مندور .. جان جاك روسو ثورتنا

20/11/2015 - 9:32:50

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

يوسف إدريس

حين يموت طفل بريء فإن كل ما نستطيع أن نفعله تجاهه هو أن نحزن عليه حزن العاجز، أما حين يموت أستاذ كبير كالدكتور محمد مندور فإني أخجل أن أبكيه كإنسان. فمندور كان أكبر من إنسان، كان ظاهرة إنسانية، أشعر أن مجرد تذكره على هيئة كائن حي، كان نابضا رائحا غاديا بيننا، ثم لم يعد بيننا، أشعر أني أضيق منظاري إلى مندور، وأحده داخل جسده وداخل حياة صغيرة بسيطة مثلها مثل أية حياة، عابرة.
لقد آلمني قطعا أن يموت مندور الحبيب الأستاذ، آلمني أن يموت مندور الزوج، وعصف بي أن يموت الأب، أرحم وأرق وأحن أب حتى أني كنت لا أتردد في استعارته لحظات حاجتي، دون أن يشعر، أبا، وحين يموت مندور رفيق السلاح، فلفقده لوعة أحسها كل مكافح ومحارب.
إنها كلها مسائل للعائلة وللأصدقاء وللمعارف ولي، وفجيعة، ولكن الفجيعة الكبرى هي في مندور الظاهرة، محمد مندور الذي لا يملأ مكانه غير محمد مندور، مندور الثروة الإنسانية العربية المصرية الشعبية العالمية التي فجأة، فقدناها، اختفت، وأصبحنا بعدها، مهما كان عددنا نحس بالفقر. أبشع أنواع الفقر خالق الفقر ومورث الفقر، فقر الرجال.
لهذا فوفاة محمد مندور كانت حدثا هائلا كبيرا، رأيته وأعجزني عن أن أنطق أو أكتب أو أدرك تماما ما حدث، فمهما كان مندور الرجل لعائلته الصغيرة ولأصدقائه ولزملائه، فمندور المعلم كان لشعبنا كله، للاشتراكية كلها، للزمن كله للماضي وللحاضر والمستقبل.
من هنا يبدو الفراغ رهيبا جسيما فاغرا فاه كعين شيطان فيها خفوت النهاية وصمتها وظلامها المرعب السكون.
ولهذا فبعدما بكيت مندور الشخص مضيت أتأمل فجيعتي الأكبر والأعظم والأشمل، وشر الحزن ما ينقلب إلى تأمل العاجز.
وأنا لا أزال أذكر أول مرة رأيت فيها محمد مندور، لم أكن أعرف عنه شيئا، ولا كان لي بالأدب صلة، كنت مجرد طالب طب (مشاكس) في نظر البوليس السياسي، وكانت لجنة الطلبة والعمال قد أوفدتنا لنشرح للصحف حقيقة الموقف عقب مصرع الشهيد محمد علي محمد، على أبواب الجامعة عام 1946 وكيف اختطفنا نحن الطلبة جثته وأخفيناها في كلية الطب تمهيدا لإخراجها في جنازة شعبية. وكان من حظي وحظ من معي أن نذهب إلى جريدة المعارضة في ذلك الوقت (الوفد المصري أو صوت الأمة فيما بعد إذا لم تخني الذاكرة) وطلبنا مقابلة رئيس التحرير، وكانت أول مرة أدخل جريدة أو أقابل رئيس تحرير.
وقابلنا الرجل، وأصغى باهتمام لما نقول، ومضى وهو يحدثنا يرمقنا بعين من يقول لنفسه: إذن هذا هو الجيل الجديد الذي سيتولى حمل الرسالة. كانت له نظرة راع وكان شديد الثقة في انتصار الشعب. وخرجت من عنده وأنا مرتبك بعض الشيء، فقد كنت أعتقد أننا حتى ولو كنا ذاهبين لمقابلة رئيس تحرير الجريدة المعارضة فأقصى ما نستطيع أن نجده عنده هو بعض العطف والتأييد، أما أن نراه أكثر منا حماسا (إذ كنا كأي شبان نعتقد أننا أكثر الناس وطنية وحماسا) فهو ما أثار ارتباكي، بل إنه لم يكن متحمسا فقط، كان متحمسا ومدركا الطريق كله، من أوله إلى آخره وكأنه يراه رأي العين. أحسست أني أمام عالم إذن من علماء الوطنية أولئك الذي لم أعتقد للحظة واحدة أنهم يوجدون.
كان رئيس التحرير هذا، كما علمت فيما بعد بسنين، هو الدكتور محمد مندور.
وقد يكون الدكتور مندور الأستاذ الناقد قد أحدث في الأدب العربي ثورة كبرى، ولكن اعذروني، فليس هذا من رأيي، ولا حتى في رأي المواطنين العاديين الذين لا يزالون يذكرون، أهم ما فعله الدكتور مندور.
