الجيرنيكا .. زمن الحرب والسحر

20/11/2015 - 9:37:57

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. هاني حجاج - كاتب مصرى

"هتلر" يجتاح العالم بجيوشه الجرارة، والحرب الأهلية تشتعل في "إسبانيا"، عندما بدأت قرية "جيرنيكا" الإسبانية تتعرض للقذف النازي، كان من الطبيعي أن يغلي اللهيب في روح فنان ثائر تجري في عروقه الدماء الإسبانية الحارة وحمى الفن المجنون مثل "بيكاسو".
في باريس جاءته الأنباء الحزينة، وكان قد هاجر إليها ليروي ظمأه للفن، ولأنه أيضا كان على خلاف مع الفاشيست. كان اليوم الذي أعلن فيه التاريخ بداية ميلاد رحلة الحرمان والمجد هو 25 مارس 1901، عندما عرفت أزقة "باتولافورا" الشاب المعدم "بابلود بييجو فرانسيسكو خوان نييو بورثينو ماريا دي لوسس ريميد يوس لبريانودي سانتيما تيرينيداد بيكاسو" عندما عرف أول امرأة في حياته، "فيرناند أوليفييه" عام 1904، التي تركت زوجها النحات المخبول لتشارك "بابلو" عاطفته الثائرة وكفاحه المضني والحب الحارق في قلبه، هذا الحب الذي كان سببا في رحيلها عنه، إذ دخلت امرأة أخرى حياته، هي "إيفا جويل" التي سرقها من عشيقها عام 1911، ليسرقها الموت منه ليصبح وحيدا مرة أخرى.
بكل أحزانه على فراقها راح يبكي بدموع من دم تحت قدمي الباليرينا "أولجا كاكلوف" التي تزوج منها فيما بعد، لكنه لم يكن سعيدا معها تماما، لأنه شعر بأنه يفقد حريته تحت وطأة محاولاتها المستمرة في تحويله إلى إنسان (عادي) يحيا بشكل تقليدي كالآخرين، وليمارس حياة هادئة ليرضي مطالب زوجته المدللة، ولكن "بيكاسو" لم يكن من هذا النوع على الإطلاق، فراح ببركان العواطف المتدفق بين جوانحه يلقي بنفسه بين أحضان الشقراء "ماري تيريز والتر" التي لا تروي كل ظمئه، فيحاول أن ينهل من الحب هذه المرة من يدي السمراء "دورا مار"، ثم تأتي "فرانسواز جيلو" لتدخل حياته في 1945، ثم تتركه لتفضح أدق أسراره ونزواته عندما تقرر أن تكتب مذكراتها، لكنه أخيرا يستقر مع "جاكلين روك" التي احتملته في صبر.
وكانت وفاة رفيق كفاحه "كارلوس كازاجيماس" هي أول نقطة زرقاء تلمس لوحات "بيكاسو" فيما عرف بعد ذلك بالمرحلة الزرقاء، وكان "كارلوس" قد شاركه شقاءه في حي "مونمارتر"، قبل انتقاله إلى شارع "كليشيه"، ليتعرف هناك إلى فتاة تدفعه إلى معاقرة الخمر والانتحار. وقتها قال "بيكاسو": "إن الحزن العميق هو ما يصنع الفن الأصيل"، ورسم وقتها أشد لوحاته قتامة.. "مأتم" و"جنازة". ورسم المشوهين والمومياوات والعجائز والجثث.
وبدأ أسلوبه يشبه أسلوب التأثيري "بيير برنار" (1867 ـ 1947) بتضمين الموضوع واستخدام اللون الرمزي والابتعاد عن البعد الثالث بتسطيح المساحة، وحتى ملامحه، بشعره الخفيف ونظرته المذهولة الحائرة.
وشيئا فشيئا تبدأ البهجة في العودة إليه ثانية، ليدخل فن "بيكاسو" المرحلة الوردية، لتشتعل لوحاته بحيوية وشباب باريس، وفي الفترة التي شهدت انقسام السيزانيين، تولي "بيكاسو" زعامة الطائفة التي نادت باقتباس لمسة من وحشية الفن الإفريقي، بينما تزعم "ماتيس" فريق المحافظين، ومن هذه اللمسة الزنجية البدائية ابتكر "بيكاسو" أسلوبه الشهير.. "التكعيبية" (ومن المفارقات أن يعود ماتيس إلى بلده محبطا عام 1902، وهو العام الذي ترك فيه بيكاسو ليعود إلى برشلونة. وإن يدخل كل منهما مرحلته الزرقاء في الوقت ذاته عندما رسم بيكاسو "جنازات" ورسم ماتيس "العاريات الزرقاوات". بالرغم من الفارق الشاسع بينهما، إذ كان بيكاسو فوضويا مستهترا بينما كان ماتيس شديد التحفظ، كما يؤكد كتاب "ليوستين" الشهير "تذوق"، وبينما كان ماتيس يقول: "أريد أن أصنع فنا يتسم بالنقاء والرقي. يهدئ الأعصاب ويريح البال". كان بيكاسو يقول: "ولماذا يكون الفن مفهوما وواضحا؟ لماذا يكون أي شيء مفهوما وواضحا؟".
