على هامش الحوار الإسلامي العلماني .. طارق البشرى نموذجاً

20/11/2015 - 9:39:01

طارق البشرى طارق البشرى

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري


المستشار طارق البشري هو إحدى الشخصيات النادرة في حياتنا الثقافية، فقد جمع في عقله وقلبه ووجدانه – باتساق وتوافق – بين موضوعية المؤرخ ونزاهة القاضي وحكمة المفكر وصفاء وشفاهية الصوفي، وعقلانية الباحث المهتم بل المهموم بتشخيص أمراض مجتمعه بدقة وتجرد، والبحث عما يراه مناسبا له من طرق العلاج .
ولعل تلك الصفات التى اتسمت بها شخصيته وتجلت بأنصع بيان في مقالاته وكتبه هي السر في أنه صار يحظى باحترام الجميع وتوقيرهم وإجلالهم، ولا يختلف في ذلك أهل اليمين عن أهل اليسار، أو المنتمون للتيار الإسلامي السياسي عن المنتمين للتيار العلماني.
ولكن كيف يتفق المنتمون لهذين التيارين الكبيرين على ذلك وهم المختلفون في كل شيء بدءا من الرؤى العقدية والفكرية والسياسية حتى أساليب وطرق العمل؟ ذلك لأن المستشار طارق البشري ظل خلال كل مراحل عمره وبرغم تحولاته الفكرية التى دعته إلى إعادة النظر في زوايا رؤيته للواقع المصري، وإلى تعديل أسس تشخيصه لأمراضه ومناهج وطرق العلاج.. ظل في كل الأحوال ملتزما بصدق الإخلاص للجماعة الوطنية، وظل نهجه في التناول التاريخي والفكري لقضاياها نهجا موضوعيا ونقديا، وظلت أهدافه دائما التى حشد لها كل ثقافته وخبراته هي أن ينبه ويحذر المجتمع المصري والعربي من شروخ تنذر بالتصدع، وأن يضيء وعي جماعاته المختلفة بوشائج التقارب والتضامن والتعاون فيما بينها.
تتنافس على مجتمعنا دعوات فكرية مختلفة ويتبارى المؤمنون بكل منها لجذب أكبر عدد من المؤيدين والأتباع، ولكي يتحقق هذا الهدف يشحذ كل منهم أسلحته الفكرية والدعوية لتعظيم قدر دعوته والانتقاص من قدر خصومه، ويرى البشري هذا الأسلوب من التنافس خصما من قوة الوطن ووحدته وتماسك نسيجه، فيكتب مقالاته وكتبه ليوضح بالتحليل العقلاني الرصين لكل المؤمنين بتلك الدعوات المختلفة مواطن الاتفاق فيما بينها وعناصر التكامل وإمكانات الالتقاء والتنسيق دون أن يكون ذلك على حساب الأسس الجوهرية لكل دعوة. وفي كتابه "الحوار الإسلامي العلماني" ينحاز للرؤى الفكرية الإسلامية، ويرى أنها الأجدر بقيادة الجهود الرامية إلى نهضة البلاد. فهو يرى أن السبب فيما يلمسه الجميع من علامات الضعف الاجتماعي العام هو هيمنة الرؤى والأفكار ذات الطابع العلماني الغربي على كل مناهج التعليم والتشريع... إلخ رغم أن تلك الرؤى العلمانية رؤى وافدة من الخارج وتجذرها في واقعنا قصير العمر إذا قارناه بالرؤى المستمدة من فكر وفقه وقيم الإسلام.
لا يفرق المستشار طارق البشري في كتابه بين الليبرالية والرأسمالية والاشتراكية فهي كلها رؤى ومذاهب علمانية مستلهمة من الغرب ووافدة من الخارج إلينا، وكلها "تنطلق من مسلمة أولى هي أنها في أي مجالات نظم الحكم والاقتصاد وإدارة المجتمع إنما تقيم نظاما دنيويا خالصا ونظاما وضعيا بحتا، وهي نظم تستند إلى فكرة عقدية أساسها انفصال الأرض عن السماء، وانفصال الحياة الدنيا عما عسى أن يكون في الآخرة، لا يكاد يستثني من ذلك إلا النظام الشيوعي الذي يقوم على فكرة عقدية أتت من الفلسفة الماركسية أساسها إنكار السماء أصلا، وإنكار الآخرة مطلقا، وإبطال الغيب كلية".
