نوبل في الآداب 2015 .. سفيتلانا ألكسيفيتش تكتب لمن لا صوت لهم

20/11/2015 - 9:34:06

سفيتلانا سفيتلانا

ترجمة: حسين عيد

أعلنت الأكاديمية السويدية فوز الصحفية وكاتبة المقالات والقصص والروايات سفيتلانا ألكسيفيتش بجائزة نوبل 2015. الفائزة ولدت في 31 مايو 1948، في روسيا البيضاء، في قرية أوكرانية لأب بيلاروسي وأم أوكرانية، ونشأت في روسيا البيضاء (بيلاروسيا). بعد الانتهاء من المدرسة، عملت محررة صحفية في عدة جرائد محلية، ثم مراسلة أدبية في مجلة "نيمان" الأدبية في مينسك. مضت في مهنة الصحافة والكتابة السردية من واقع المقابلات مع شهود عيان على الأحداث الأكثر إثارة في البلاد، مثل الحرب العالمية الثانية، والحرب السوفييتية الأفغانية، سقوط الاتحاد السوفييتي، وكارثة تشيرنوبل. بعد الاضطهاد من قبل النظام غادرت روسيا البيضاء عام 2000، وعرضت عليها المنظمة الدولية للمدن ملاذا، فعاشت خلال العقد التالي في باريس، وجونتبرج، وبرلين، ثم انتقلت إلى "مينسك" عام 2011.
تقول سفيتلانا ألكسيفيتش في موقعها الإلكتروني: "كنت أبحث عن النوع الذي يسمح بأقرب تقريب ممكن لكيف أرى وأسمع العالم. أخيرا، اخترت نوع الأصوات البشرية الفعلية والاعترافات. اليوم عندما أصبح الإنسان والعالم متعدد الأوجه ومتنوعا، وعندما تيقنت أخيرا بمدى غموضه وعدم سبر غور الإنسان حقا، في قصة حياة واحدة، أو بالأحرى أدلة وثائقية من هذه القصة، أوصلتنا إلى الواقع الأقرب".
كتبت الشعر في أيام المدرسة، وحررت مواد لصحيفة المدرسة. كانت تحتاج لمدة عمل تبلغ سنتين كي تسجل (كما كانت القاعدة في تلك الأيام) من أجل الالتحاق بقسم الصحافة في جامعة "مينسك"، حتى دخلتها عام 1967. وفي سنوات دراستها الجامعية حصلت على منح علمية وكثير من الجوائز في عموم مسابقات الاتحاد. وبعد أن حصلت على درجتها أرسلت إلى بلدة "بيرسا" بمنطقة "برست" كي تعمل في جريدة محلية. ودرست في الوقت نفسه في المدرسة المحلية. وكانت موزعة في تلك الفترة بين خيارات مهنية مختلفة: أن تواصل التقليد العائلي بالتدريس والعمل العلمي أو الصحافة. لكنها استدعيت إلى "مينسك" بعد عام للعمل في جريدة ريفية. وبعد عدة سنوات عملت بوظيفة مراسل لمجلة أدبية "نيمان"، وسرعان ما تمت ترقيتها إلى رئيس قسم الأعمال اللاقصصية.
هكذا جربت نفسها في كل الأنواع، مثل القصة القصيرة، المقالة، والتحقيق الصحفي. وكان للكاتب البيلاروسي المشهور "أليس آداموفيتش" تأثير حاسم على اختيار سفيتلانا، وبخاصة كتابها من قرية "فيري" وكتاب الحصار. وقد وافق لها على الكتابة بالاشتراك مع مؤلفين آخرين. لكن الفكرة وتطويرها كانت له، وكان نوعا جديدا لكل من أدب روسيا البيضاء وروسيا. كان "آداموفيتش" يبحث عن التعريف الصحيح لهذا النوع، الذي سماه "رواية جماعية"، "رواية موشح ديني"، "رواية أدلة"، "الناس يتحدثون عن أنفسهم"، و"جوقة ملحمة" على سبيل المثال لا الحصر. وكانت سفيتلانا تعتبر "آداموفيتش" معلمها الرئيسي. لقد ساعدها على إيجاد مسارها الخاص.
قالت سفيتلانا ألكسيفيتش في مقابلة: "كنت أبحث عن وسيلة أدبية من شأنها أن تسمح بأقرب تقريب ممكن للحياة الحقيقية. كم جذبني الواقع كمغناطيس، لقد عذبني ونومني مغناطيسيا. وكم رغبت أن أضعه على الورق. لذلك خصصت هذا النوع من أصوات الإنسان الفعلية، واعترافات وأدلة وشهود ومستندات. ذلك هو الأسلوب الذي أسمع وأرى به العالم، كما لو كان جوقة من أصوات فردية وكتجميع من تفاصيل الحياة اليومية. هذه هي الطريقة التي تعمل بها عيني وأذني مدمرة لتمجيد بطولة المرأة... وبهذه الطريقة، أستطيع أن أكون في الوقت نفسه كاتبة، وصحفية، وعالمة اجتماع، وعالمة نفس، وخطيبة".
