نصف قرن على رحيله .. كامل الشناوي .. شاعر الدموع والسراب

20/11/2015 - 9:40:07

الشناوى وعبد الوهاب وأم كلثوم الشناوى وعبد الوهاب وأم كلثوم

محمد رضوان

تمر فى الثلاثين من نوفمبر 2015 ذكرى مرور خمسين عاما على رحيل شاعر الحب والحرية والحرمان كامل الشناوى..
وبعد خمسين عاما على رحيل هذه الظاهرة الأدبية والسياسية والصحفية يحق لنا أن نتساءل : ماذا بقى من كامل الشناوى ؟
وإذا حاولنا أن نجد إجابة عن هذا السؤال.. علينا مراجعة تاريخ هذا الأديب: صحفيا وسياسيا وأدبيا وفنيا وحينئذ سنجد أمامنا ظاهرة نادرة من المواهب والقدرات تجمعت فى هذا الإنسان الرقيق الحساس فضلا عن تأثيره العميق فى إبراز العديد من المواهب الأدبية والفنية على الساحة الثقافية فى مصر .
وبقدر تأثيره فى الحياة الثقافية فى عصره، بقدر أن حياته القصيرة ذاتها كانت مليئة بالتجارب والخبرات والحكايات المثيرة للاهتمام والدراسة .
ولعل ظاهرة الحب فى حياة كامل الشناوى وتأثيرها فى شعره كانت ظاهرة لافتة للنظر، فقد عاش تجاربه العاطفية وانفعل بها وترجمها لنا شعراً عاطفياً صادقاً مليئاً بالشك والدموع والحيرة.
وقد تساءل الشاعر الكبير والإعلامى القدير فاروق شوشة فى مقالة بالأهرام (9 نوفمبر 2014) عن سر تجاهل ذكرى كامل الشناوى الذى لم يتح له من يتناوله بقلمه ليرسم صورته إنساناً وإذاعياً ووطنياً، ورجل علم وسياسة وفن، من بعض تلاميذه ومريديه فى مدرسة الصحافة التى كان متربعاً على قمتها: كاتباً، وناقداً، وشاعراً، وأنيس أسمار، ومكتشف مواهب، وراعى أقلام وأصوات جديدة، ومطلق نجوم شابة فى فضاء الصحافة والفن، فهو فى مكانه المفضل فى سهراته ومجالسه واجتماعاته، الرائد والأب الروحى والمُعلم، والمؤازر والمساند لكل من يلتفون حول مائدته العامرة بغذاء الأرواح والأبدان من بدايات الليل حتى مطلع الصباح، حين ينفض المجلس، ويتجه المحتشدون من حول كامل الشناوى، كل إلى غايته، ويرحل هو إلى بيته وحيداً، منفرداً، معذبا بشجونه، محملاً بقصصه وذكرياته، وأشواقه وهمومه!
وقد ضاع الكثير من عمر كامل الشناوى فى أحاديث هذه المجالس ووقائعها وما حفلت به من فن وظرف وفكاهة ونقد ، ومقالب ومداعبات ، وتسرب الكثير من أيام هذا العمر ولياليه فى السمر والمؤانسة والمجالسة، ولم يتبق له من الوقت الذى ينبغى أن يخصصه لفنه الأثير: الشعر إلا أقل القليل، وبعد رحيله فى 30 نوفمبر 1965 اكتشف قراء ومحبو شعره والراغبون فى دراسته أنه لم يترك إلا ديوانا صغير الحجم هو ديوان «لا تكذبى» تلتمع فيه القصائد التى أبدعها وتحولت إلى أغنيات وهو الأمر الذى حدث للشاعر أحمد رامى (1892 - 1981) الذى استغرقه فن كتابة الأغانى، ومعظمها بالعامية، وعندما نشر ديوانه اكتشف الناس أنه لا يليق بشاعريته التى تسربت فى ثنايا أغنياته .
لكن كامل الشناوى لم يكتب العامية ، متمسكا بالشعر الفصيح حتى ختام حياته ، فى حين أن شقيقه المبدع الكبير مأمون الشناوى بدأ حياته واحدا من شعراء جماعة أبوللو التى قامت فى مستهل ثلاثينيات القرن العشرين (سنة 1932) ونشر على صفحات مجلتها عددا من قصائده البديعة ، لكن العامية جرفته بدورها حين انقطع عن الشعر الفصيح ووجد ضالته فى كتابة الأغانى بالعامية ، ليصبح واحدا من فرسانها المعدودين له لغته وعالمه وصوره وأخيلته وحساسيته العاطفية والإنسانية وهكذا قدر لكل من الشقيقين أن يكون علما متميزا فى مجاله، ووترا منفردا فى إبداعه ، وإن آثر أحدهما الفصحى وآثر ثانيهما العامية على حد تعبير الشاعر فاروق شوشة .