وفي باريس جاءته أنباء الاعتداء الغاشم على قرية "جيرنيكا"، فتثور الدماء الحارة في عروقه وتغلي روحه بلهيب الغضب والعصيان، وكانت سكينه التي يغرسها في قلب الغازي هي فرشاته، فبعد أن ملأ صفحات الجرائد، والمجلات وقتها بعشرات المقالات يندد بالقذف، رأي أن كل هذا لا يكفي، وغرس فرشاته في قلب ألوانه وكان وقتها يمر بمرحلته الوردية مما جعل لوحته "الجيرينيكا" تشتعل بحرارة لهيب الغضب، ويري البعض أنه لو كان العدوان قد حدث أثناء المرحلة الزرقاء لاختلف الأمر كثيرا، ولعلاها اليأس والوجوم وكراهية العالم في صمت، أما الآن وكل الألوان النارية تشتعل في يده وكل مقته للنازي يتحرك في روحه وذكريات سنوات من الحرمان تعود لتحتل العالم أمام عينيه.
كما يضع الكاتب عدة مسودات لنصه الأهم، أخضع بيكاسو لوحته جيرنيكا لعملية تأليف وإنشاء مثيرة ومعقدة؛ فأمضى ذلك الشهر من عام 1937 في تنفيذ عدة مسودات ومخططات وتصاميم تمهيدية ورسوم تجريبية للتحضير قبل العمل. بلغ عددها 61 سكتشا، عاملها الفنان بأهمية العمل الفني ذاته، فأرّخها ووقّعها. حملت الرسوم انفعالاته اليومية وانطباعاته عن الأشياء المختلفة في أطواره المزاجية المعروفة بالتقلُّب المستمر، وسجلت صعوبات العمل وتجهيزات اللوحة الجدارية والتصميم البنياني العام، وأصبحت هذه المخططات مادة إضافية لدراسة اللوحة نفسها، وقال بيكاسو عن ذلك: "إنه لمثير حقا أن نحتفظ بصور فوتوغرافية ليس لأطوار لوحة معينة بل لتحوّلاتها. فلعلنا نستطيع إذ ذاك أن نستكشف المسار الذي يسلكه الذهن في تجسيده للحلم. ولكن في الأمر ما يثير الاستغراب. ذلك أننا نلاحظ أن الصورة لا تتغير أساسا، وأن الرؤيا الأولى تبقى هي هي تقريبا، برغم اختلاف المظاهر".
ذلك أن جيرنيكا مرّت بعملية تنفيذ من سبعة أطوار رئيسية سجّلتها آلة تصوير رفيقته اليوغسلافية دورا مار والتي كانت موديل لعدة لوحات للفنان. في الإسكتش الأول رسم بيكاسو خطوطا بسيطة معبّرة لبناء محترق وأربع شخصيات: المقاتل والحصان والثور وحاملة القناديل. كلها مستمدة من جو (مصارعة المينوتور) كما خلقت الرومانتيكية إبداعاتها وسط الطبيعة العارية العذراء، وحاكت خيوطا متينة ما بين الإنسان والهندسة الغنية بجُملة من الشواهد والنُضُب التي انتشرت وأثرت على مفهوم الميلانخوليا؛ فبدأ الفنان التعبير عن انفعالاته عبر هذه الرؤية الأولى التي باتت أضيق من أن تستطيع تصوير هول المأساة، فمثلا تفرعت الشخصية النسائية إلى أربع شخصيات، بحيث صارت عملية التعديلات والتأليف مسارا من الطفرات المتناقضة عبر عنه كريستيان زيرفوس؛ الرسم بواسطة النقض، الرسم بالضد، من تقاطع وتضافر أحداث تؤدي إلى الاصطراع بين المشاعر والأفكار في روح عبقرية استثنائية.
الرمزيات التي رسمها بيكاسو في "جيرنيكا" تتناثر هنا وهناك على أرضية اللوحة، وهذه الفوضوية المقصودة تشير بأصبع الاتهام إلى نظام العالم المهترئ المفكك حيث كل شيء أصبح ممكنا، وأي مصير أصبح متوقعا.
جاءت "جيرنيكا" بعد ظهور المدرسة الوحشية "Faussism" بسنوات، لكن "بيكاسو" هنا لا يري وحشية النازي فحسب، بل يري وحشية العالم إزاءه طوال سنوات الحرمان التي عاناها، والحيوانات في اللوحة خرجت من ذكريات طفولته لتتحول إلى رمز للطغيان.
الوجوه المتصلبة في "جيرنيكا" ترمق الأحداث سلبا، أو هي لا تبالي بما يتم اقترانه من إثم، ولا يعنيها حجم الألم، كما يلاحظ في التركيب البنائي للمشهد وجود خيط من الإيقاع الخفي يربط بين الوجوه المتشنجة.
وحين كان "بيكاسو" منهمكا في تصوير اللحظة الزمنية بكل توترها، تنطبع من ماضي الفنان صورة الثور الهائج المليئة بالدلالات، حتى الخنجر المضيء صار شعاعا وسط كل هذا الظلام، وأخيرا يعلن بيكاسو عن وجوده في لوحته مصورا نفسه جوادا صارخا إزاء كل هذه الأحداث.
كانت التعبيرية التكعيبية وراء ترابط عناصر "جيرنيكا"، لكن الرموز التي استعادها الفنان من شبابه وطفولته، جعلتها صعبة التصنيف، إلا أنه من المؤكد أن "جيرنيكا" لو كانت قد رسمت في مرحلة مثل مرحلته الكلاسيكية مثلا لاختلف الأمر تماما. ويقول بيكاسو: "إن اللوحات ليست أدوات للزينة تعلقها في دارك، والفنان ليس مجرد حرفي يعمل بالقطعة، بل هو رجل سياسي، ولوحاته ليست إلا أسلحة للدفاع والهجوم على الأعداء".
وفي فترة احتلال الألمان لفرنسا كان الجنود الألمان يزورون منزله الذي تحول إلى معرض فني، وسألوه عن لوحته جيرنيكا: "هل أنت الذي صنعت هذا؟"
فأجاب: "بل أنتم الذين صنعتموه!!"