مندور كان أحد الذين صنعوا مصر الحاضرة، وإذا كنا لم نقلها له وهو حي فلا أقل من أن نقولها ونجأر بها وقد مات وانتهى الأمر، أحد الذين أسلموا الراية لعبد الناصر ليعبر بنا عبر عنق الزجاجة ،عالم وطنية ومعلمها وخالق أمة، وإذا كنا قد أنعمنا بالصفات الكثيرة على الإمام محمد عبده وعلى أستاذ الجيل لطفي السيد لأنهما صنعا لنا فكرا حديثا فالمسألة هذه المرة ليست فكرا ولكنها بلد وشعب، وليست كتبا ولكنها معارك رأيته يخوضها بعيني ويتلقى عن صبية المدارس ضربات البوليس ويصرخ في الضابط لاعنا من عيّنه. إننا هذه المرة أمام زعيم شعبي كبير له في القلوب مكانة تصل إلى درجة أني ذات يوم قابلت مدرسا بالمصادفة قادما إلى القاهرة يوم الانتخابات (انتخابات الاتحاد القومي) فسألته لماذا يكبد نفسه هذه المشقة فقال لقد أتيت خصيصا لأعطي صوتي لمندور في المنيل ثم أعود. إننا أمام جمرة كبيرة من الجمرات التي أبقت حيوية هذا الشعب وقواه صامدة رافضة ملتهبة لكي تأتي ثورتنا الكبرى في 23 يوليو تشعلها نارا ضخمة مقدسة، وما كان يمكن للنار أن تقوم أو تقوم بمثل هذه الضخامة إلا والجمر، الجمر العزيز الغالي كائنا وموجودا ومستعرا لا يلين ولا يهدأ.
في هذا الإطار رأيت الدكتور محمد مندور وداخل هذا الإطار حفظته لنفسي وآمنت به، ومن أجله امتلأت حماسا له، واندفعت اختلافا معه، فمندور لم يكن ظاهرة إنسانية فقط ولكنه كان ظاهرة أجبرت على التواجد في نطاق ظروف، والظروف أحيانا كانت تقوى وكنت دائما أريد لمندور أن يكون أقوى من الظروف وكان مندور في أغلب الأحيان هو الأقوى والأصدق والمرتد أبدا إلى نبضه الأصيل، المستجمع في الحال لقواه، المندفع ليقول الحق ولو كره البعض ولو ساء آخرين.
إني لا أستطيع أن أنهي هذه الكلمة بغير أن أذكر شيئا. ليس خاصا بالرسالة والريادة، ولكنه بمندور الإنسان، فقد زاملته في رحلته الأخيرة إلى مؤتمر الأدباء العرب في بغداد، وأتاح لنا السفر فرصة للأحاديث الطويلة الممتدة، روعت من أحدها حين كشف لي المرحوم الدكتور مندور عن حقيقة مرضه والعملية التي أجراها له الجراح الإنجليزي الكبير هارفي جاكسون، واستأصل تقريبا الغدة النخامية الكائنة أسفل فصي المخ الأماميين حفاظا على نظره، وهي عملية خطيرة للغاية، ولكن الأخطر منها أن استئصال الغدة النخامية يعني أن تتوقف جميع غدد الجسم الإندوكرينية عن الإفراز فالغدة النخامية هي (المايسترو) الذي على وقع عصاه فقط تعمل تلك الغدد وإلا توقفت، وكان معنى هذا أن أستاذنا الدكتور ظل عشرات السنين يحيا وهو يتناول خلاصات هذه الغدد جميعا، وهي كثيرة ومتشعبة ومتعارضة ورغم هذا لا تستطيع أن تقوم بدور الغدد الطبيعية، وهذا هو السر في حركته البطيئة التي كنا كثيرا ما نستغرب لها.
ولهذا فهو لم يعش سنيه الأخيرة فقط محروما من التكريم الجدير به وإنما عاش مريضا أيضا، ورغم حرمانه ومرضه فمن كان أنشط أو أجرأ من مندور؟
إن جمرة مصر المقدسة كانت فيه دائما أقوى من أي حرمان أو إهمال أو مرض فقد كانت الجمرة الخالدة، التي خلدت والتي ستظل خالدة في قلوبنا نحن أصدقاءك وتلاميذك ومحبيك أيها الرجل الكبير.
هناك كلمة لا بد أن أضيفها هنا. لقد كنت مريضا حين مات أستاذنا مندور ولا أزال، ولم أحضر جنازته وكان كل خوفي وأنا راقد أقاوم المرض اللعين في فراشي أن أموت، قبل أن أستطيع أن أسجل فجيعتي الخاصة والعامة في جان جاك روسو الثورة المصرية ذلك الذي أسعدتني الصدف أن أعاصره وأقابله وأصادقه وأحبه ثم أخيرا أروع فيه.
عزاء لكم أيها الناس فقد انطفأ لنا مصباح يا له من مصباح.
(جريدة "الجمهورية" 29 مايو 1965)