والحقيقة أن هناك ثلاثة مؤلفات صدرت عن كامل الشناوى أولاً «آخر ظرفاء هذا الزمان» للكاتب الصحفى يوسف الشريف صدر فى يناير 1980 والثانى كتاب الصحفى والإذاعى المبدع سعد زغلول نصار عن سيرة كامل الشناوى فى شكل عمل درامى إذاعى قام القانونى القدير رجائى عطية بتقديمه للقارئ العربى وإخراجه للنور سنة 2011 وثالث المؤلفات كتابى «كامل الشناوى : شاعر الحب والحرية» الذى صدر فى القاهرة سنة 2011 وفيه حاولت أن أقدم صورة إنسانية صادقة للشاعر كامل الشناوى العاشق ، الذى يحترق ويذوب وجدا وهياما، والناقد الذواقة صاحب الوعى والبصيرة، والكاتب الذى تنبض لغته بالعصرية والأناقة والرشاقة، والشاعر الذى تتوهج كلماته بالقوة والعنفوان والعاطفة وجيشان الإحساس، والصحفى الأستاذ الذى تتجه سهام قلمه وحواراته إلى الهدف من أيسر سبيل والعاشق الذى تقلب على خنجر الغدر والخيانة قرب ختام حياته ، فحول مأساته وفجيعته - فيمن أحب - إلى كلمات مرفرفة وقصائد غنائية بديعة .
غير ذلك هناك سلسلة من المقالات للكاتب الصحفى زكى محمد زكى نشرها فى مجلة آخر ساعة سنة 2008 عن كامل الشناوى تستحق أن تجمع فى كتاب لما فيها من معلومات دسمة.
ولا تكفى هذه القلة من الكتابات عن كامل الشناوى وتأثيره فى حياتنا الثقافية والفنية لتغطية كافة جوانب حياته الزاخرة بالأدب والثقافة والفن ولكن أود أن أقف هنا لأبين مدى تأثير الحب والجمال فى حياته وهو الذى قال يوما : «إنى أحب الجمال، ولو تحول إلى خنجر يسكن ضلوعى ، يجول فيها ويتلوى ويقفز : أحبه فى فكرة، كلمة، لوحة، نظرة، إشارة، شروق، ضباب، حقيقة، خيال، بحر هائج، رياح عنيفة، نسيم ضعيف ، نغمة تنساب من حنجرة أو آلة موسيقية «إلى أين يقودنى الجمال؟ كم أعانى انفعالاتى به، إنها تثير فى نفسى القلق والريبة والرعشة .. وكم ألهبتنى هذه الانفعالات وأضرمت النار فى دمى ونبضى، وما حاولت يوما أن أفر منها ، فهى مثل الحياة تشقينا ولكننا نحرص عليها ونتشبث بها ونمارسها لنحيا، ونحيا لنمارسها» .
كان كامل الشناوى - كما وصفه صديقه الشاعر صالح جودت (1908 - 1976) بسمة على ثغر الحياة لا تكاد تذكر يوما من أيامه أو ليلة من لياليه إلا قفزت على شفتيك ابتسامة لنكتة قالها أو بيت طريف رواه أو مقلب هيأه لبعض أحبابه وأصحابه
وكان يستخفه الحسن ، فعاش عاشقا لا ينجو من حب إلا ليقع فى حب جديد ولكنه فى كل حب له يؤمن بالروحية دون الحسية ومع تواضع مطالبه من المرأة لم يلق منها فى كل مرة إلا الغبن، فعاش عاشقا شقيا شجيا، وهذا هو سر الحرقة فى شعره ولعل إلقاء الضوء على تجاربه العاطفية منذ مطلع شبابه حتى رحيله يوضح لنا سر شقوته وعذابه ومع ذلك ظل قلبه يخفق بالحب ويغرد للجمال .
القلب العاشق
مر كامل الشناوى بالعديد من التجارب العاطفية التى لم يجن منها سوى الدموع والجراح ونورد هنا بعضها لنتعرف تأثيرها فى حياته وشعره وفلسفته فى الحياة .
الحب الأول
كان ذلك عام 1930 ، وكان كامل الشناوى فى حوالى العشرين من عمره وكان يستعد للسفر إلى فرنسا ليتعلم فى جامعة باريس بعد أن ترك الأزهر بعد عام دراسى واحد .
وبدأ يتعلم كامل الشناوى بمنزل أحد مدرسى اللغة الفرنسية وهناك رآها .. كانت فتاة بارعة الجمال رقيقة الملامح تختلط فيها الملامح المصرية والأوروبية ليس فيها مايثير الصخب سوى ذكائها الحاد وجمالها الأكثر حدة .
