د. شوقي علام مفتي الديار المصرية يحسم الجدل : عذاب القبر حق لا يجوز لمسلم إنكاره

12/08/2014 - 11:08:17

الدكتور شوقي علام الدكتور شوقي علام

حوار يكتبه : طه فرغلي

واضحة صريحة يقولها الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية " لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينكر عذاب القبر ، ونعيمة " .. قولا واحدا لا يحتمل اللبس أو التأويل لعله ينهي جدلا عقيما لا مبرر له وفي غير أوانه .


في حواره لـ " المصور " يؤكد فضيلة مفتي الديار أن عذاب ونعيمه حق وثابت في الإسلام بأدلة كثيرة وردت في القرآن الكريم ، والسنة المطهرة.


يتحدث أيضا في هذا الحوار عن قتلة رجال الجيش والشرطة باللعنات ، ويؤكد أنهم مطرودون من رحمة الله ويستحقون سوء العاقبة ، ويقول إن الفتاوي التي تحرض علي الاعتداء وقتل قوات الأمن من رجال الجيش والشرطة هي فتاوي منكرة لا يجب أن تصدر عن من يطلقون علي أنفسهم علماء دين ، لأن من يعتدي علي النفس البشرية أيًّا كانت فجزاؤه جزاء المفسد في الأرض ، فالشرع الشريف أكد علي حرمة الدماء، ورهب ترهيبًا شديدًا من إراقتها، بل جعل الله سبحانه وتعالي قتل النفس سواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة بغير حق قتلاً للناس جميعاً.. وإلي نص الحوار.


> فضيلة المفتي .. كيف تري الجدل المثار الآن حول مسألة عذاب القبر وثبوته؟


- من المقرر عقيدةً أن عذاب القبر ونعيمه حق، فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ، وهذا ثابت في الإسلام بأدلة متكاثرة، منها قول الله عز وجل عن آل فرعون: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيا وَيوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِغافر: 45، 46] أي أن العذاب السيئ يحيق بآل فرعون، وهو أنهم يعرضون علي النار في قبورهم صباحًا ومساءً قبل قيام الساعة، وهي القيامة، فإذا قامت القيامة قيل لملائكة العذاب: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر: 46 «وهو عذاب النار الأليم، وقال الله عز وجل عن الفاسقين الكافرين: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَي دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يرْجِعُونَ السجدة: 21]فقد ذكر المفسرون أن العذاب الأدني -أي الأقرب أو الأقل- هو عذاب القبر، وأن العذاب الأكبر هو عذاب يوم القيامة، قال الله تعالي: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا طه: 124» قال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود: ضنكًا: عذاب القبر.


وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ رواه الترمذي، فقوله صلي الله عليه وسلم: أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ دليل علي أن عذاب القبر ثابت، وروي زِرُّ بن حُبَيش عن علي رضي الله عنه قال: كنا نشك في عذاب القبر حتي نزلت هذه السورة: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّي زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ التكاثر: «1: 3» يعني في القبور.


أخرج الشيخان وابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: نَعَمْ إِنَّهُمْ لَيعَذَّبُونَ في قُبُورِهِمْ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ مسند أحمد، وأخرج الشيخان وابن أبي شيبة عن ابن عباس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم مرَّ علي قبرين، فقال: إِنَّهُمَا لَيعَذَّبَانِ وَمَا يعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَينِ ثُمَّ غَرَزَ في كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ ييبَسَا.


وقال أبو هريرة: يضَيق علي الكافر قبره حتي تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك، وروي أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: عَذَابُ الْكَافِرِ فِي الْقَبْرِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ إِنَّهُ لَيسَلَّطُ عَلَيهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا، أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَيةً، لِكُلِّ حَيةٍ تِسْعَةُ أَرْؤُسٍ ينْفُخْنَ فِي جِسْمِهِ وَيلْسَعْنَهُ وَيخْدِشْنَهُ إِلَي يوْمِ الْقِيامَةِ، وَيحْشَرُ فِي قَبْرِهِ إِلَي مَوْقِفِهِ أَعْمَي، ولقد أخرج أحمد والحاكم والترمذي في نوادر الأصول، والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي صَلَّي اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَينَا إِلَي الْقَبْرِ قَعَدَ عَلَي شَفَتِهِ، فَجَعَلَ يرُدُّ بَصَرَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: يضْغَطُ الْمُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنْهَا حَمَائِلُهُ، وَيمْلَأُ عَلَي الْكَافِرِ نَارًا، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ عِبَادِ اللَّهِ: الْفَظُّ الْمُسْتَكْبِرُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ عِبَادِ اللَّهِ: الضَّعِيفُ الْمُسْتَضْعَفُ ذُو الطِّمْرَينِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَي اللَّهِ لأَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ والحمائل هنا: عروق الأنثيين.


