المسرح المصرى .. وثائق ميلاد الحرية

20/11/2015 - 9:36:45

الوزير العاشق الوزير العاشق

د. وفاء كمالو - ناقدة مصرية

كانت ثورة 25 يناير شرارة الوهج التى فجرها شباب مصر، وانضم إليها شعبها ليمنحها الشرعية والوجود والاكتمال والامتداد، فمن المؤكد أن الثورات الكبرى فى حياة الشعوب لا تأتى من فراغ، لكنها تحتاج إلى بذور وجذور وارتواء ونماء، لتظهر الثمار والزهور، وفى هذا السياق فإن مفكرى مصر وكتابها ومبدعيها قد لعبوا أدوارا شديدة الفعالية فى تثوير الوعى وتفجير الصمت، مزقوا أقنعة الزيف ومهدوا الطريق إلى امتلاك الوطن والذات، ودفعوا بالأحلام إلى مسارات التحقق والحياة، لم يكن هذا الدور قصيرا أو محدودا لكنه امتد منذ ثورة 23 يوليو 1952 حتى الآن، حيث ظلت قضايا الحرية والعدالة والديمقراطية هى الهاجس الأساسى الذى يطرحه الفن الحقيقى.
وحين نتوقف أمام المسرح بالتحديد نجده الممارسة العملية لفعل التحرر، فالحرية صراع وحوار مع الواقع بهدف تغييره، وحرية المسرح تتمثل فى مقدرته على خلخلة الرؤى المألوفة للوجود، وعلى تحدى السائد والكائن، وفى محاولة للاشتباك الواضح مع هذه الرؤى نتوقف أمام الملامح الأساسية لتجربة ثلاثة مبدعين: كرم مطاوع، فهمى الخولى، وعمرو دوارة، باعتبارهم من مخرجينا الكبار الذين ينتمون إلى ثلاثة أجيال (الستينيات والسبعينيات والثمانينيات)، تجمعهم خطوط الوعى الكاشف، الاختيارات الثائرة، الرؤى المغايرة، الاحتفال بالحياة، والتفاعل الثرى مع تجربة المسرح على مستوى الهواة والمحترفين، عبر الدور الواضح فى نشر الفكر والوعى والتنوير.
كرم مطاوع
كان "كرم مطاوع" كيانا فنيا متميزا، مسكونا بيقين الثورة الذهبى، حيث المشروع القومى والحلم الإنسانى والزهو الفكرى، أثارت أعماله موجات من الجدل والتساؤلات حول حرارتها، ولغتها المدهشة وإيقاعاتها المختلفة، وأفكارها التقدمية الثائرة، ظلت أعماله فى حالة اشتباك متوتر مع السلطة والمجتمع. لقد شهدت الستينيات ازدهارا ملموسا فى مجال المسرح، وأصبح هناك تيار فني كامل يتضمن أحلاما سياسية تصل إلى درجة التحريض، واتجه المسرحيون نحو الرؤى التقدمية، وأصبحت الحرية أبرز القضايا التى تلح على وجدان المثقفين والمبدعين.
تكشف اختيارات كرم مطاوع لنصوص مسرحياته عن توجهاته السياسية والجمالية المسكونة بهاجس البحث عن الوطن والإنسان والحرية، ففى عام 1965 ترددت أصداء "الفتى مهران" لمؤلفها عبد الرحمن الشرقاوى، والتى أثارت ردود فعل صاخبة. كان عام 1967 يمثل لحظة فاصلة فى تاريخ مصر، شهدت انهيار الحلم والزهو والمعنى والمشروع والإرادة، وقد تناولها مطاوع كاشتباك مرير معها فى العام نفسه حينما قدم مسرحية "كوابيس فى الكواليس" لمؤلفها سعد الدين وهبة، كما قدم أيضا قصيدة " رسالة إلى جونسون" ليدين بها السياسة العالمية. وفي عام 1968 أثار مطاوع إيقاعات الجدل الثائر عبر مسرحية "ليلة مصرع جيفارا" لميخائيل رومان، الذى اشتبك مع أخطر القضايا السياسية التى تؤرق الإنسان، كما قدم فى عام 1969 مسرحية "وطنى عكا"، التى كتبها الشرقاوى أيضا، لنصبح أمام انطلاقات ساخنة تثير الوعى وتدين القهر وتحاكم الواقع المختل.
وإذا كان موت الزعيم جمال عبد الناصر عام 1970 قد جاء كانقلاب أسطورى فى تاريخ الزعامة العربية، فإن المسرح قد توقف أمام هذة اللحظة، وكتب ميخائيل رومان مسرحية "28 سبتمبر الساعة 5"، ليقدمها مطاوع كوثيقة عشق للحرية وللزعيم، كما اتجه أيضا إلى مسرحية "ياسين ولدى"، لمؤلفها فايز حلاوة، وقدما معا عزفا وطنيا سياسيا وفكريا، يطرح التساؤلات والرؤى الباحثة عن الخروج من أسر تجربة الغياب للزعيم.