تختلف أسس ذلك الفكر العلماني وأهدافه وأساليب عمله كما يراها البشري اختلافا جذريا عن نظم الحياة في الإسلام، "إذ يقوم الإسلام على عقيدة إيمانية تبدأ بالإيمان بالغيب من حيث الوجود الإلهي الخالق المهيمن، وأنه تعالى هو الأول والآخر، وأنه سبحانه رب السماوات والأرض، فلا انفصال بين السماء والأرض في ملكوت الله، وأن حياة الإنسان ممتدة تشمل دنياه وأخراه".
ومع ذلك، يعترف لتلك الرؤى العلمانية بدورها الوطني في مراحل الكفاح ضد الاستعمار وضد استبداد الحكام خلال القرن العشرين.
ولكنها تظل عنده غريبة عن مجتمعنا وبعيدة عن قدرة التغلغل والرسوخ والاستقرار في تربتنا الثقافية، ومن ثم تظل عاجزة عن إلهام وحفز وتحريك الجماهير التى صنعت لها العقيدة الإسلامية الإيمان بالغيب، وقيم الفكر والسلوك، وتقاليد الترابط الاجتماعي وطقوس العبادة ومفاهيم العدل والرحمة والتسامح والبر والتكامل .
يرى البشري أنه قد وجد في مجتمعنا أخدودا سحيقا يفصل بين قوتين أساسيتين.. تيار الإسلامية السياسية، وتيار العلمانية، ويرى أنه في الوقت الذي تقام فيه السدود والقيود أمام تيار الإسلام السياسي، ويحرم فيه من شرعية الوجود القانوني رغم الاعتراف العام بجماهيريته.. تفتح كل الأبواب للتيار العلماني الوافد في مختلف المجالات.
ولكن كيف تحولت العلمانية في مصر من "شجيرات وافدة تغرس في أصص محمولة" في عشرينيات القرن الماضي إلى ذلك الوجود الواسع المهيمن؟
يجيب المستشار: أنه عندما ظهر في تلك الفترة مشروع للنهضة تبنى الجيل المعاصر معايير الاحتكام الغربية، وراح يترسم الأنساق الاجتماعية الغربية ويقررها ويجرى على محاكاتها في التنفيذ بعيدا عن معايير الشرعية الإسلامية.
ويعرض أطروحاته الفكرية في كتابه بإخلاص المحامى النابه الشريف، واقفا بقوة الحجة والمنطق والبرهان في الناحية الإسلامية من الأخدود الذي يقف العلمانيون على ضفته الأخرى.
وأظن – وليس كل الظن إثم – أن أجيالا من المفكرين العلمانيين منهم على سبيل المثال: طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وشكرى عياد وحسين أمين ونصر حامد أبو زيد قد حاولوا كل من زاويته بناء جسور فوق ذلك الأخدود الفاصل بين التيارين، فقد درسوا فكر الغرب ونظرياته ومناهجه، ثم عكفوا على قراءة التراث الإسلامي قراءة موضوعية وتاريخية ونقدية، بهدف إغناء حياتنا المعاصرة بجوهر القيم الإسلامية، قيم احترام العقل والعلم والعمل والعدل والحرية، وقدموا للجماهير عناصر مشروع للنهضة يجمع بين حكمة وقيم الماضي والقيم المعاصرة التى استخلصها العقل الإنساني عبر رحلته الطويلة بين الحضارات، والتى أصبح من حق كل شعب أن يدرسها ويختار منها ما يناسبه وما يتلاءم مع تطوره العقلي والروحي .
وقد رأوا في تلك الجسور التى بنوها فوق الأخدود الفاصل بين التيارين الإسلامي والعلماني السبيل الوحيد لإنهاء حالة التردد والحيرة التى تنتاب مجتمعنا وتشتته بين الماضي والحاضر أو بين الموروث والوافد أو بين الأصالة والمعاصرة.