وأخرج أحمد والحاكم والترمذي والطبراني والبيهقي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِي قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّي اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يوْمًا إِلَي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّي، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّي عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّي اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ َوُضِعَ في قَبرِهِ وَسُوِّي عَلَيهِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّي اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ َفسَبَّحْنَا طَوِيلا ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يا رَسُـولَ اللَّهِ، لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: لَقَدْ تَضَايقَ عَلَي هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّي فَرَّجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ.


وعلي ما سبق: فإن عذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينكر عذاب القبر ونعيمه.


> العمليات الإرهابية التي تستهدف رجال الجيش والشرطة لا تزال متواصلة .. ما رأيك في الفتاوي التي تحرض علي الاعتداء وقتل قوات الأمن ؟


- الفتاوي التي تحرض علي الاعتداء وقتل قوات الأمن من رجال الجيش والشرطة هي فتاوي منكرة ولا يجب أن تصدر عن من يطلقون علي أنفسهم علماء دين فحري برجل الدين أن يبين للناس الطريق المستقيم الذي ينتهي بهم إلي رضوان الله تعالي لا إلي القتل وسفك الدماء والإفساد في الأرض؛ لأن من يعتدي علي النفس البشرية أيا كانت فجزاؤه جزاء المفسد في الأرض، فالشرع الشريف أكد علي حرمة الدماء، ورهب ترهيبًا شديدًا من إراقتها، بل جعل الله سبحانه وتعالي قتل النفس سواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة بغير حق قتلاً للناس جميعاً، ونحن نحذر من اتباع تلك الدعوات الغادرة التي تحض علي قتل الأبرياء والاعتداء علي رجال الجيش والشرطة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم حذرنا أشد التحذير من التحريض علي القتل.


> أنشأتم مرصدا في دار الأفتاء لرصد الفتاوي التكفيرية ..ما عدد الفتاوي التي رصدها المرصد حتي الآن؟


- المرصد التكفيري وعلي مدار ثلاثة أشهر رصد 150 فتوي تدعو إلي العنف والتشدد، وحاولت من جانب اللجان العلمية التي شكلتها دار الإفتاء تفكيك هذه الأفكار التي احتوتها الفتاوي، ونشرت الأبحاث العلمية التي تُعني بهذا التفكيك عبر الصحف أو عبر البرامج التلفزيونية أو النشرات التي ترسل إلي الدول المختلفة عبر السفارات المصرية بالاتفاق مع وزارة الخارجية.


> ما أخطر هذه الفتاوي التكفيرية؟


- الفتاوي التي تحض علي القتل وسفك الدماء والعنف وإرهاب الناس وإشاعة الفوضي والقتل، ومن يقوم بمثل هذه الأعمال الإرهابية والتخريبية هم مفسدون في الأرض، ويستحقون اللعنة والطرد من رحمة الله وسوء العاقبة، يقول سبحانه وتعالي: «وَالَّذِينَ ينقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يوصَلَ وَيفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ».


> ما سبب تزايد تلك النوعية من الفتاوي في الفترة الأخيرة؟ وما سر انتشار الفكر التكفيري مؤخرًا؟


- تزايدت حدة هذه الفتاوي مع صعود التيارات الدينية عقب ثورة يناير حيث ظهرت الفتاوي الدينية مصاحبة لأي بيان أو تصريح سياسي بالتأييد أو المعارضة بما يكشف يقينًا توجيه هذه الفتاوي لخدمة أهداف سياسية حزبية معينة، وتوظيف الدين لاستقطاب الأتباع، واستغلال شغف الناس بالدين من أجل سحب البساط من تحت أقدام منافسيهم بإطلاق فتاوي تكفير المعارضين والمثقفين، ثم أفراد الجيش والشرطة الذين اعتبرهم أصحاب تلك الفتاوي التكفيرية "طاغوتاً"، وكان نتيجة تلك الفتاوي سقوط الكثيرين من أفراد الجيش والشرطة شهداء وضحايا عمليات إرهابية جاءت استجابة لتلك الفتاوي الضالة والمضللة، كما أنه بمراجعة شرعية تلك الفتاوي التكفيرية من الجانب الفقهي ثبت أن من يطلقونها غير مؤهلين علميا ولا عقليا، لافتقادهم أدني المعايير العلمية المعتمدة في إصدار الفتاوي الشرعية ولعدم إدراكهم خطورة ما يطلقونه من أحكام تؤدي إلي خراب المجتمعات وإحداث الفتن بين أبناء الوطن الواحد، فضلاً عن جعلهم التكفير مدخلاً شرعيا للقتل واستباحة الدماء والأعراض، بما يمثل إفسادًا في الأرض يهدم مقاصد الشريعة الإسلامية من أساسها.