كانت شقراء فى عينيها السوداوين كل الحنان وفى شفتيها بسمة أمل وبين خصلات شعرها المتهدل تكمن أسرار كأسرار الليل الغامض !!
أحبها حبا رائعا .. علمته أن يحب الموسيقى الغربية وترجمت له أشعار لامرتين بلكنة أجنبية كانت أحب إلى قلب كامل من أرق السيمفونيات .
أحبها كامل الشناوى بعنف وهام بها .. وألهبت شاعريته .. فاستوحى منها أجمل قصائد الحب والغزل .. ولكن لظروف ما افترقا .. وكانت صدمة عنيفة .. وظل يستوحى من مرارة الهجر والفراق معانى لونت شعره بطابع سوداوى حزين قاتم فيه الفرقة واليأس والأسى ..!!
وقد أثرت فيه هذه الصدمة وشعر باليأس والإحباط واستوحى من هذه التجربة قصيدة «ثورة الشباب» سنة 1932 نشرها بصحيفة الوادى ولم ترد فى ديوانه الوحيد أرسل فيها هذه الصرخة الثائرة الحائرة اليائسة والحزينة
هات كأس الموت هات
فهى عندى خير كأس
***
لم يا دنياى هذا
الروض بالعطر يفوح
ولم الطير على الأفنان
تغدو وتروح
تارة تصمت من
حزن وأحيانا تصيح
ثم يخاطب الليل فى حزن وحيرة:
فلتحدثنى بمن
همت به بالليل حب
أطلبت الوصل منه
فتجنى وتأبى
أنت إن حدثت
حدثت أمرأ مثلك صبا


هوي الغواني
ولكن ماذا فعل به هوى الغوانى؟
فى مطلع شبابه فى سن التاسعة والعشرين كانت فى حياته قصة حب عميقة مع غانية طروب فجرت لديه ينابيع الشعر ، وعذبته ، وسهدت عيونه ، وانتهت بالفراق ..
كان ذلك سنة 1937 حين أحب غانية لبنانية الأصل اسمها «روز» وترجمتها بالعربية «زهور» تدله فى حبها ولكن لندعه يتحدث عن هذا الحب وذكرياته عنه فيقول :
«لا يمكن أن أتصور الحياة بلا حب .. ولم أكن فى شبابى سعيدا بالحب ، ومن هنا تستطيع أن تعرف هل أنا فى كهولتى شقى أم سعيد ؟
أنا فى الحب شقى ، ولكن بغير الحب أكثر شقاء !
إن أعمق قصة فى حياتى وأبعدها أثراً على فنى كشاعر تلك التى كانت بطلتها غانية فى كباريه! كان وضعى الاجتماعى يحول بينى وبين الاستهتار ، ومن هنا كانت المشكلة وكان الشقاء !
حدثت وقائع القصة عام 1937، كنت فى مطالع شبابى أملأ الدنيا شعرا وغناء عذبا حالما .. كان أول لقاء بينى وبين حبيبتى فى الكباريه التى تعمل فيه .. ذهبت ذات مرة أستروح من عناء العمل الصحفى المجهد، فوجدتها تتهادى إلى منضدتى، ونظرت إلى وجهها الملىء بالأصباغ ، وإلى يدها التى أحرقت أصابعها السجاير ، وكانت هذه أول نظرة إليها وشممت رائحة الخمر تنبعث من فمها .. ولا أدرى كيف بدأ الحب بعد ذلك ؟ فنحن فى الغالب لا نفلسف الأقدار إلا بعد وقوعها .. والحب كالزواج والموت ، كلها أقدار وهكذا كانت بداية حبى قدراً لابد منه .
واستمر حبى هذا عامين كاملين.. كنت أهرب من الأضواء المسلطة على لأن ظروفى الاجتماعية تمنعنى من غرام غانية ، كنت أحاول أن أجد فتاتى بعيدا عن الأضواء ، ولكنى لم أجد سوى نفسى المترعة بالشقاء والتعاسة لم أستطع أن أتحصن بالكبرياء، فأخذت ألهث وراء الغانية المرحة الطروب من كباريه إلى كباريه، حتى تعبت، وثارت كبريائى ، وأخيرا كان آخر لقاء بينى وبينها على نفس المنضدة التى التقينا عليها أول لقاء .
لم أستطع إلا أن أشرب معها نخب الحب المفقود وفى الليل لم يداعب الكرى جفونى، ظللت ساهرا مؤرقا حتى فاضت نفسى بالشعر» لم يستطع فى النهاية أن يقهر قلبه على النسيان أو السلو ، فيعترف لها بإذعانه لهواها الظلوم :
لا - وعينيك - ما سلوتك عمرى
فاستريحى وحاذرى أن تريحى!
