية السابقة، بعنوان: (سؤال تستغرق الإجابة عنه 112 صفحة، مصر الإسلامية كيف تبدو في قصص يوسف الشاروني)، وهو عرض لفصل "المؤثرات الإسلامية في قصص يوسف الشاروني" من كتاب "دراسات في قصص يوسف الشاروني" للأستاذ مصطفي بيومي الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2013. وكان ذلك الفصل إجابة عن سؤال أثاره بيومي: هل يمتلك كاتب مصري مسيحي أن ينجو من المؤثرات الإسلامية في إبداعه الأدبي؟ والإجابة بالطبع نفيا لأن المبدع ابن بيئته بغض النظر عن عقيدته أو حتى جنسيته إذا كان يعيش في وطن آخر مثل الروائي الهولندي المولد الإنجليزي الإبداع جوزيف كونراد (1857 ـ 1924)، أجاب مصطفي بيومي عن هذا التساؤل: إن التأثير حتمى والصدق في التعبير يتضمن بالضرورة استيعاب هذه المؤثرات الإسلامية وإعادة إنتاجها فنيا. وهذا ما فعله يقينا يوسف الشاروني عبر العشرات من قصصه القصيرة.
وهكذا يمثل مشواري مع محمد القصبي تبادل الإبداع والنقد بين جيلين كل منهما يفيد ويستفيد من الآخر.