أكملت عام 1983 كتابها "ليس للحرب وجه نسائي". وظل سنتين في دار للنشر، لكنه لم ينشر. واتهمت سفيتلانا ألكسيفيتش بأنها مسالمة، طبيعية، مزيلة لتمجيد بطولة المرأة السوفييتية. وكان لهذه الاتهامات عواقب وخيمة جدا في تلك الأيام. وقد جمعت أكثر من ذلك في كتابها الأول "لقد غادرت قريتي" (مناجاة من الناس الذين تخلوا عن جزء من وطنهم المحلي). وكانت لها فعلا سمعة صحفية معارضة مع مشاعر معادية للسوفييت. وبأمر من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي دمر الكتاب بالفعل، واتهمت بوجهات نظر معادية للشيوعية ومعادية للحكومة. وهددت بفقدان وظيفتها. قالوا لها: "كيف يمكنك العمل في مجلتنا مع هذه الآراء الغريبة؟ ولماذا لست عضوا في الحزب الشيوعي حتى الآن؟".
لكن أزمنة جديدة جاءت حين صعد جورباتشوف إلى السلطة، وبدأ البيريسترويكا.
صدر كتاب "ليس للحرب وجه نسائي" عام 1985 في وقت واحد في مينسك وموسكو. وطبع عدة مرات في السنوات اللاحقة، وبيع منه أكثر من مليوني نسخة. هذه الرواية التي سمتها المؤلفة "رواية جوقة" لأنها مكونة من مونولوجات نساء يتحدثن عن جوانب مجهولة من الحرب العالمية الثانية لم يتطرق إليها أحد من قبل. وقد أشاد بالكتاب كتاب الحرب، تماما مثلما الجمهور.
في العام نفسه صدر كتابها الثاني "الشهادات أخيرة: 100 قصة لا تشبه قصص الأطفال"، ولم ينشر أيضا للأسباب نفسها، "مسالمة، مع عدم الالتزام بالمعايير الأيديولوجية". وطبع من هذا الكتاب أيضا كثير من الطبعات، وشهد له نقاد اعتبروا الكتابين "اكتشافا لهذا النوع من نثر الحرب". وفيهما شوهدت الحرب من خلال عيون النساء والأطفال حيث لم يسبق التوصل من قبل لهذه المنطقة الجديدة من المشاعر والأفكار.
تميزت الذكرى الأربعون للحرب بإنتاج مسرحي لكتاب "ليس للحرب وجه نسائي" على مسرح "ناجانكا" الشهير (أخرجها مسرحيا آناتولي ايفروس). وحصل مسرح أومسك للدراما على جائزة الدولة لإنتاج الرواية مسرحيا. واعتمدت المسرحية على الرواية، وقد جرى تمثيلها على عدة مسارح في جميع أنحاء البلاد. وتم إنتاج دورة أفلام وثائقية على أساس الرواية، وقد منحت تلك الدورة جائزة الدولة، وحصلت على الحمامة الفضية لمهرجان لايبزج للأفلام الوثائقية. وقد حصلت سفيتلانا ألكسيفيتش أيضا على كثير من الجوائز عن هذا العمل.
