تاريخ مصر يباع خردة

20/11/2015 - 9:30:52

فؤاد حجازى فؤاد حجازى

فؤاد حجازي

تصادف أن رأيت الباخرة “مباحث” واقفة في جوار أحد الأرصفة في ترسانة الإسكندرية البحرية . فتطلعت إلى اليوم الذي أرى فيه تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية ، يحجون إليها ، ويشرح لهم مدرسوهم قصتها. قصة من قصص الكبرياء المصرية ، وقصة من بداية الحضارة المصرية في العصر الحديث وكيف كانت مقاليد الأمور العلمية في يد الأجانب، وكيف كان سعي مصر الحثيث لتمصير كل شىء والسير به قدماً نحو تحضير مصر .
كان البريطانيون يقومون بأبحاث المياه في مصر وكانوا يقودون الباخرة “مباحث” المختصة بذلك وكان الدكتور حسين فوزي على وشك إتمام بعثته للحصول على الدكتوراه من جامعة أوروبية و بالرغم من المغريات المفروشة بالورد أمامه سواء من الناحية المادية أو من ناحية الجو المهيأ لمباشرة أبحاثه العلمية، وبالرغم من جو مصر المادي والعلمي الذي لا يبشر بالخير ، إلا أنه فضل العودة ، وفضل أن يغرس ما تعلمه في التربة المصرية .
ودفعه طموحة لتحدي قائد “مباحث” الإنجليزي وبعد فترة وجيزة حل محله وضرب هو وزملاؤه عرض الحائط بالمطالب المبالغ فيها للقائد الإنجليزي ، واستقلوا الباخرة إلي المحيط الهندي للبحث واكتساب الخبرة ، وعادوا ليؤسس الدكتور فوزي معهد الأبحاث المائية بالإسكندرية وشرع مع زملائه في مسح أعماق المياه المصرية في النيل وفي البحرين الأبيض والأحمر ،أخذوا يؤصلون العلم المصري وأفرخ ذلك أجيالاً من الباحثين والعلماء، ولم سألت عن سر وقوف الباخرة في الترسانة أخبروني أنها هناك “تتخرد” أي ستباع خردة كحديد صدئ بالكيلو.
قلت: وكم سيكون ثمنها؟! قالوا: عدة مئات من الجنيهات.
قلت : وكم يساوي تاريخ مصر ..؟!