عندما حققت مصر انتصارات أكتوبر 1973 قدم مطاوع مسرحية "حدث فى أكتوبر" للمؤلف إسماعيل العادلى الذى اشتبك مع جماليات اللحظة التى تجاوزنا فيها تحديات المستحيل، ويذكر أن مسرحية "إيزيس" التى قدمها لتوفيق الحكيم عام 1986 جاءت لتمزق أقنعة الزيف والفساد والاستبداد، واندفعت لتدعو إلى الخصب والإرادة والحياة.
فهمى الخولي
يقول برتولد بريخت إن التفكير بكتابة مسرحية أو إخراجها، يعنى إعادة تنظيم الدولة، ويعنى الإشراف على الرؤى والأفكار والأيديولوجيا. فى هذا السياق شهدت السبعينيات اتجاه المؤسسة السياسية نحو تهميش الظاهرة المسرحية، عن طريق محو الدلالات الاجتماعية والفكرية والمعرفية لتجربة المسرح، بحيث تذوب الخطوط الفاصلة بين الفن والتهريج ويكاد المسرح يصبح نظيرا للملاهى الليلية، وقد ارتبطت سياسة القمع واضطهاد حرية الفكر فى السبعينيات بتصاعد واضح للرؤى الدينية المتطرفة، التى اتجهت إلى تحريم وتجريم الممارسة المسرحية. فى هذا الإطار جاءت تجربة "فهمى الخولى"، لتكشف عن اندفاع عارم نحو اختراق الجمود والتابوهات، وتجاوز القهر والاستبداد لتظل الحرية هى قضيته الأساسية، التى طرحها من خلال تجارب جدلية، تثير الوعى والإدراك والتساؤلات، وقد امتدت تجربته منذ نهاية السبعينيات حتى الآن.
اتجه فهمى الخولى عام 1968 إلى مسرح الجامعة وأخرج مسرحية "الغول" لمؤلفها بيتر فايس، وهى من الأعمال المسرحية الجريئة المدهشة التى فتحت أمامه المسارات لامتلاك جواز المرور إلى عالم الفكر المتدفق والفن الجميل، وفى العام التالى قدم مسرحية "باب الفتوح" لمحمود دياب، والتى عاد إليها ليقدمها مرة أخرى على المسرح الحديث عام 2015، وقد توالت تجاربه المتميزة، فقدم للمؤلف محمود دياب أيضا مسرحية "رسول من قرية تميرة"، ثم انطلق إلى عالم سعد الدين وهبة فتناول مسرحية "سبع سواقى"، كما قدم مسرحية "بلدى يا بلدى" لمؤلفها رشاد رشدى.
تأتى أعمال الخولى فى مسرح الدولة لتثير وهج الاشتباك مع البحث عن الحرية وإنسانية الإنسان، حيث قدم فى مسرح الطليعة عام 1974 مسرحية "جبل المغناطيس" تأليف سعيد عبد الغنى، وفى عام 1982 تناول مسرحية "الرهائن" لمؤلفها عبد العزيز حمودة، وكانت مسرحية "الوزير العاشق" سنة 1989 لفاروق جويدة من الأعمال التى أثارت موجات الجمال والجدل والبريق، وكذلك مسرحية "ها نقول إيه؟" للمؤلف أحمد عفيفى عام 1991، أما مسرحية "لن تسقط القدس" لشريف الشوباشى فترددت أصداؤها فى مصر والعالم العربى عبر اشتباكها مع قضايا الوطن والسياسة والحرية.
ورغم ثراء التجربة وغزارتها وامتدادها من مسارح الهواة إلى مسرح الدولة ومسرح القطاع الخاص، إلا أن دهشة البكارة وحرارة الوعى لاتزال مرتبطة بتجربة "فهمى الخولى" مع شباب الهواة.
عمرو دوارة
إذا كان عام 1980 هو البداية الشابة المتدفقة للمخرج والناقد والباحث الدكتور عمرو دوارة، فإن امتداد السنوات السريعة اللاهثة قد أضاف له أبعادا وأعماقا، خاصة بعدما أصبح ظاهرة مسرحية تفرض التوقف أمامها، فهو شخصية استثنائية مسكونة بالعشق الجارف للمسرح، وهو كيان ثقافى بديع يبحث عن المعنى والدلالات، تشكلت رؤيته عبر إدراكه لفلسفة الهندسة، وتبلورت فى وهج الوعى بجماليات الفن وأحلام الإنسان، ليصبح كيانا يمتلك الإرادة والإصرار على اختراق آفاق الطموحات.