ردود أفعال على نوبل
أثار فوز سفيتلانا ألكسيفيتش كثيرا من ردود الأفعال، فهناك من ردد أنها كاتبة مجهولة. ومنهم من قال إنها كاتبة صحفية لا كاتبة أدبية. وإذا بنا نفاجأ بمقال لكاتب من مجموعة عمل مجلة "ذا نيويوركر"* نشره بالمجلة بتاريخ 8 أكتوبر 2014، يرد على كثير من المعارضين، وفيما يلي ترجمته:
عندما كان صناع الكتاب وكتّاب الكتب على الصفحة نفسها، إنها لرهان آمن بأن جائزة نوبل في الأدب على وشك أن تعلن، لذلك فإنها كما المراهنات الرياضية، حيث تحظى مؤسسة المراهنات البريطانية بالاحترام، حين تعطي أصوات غرائبية على ستة وأربعين من الكتّاب. كان على رأس القائمة في هذه اللحظة "نجوجي واثيونجو"، مع "هاروكي موراكامي" كثاني لصيق. لكن الأخبار المثيرة حقا عن سباق هذا العام (2014)، بغض النظر عمن يفوز، هو المرشح للمركز الثالث "سفيتلانا ألكسيفيتش". كان يمكنك أن تطرحني أرضا بمجرد لمسة ريشة عندما سمعت أن "سفيتلانا" في القائمة. وكان يمكن أن تكون ريشة ناعمة صغيرة جدا، عندما جاءت الكلمة التي أوضحت أنها كانت واحدة من بين المرشحين البارزين. هل يمكنك تصديق ذلك؟ "ألكسيفيتش"؟ ألا يعلمون أنها مراسلة صحفية؟ هل من الممكن أن لجنة نوبل قد تعكس أخيرا المعالجة الوضيعة لما نسميه "كتابة غير قصصية" والاعتراف بأنه أدب؟
لم تكن الأمور دائما بهذا السوء. الكاتب الثاني، الفائز بجائزة نوبل، يرجع إلى عام 1902، كان "تيودور مومسن"، وهو الأول من عديد من المؤرخين وكتاب المقالات للفوز بالجائزة. كان "برتراند رسل" واحدا منهم؛ وكان "ونستون تشرشل" آخر. ولكنها كانت أكثر من نصف قرن على مثل هذا الاعتراف - شهد نصف قرن انفجارا كبيرا في الكتابة الوثائقية في جميع الأشكال والأطوال والأساليب، ولكن هناك نوعا من علاقة خيلاء في عالم الأدب الذي يريد استبعاد الكتابة غير القصصية من تصنيف الأدب - فتشير إلى أنه على نحو ما يفتقر إلى الفنية، أو الخيال، أو الابتكار مقارنة بالرواية. عقلية أقرب إلى التحامل الذي ارتبط طويلا بالتصوير الفوتوغرافي في جزء مبنى من عالم الفنون البصرية. وقد لخص "جاي تيليز" التجربة من هذا الازدراء في مقابلة مع مجلة "باريس ريفيو" (المعنون "فن الكتابة غير القصصية") بقوله: "كتّاب الكتابة غير القصصية هم مواطنون من الدرجة الثانية، وفي جزيرة إيليس (حيث تمثال الحرية) لا يستطيع الأدب الدخول تماما. نعم، إنه يزعجني قليلا". وقال زميلي "جون ماكفي"، في مقابلته مع مجلة "باريس ريفيو" (تحت العنوان نفسه): "الكتابة غير القصصية.. ياللجحيم، ذلك ما يقال، إنه ليس جريب فروت ذلك الذي تناولناه هذا الصباح. إنه لا يعني شيئا".
تبنت "ألكسيفيتش" مسروداتها حول صدمات وطنية - للحرب الروسية السوفييتية الأفغانية، على سبيل المثال، أو كارثة تشيرنوبل النووية - عن طريق إجراء مقابلات مع أولئك الذين عاشوها، وذلك بغمر نفسها في شهاداتهم بعمق. لكن صوتها هو أكثر بكثير من مجموع أصواتهم. أول مرة واجه ذلك الصوت العديد من قراء اللغة الإنجليزية كان في مجلة "جرانتا" الفصلية، تحت رئاسة تحرير بيل بوفورد، حيث ظهرت قطعة تسمى "بنين في الزنك" عام 1990. (وسرعان ما تبعها كتّاب بالاسم نفسه) وكان العنوان يشير إلى توابيت الزنك التي عاد فيها جنود الجيش السوفييتي من الحرب الأفغانية لأمهاتهم بعد أن لقوا حتفهم. وتعرض القطعة من وجهة نظر الأمهات، جاعلة تلك الحرب كما لوكانت متضمنة كلية كل الحاضر والشخصي – بشكل حقيقي - كما فعل أي عمل خيالي لأي حرب أخرى في أي وقت مضى، وبنفس التفرد والأصالة من حيث الأسلوب والعاطفة، والذكاء السياسي والرؤية المأساوية.
لكل طريقة في التعبير متطلباتها الرسمية. لكتابة ذلك، وليس وهميا، فإن هذا يعني الإخلاص لتوثيق الواقع: حتى أن أفضله لا يمكن أن يتم إلا عندما يكون لدى الكاتب خيال حر مثل أي روائي أو كاتب مسرحي، أو شاعر. لذلك ربما، نظرا لاحتمالات مواتية في الاختيارات الغريبة المفضلة في مراهنات الرياضة الغريبة من أجل "ألكسيفيتش"، فنحن قد ننظر، قبل فترة طويلة، إلى الروايات ونشيد بها بشكل روتيني في وجود كل قوة ونطاق كتابة غير قصصية، وليس العكس. وبمجرد أن يتحطم حاجز نوبل للكتابة غير القصصية، فهو، في الحقيقة وإن كان موجودا في أي وقت مضى، سيبدو الآن سخيفا. الأدب هو مجرد كلمة خيالية للكتابة.
* فيليب جور فيتش: مؤلف أمريكي وصحفي. من مواليد 1961، ويعمل كمحرر في مجلة "ذا نيويوركر" منذ فترة طويلة.