وتمضى الأيام ويبعد كامل الشناوى عنها، لكن قلبه لا يسلو ، ويظل يتذكر ليالى الغرام، وأيام الوصال، فتسيل دموعه لأصداء الذكريات الجميلة :
يا وردة لم يزل فى جونا أثر
من نفحها .. آه لو عادت لياليك
ذكرت بعدك أيامى التى سلفت
فاشتقتها غير يوم خاننى فيك
يوم افترقنا.. على أنى أراك غدا
فلم أجد فى غدى إلا تنائيك
لولا إبائى ، ولولا أننى رجل
لحدثتك الليالى . ، . كيف أبكيك !
وهكذا انتهت قصة حبه مع الغانية الطروب .. لتبدأ قصة أخرى مع غانية أخرى .
كاميليا
كان ذلك سنة 1945 ارتبط بقصة حب مع «كاميليا» ذات الجمال الباهر والأنوثة الصارخة .. وترددت قصة حبه لها على كل لسان ومن الطرائف أنه كان يحضر احتفال صديقه حسن الأعور بعيد ميلاده وكان بين الحضور أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وتوفيق الحكيم ومصطفى أمين وفكرى أباظة ومحبوبته الحسناء «كاميليا» وداعبت أم كلثوم كامل الشناوى فاتهمته بأنه يتحيز لكاميليا صحفيا واعترف أمام الجميع أنه يحبها فقالت له مداعبة :
«إذا كان هذا صحيحا فقل فيها شعراً» وبادر عبدالوهاب وقال له «وأنا مستعد أن ألحن هذا الشعر فورا» .
وقالت أم كلثوم : «وأنا سأغنى هذا اللحن فى الحال» . ولم يجد كامل الشناوى بداً من أن يرتجل أبياتا غزلية تقول :
لست أقوى على هواك ومالى
أمل فيك فارفقى بخيالى
إن بعض الجمال يذهل قلبى
عن ضلوعى فكيف كل الجمال
وبادر عبدالوهاب بتلحين الأبيات على العود وغنتها أم كلثوم واستعادها الحاضرون مرات حتى مطلع الفجر .
ثم علم كامل الشناوى أن الملك فاروق يحب كاميليا، فشعر بالخطر وبكبرياء المحب آثر الابتعاد وقال فيها :
عيناك عيناك نامت فى جفونهما مفاتن
أيقظت ليلى وأعصابى
أصد عنها بعين غير صادقة
وبين جنبى قلب غير كذاب
يا كبريائى قد كلفتنى خطرا
فيه المنايا مطلات بأنياب
تمرد الليل لا أغفو به أبدا
حتى أرى الفجر مسفوحا على بابى !
الحب القاتل
وكان آخر حب عاشه كامل الشناوى مع المطربة الشهيرة التى أحبها بجنون لكنها لم تبادله مشاعره واكتفت فقط باستمراء عشقه المجنون بها.. ولكنه كان يعتبر هذا الحب هو حبه الكبير الوحيد .
وقد ظل يحبها رغم تلونها وصدها له وذات ليلة من عام 1962 وكامل الشناوى فى الرابعة والخمسين من عمره حضر احتفال مطربته ومحبوبته بعيد ميلادها وأحضر لها تورتة كبيرة لكن فى الليلة نفسها راقبها بعد انتهاء الحفل واكتشف أنها تحب غيره بعد أن رأى قصة الخيانة بأم عينيه .
ولم ينم كامل الشناوى ليلتها وانساب قلمه يكتب كلمات قصيدته «لا تكذبى» التى طمست دموعه حروفها على الورق ، كتبها بدم قبه وجسده كله يهتز من قسوة الغدر والخيانة والجحود وهو يخاطبها من بين دموعه :
لا تكذبى .. إنى رأيتكما معا
ودعى البكاء فقد كرهت الأدمعا
ما أهون الدمع الجسور إذا جرى
من عين كاذبة فأنكر وادعى!
إنى رأيتكما .. إنى سمعتكما
عيناك فى عينيه .. فى شفتيه
فى كفيه .. فى قدميه
ويداك ضارعتان ترتعشان من لهف عليه !
هكذا عاش كامل الشناوى عاشقا للسراب .. لم يجن من الحب سوى الألم والدموع حتى حطمه وحوله إلى شظايا فلم يلبث أن رحل عن الحياة فى 30 نوفمبر 1965 وهو يعزف علي قيثارته أناشيد الحزن والأسى والعذاب !
ولم يعد أحد يذكر كامل الشناوى إلا عندما تأتيه أنغام إحدى قصائده العاطفية أو قصيدته الوطنية الشهيرة «نشيد الحرية» بصوت محمد عبدالوهاب:
كنت في صمتك مرغم
كنت في صمتك مكره
فتألم وتعلم كيف تكره