وقد شهد الواقع المسرحى المصرى وجودا متصاعدا لموجات فنية عارمة تتبناها "الجمعية المصرية لهواة المسرح"، التى أسسها د. عمرو دوارة عام 1982 لتضم هواة المسرح بكل المحافظات، فهو يمثل الركيزة الصلبة التى دفعت بالجمعية نحو مسارها الفنى الصحيح، بامتلاكه لذلك الطموح الواثق، والرؤية العلمية والتصورات الموضوعية والإدراك الرحب لدور المسرح الحر فى صياغة أجيال تعشق الحرية.
فى إطار اليقين بأن المسرح هو حرية مواجهة العالم، اتخذ عمرو دوارة مساره إلى الفن عام 1980 مع تجربة "عريس لبنت السلطان" لمؤلفها محفوظ عبد الرحمن، وفى العام التالى كانت "ثورة الزنج" لمعين بسيسو، ثم "النار والزيتون" لألفريد فرج 1982. وفى السنة نفسها كانت مواجهته الأولى مع الحصار الفكرى، حينما قررت الرقابة إيقاف مسرحيته "برقيات" للشاعر جمال بخيت بعد عشرة أيام من افتتاحها. امتدت التجارب على مستوى الهواة والمحترفين، فقدم مسرحية "الزعيم" للمؤلف رءوف مسعد بالمسرح المتجول عام 1984، وتدور أحداثها حول الزعيم الإفريقي "لومومبا" وصراعه مع المستعمر الغربي، وفى كلية الألسن جامعة عين شمس قدم مسرحية "حاكم على الجسر" للشاعر التركي ناظم حكمت عام 1988، وفى عام 1990 قدم لفريق مصنع الحديد والصلب بحلوان مسرحية "عفوا أيها الأجداد" للمؤلف نبيل بدران، والتى تم إيقافها رقابيا بعد رفضها لنص "الشقيانين" الذي أعده الشاعر فؤاد حجاج عن رائعة يوجين أونيل "قرد كثيف الشعر". وفى عام 1991 قدم مسرحية بريخت "محاكمة جان دارك"، وقد بعثت ردود فعل عالية ومتميزة، أما فى عام 1997 فقدم المخرج المثقف عرض "المهدى المنتظر" للمؤلف سعد مكاوى بعنوان "الحلم".
وشهد عام 1998 ميلاد مسرحية "سليمان الحلبى" لألفريد فرج، والتى تزامنت مع مسرحية "ملك الأمراء" لفكري النقاش من إنتاج فرقة المسرح الحديث، وجاءت وثيقة فنية وسياسية ثائرة، ترددت أصداؤها بين المثقفين وجمهور المسرح باعتبارها من القطع الفنية رفيعة المستوى، لتميزها بالجرأة والجدية والاشتباكات الساخنة مع عهود الظلم والظلام والاهتراء لفترة حكم المماليك، وعبر هذا الإطار المثقل بالزيف والمؤامرات يخترق العرض أعماق الواقع المصرى ليكشف عن روح الشعب ومقدرته على مواجهة وتغيير أشكال التسلط والإرهاب.
وامتدت تجاربه الكبيرة المتميزة، وشهد مسرح الغد عرض "سوق الشطار" للمؤلف مختار العزبى عام 2001، ثم مسرحية "السلطان يلهو" لمحفوظ عبد الرحمن عام 2002، وفى العام التالي قدم مسرحية المبدع السوري سعد الله ونوس "يوم من هذا الزمان"، ليمزق أستار الزيف، ويكشف عن وجه عالمنا القبيح، ويطرح قضايا الواقع العربى حيث الردة الفكرية، غياب الديمقراطية وتعاظم الدكتاتورية، التزييف السياسى والانحلال الاجتماعى. ويحسب لتلك التجربة رفعها لراية التمرد والعصيان فى وجه وجود عبثى مهترئ، وكشفها بوضوح عن توجهات المخرج الباحثة عن ثورة الوعى والتغيير وامتلاك الذات والحرية، وفى عام 2009 قدم لمسرح الشباب عرض "وهج العشق" للمؤلف كرم محمود عفيفى، كإضافة حقيقية لرصيده.
أخيرا يذكر للمخرج المثقف أنه تناول أخطر نصوص سعد الدين وهبة "المحروسة 2015"، وكان هو صاحب السبق فى تقديم هذه الحالة المدهشة بجمالياتها الجريئة، وطرحها الساخن لضرورة مواجهة الفساد والتوجهات الصهيونية ونبوءتها الواعية بقيام الثورة.
ومن المؤكد أن هذا الرصد السريع لإبداعات ثلاثة من كبار مبدعينا في مجال الإخراج لا يغطى كل أبعاد الثورة العارمة والتجربة الزاخرة لكل منهم، لكنه يكشف ويؤكد فقط دلالات الارتباط بقضايا الوطن وعذابات الإنسان، والثورة ضد التسلط والاستبداد.