> هل يصح إعلان الجهاد في دول إسلامية مثل مصر؟


- من يدعون للجهاد في مصر يحرضون تحريضا صريحًا علي القتل والإفساد في الأرض، ونشر الفتن، يقول تعال: «وَمَنْ يقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»، والنبي صلي الله عليه وآله وسلم نهي عن ذلك فقال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله". ونحن قد حذرنا ونحذر المواطنين من اتباع تلك الدعوات التي من شأنها أن تدمر البلاد وتسيل الدماء وتنشر التطرف والإرهاب في المجتمع.


> ما رأيك فيمن يطلقون علي أنفسهم جهاديين وهم قادمون من سوريا وعلي حدودنا مع ليبيا؟


ما موقف الإسلام من هؤلاء؟


- يجاهدون ضد مَن؟ ضد المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلي الله وأن محمدًا رسول الله! وضد الأوطان واستقرارها، ويشيعون القتل والإرهاب وإراقة الدماء! .. هؤلاء هم أشد خطرًا علي الدين من أعدائه، وهؤلاء هم المفسدون في الأرض، وجزاؤهم اللعنة من الله تعالي، فهذا أمر لا يقره شرع ولا دين، والإسلام يرفض كل هذه الصور التي تحض علي استباحة القتل والأعراض بزعم الجهاد في سبيل الله، فالجهاد شُرع للدفاع عن الدين والذود عن حياضه ومدافعة الأعداء الذين يعتدون علي الأرض والعرض ولم يشرع الجهاد لأن يقتل المسلم أخاه المسلم، فهذا منافٍ تمامًا لصحيح الدين الإسلامي.


> في ظل ما نشهده اليوم من تطرف وتشدد كيف يمكن نشر مبدأ الوسطية في المجتمع؟


- القضاء علي التطرف والتشدد يتحقق من خلال استماع الجميع إلي المنهج الوسطي والمعتدل الذي يتصف به الإسلام؛ فالمغالاة والتطرف والتشدد ليسوا من طباع المسلم الحقيقي المتسامح المنشرح الصدر المتأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا من خواص الأمة المحمدية أمة الإسلام بحال من الأحوال، فمنهج الدعوة إلي الله يقوم علي الرفق واللين، ويرفض الغلظة والعنف في التوجيه والتعبير والتوازن والاعتدال والتوسط والتيسير، فالرسول صلي الله عليه وسلم يقول: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه».


> ما رؤيتكم في التعاطي مع القضايا السياسية في مصر والعالم الإسلامي؟


- لدينا قناعة تتمثل في أن عالم الدين بشكل عام، والمفتي علي وجه الخصوص، كالقاضي، يجب أن يظل ملكًا للجميع، لا يتم حسابه علي فصيل دون غيره، ومحاولات جر المؤسسة الدينية إلي معارك سياسية وحزبية لن تفلح، وهذا ما أكد عليه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب من قبل ونحن نؤكد عليه أيضًا، ولن ندخل أو نسمح لأحد أن يجرنا إلي المعترك السياسي الحزبي.


> هل هناك مسئولية تقع علي الإعلام في الفترة الحالية من تاريخ مصر؟ وما هو المطلوب منه بالضبط؟


- الإعلام تقع عليه مسئولية كبيرة نظرًا لدوره المهم ومدي تأثيره في جموع الشعب وبالتالي يتوجب عليه تجنب إثارة القضايا السطحية أو التي تؤدي إلي حدوث بلبلة والتي لا طائل من ورائها، والبعد عن الأخبار المغلوطة والمكذوبة والشائعات والتي تساهم في زعزعة أمن الوطن.


> نعاني من تفشي ظاهرة التناحر والتلاسن بين المصريين بعضهم لبعض؟


- هذا أمر محزن حقًّا، ويدعو إلي التعامل معه بمزيد من الحكمة لا تحل القضايا بالتناحر والتلاسن بل تزيد الوضع اشتعالاً، علينا أن نقف صفًّا واحدًا بجوار بعضنا البعض، نعلي من مصلحة هذا البلد وندفع عنه كل سوء وأن نكون علي قلب رجل واحد مصداقًا لقوله تعالي: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا»، حتي لا نقع في فرقة يكون أثره الخسران والندامة لقوله تعالي: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم».


> كيف تري فتاوي تحريم الانتخابات البرلمانية القادمة والمشاركة فيها، وهل تعد نوعًا من التسييس للفتاوي؟ وما الهدف من ذلك؟


- الفتاوي التي تحرم المشاركة في الانتخابات هي فتاوي شاذة مجافية للشرع والمصلحة العليا للبلاد، ومثل هذه الفتاوي لا علاقة لها بالفهم الصحيح للشريعة الإسلامية ومنهجها الوسطي القائم علي ضرورة مراعاة مصالح العباد وما يسهم في تحقيق منافعهم الدينية والدنيوية، وهذه الفتوي تكشف عن هدفها الخبيث، وهو توظيف مُطلقها للنصوصَ والأحكام الدينية لخدمة الأغراض والأهداف السياسية والحزبية الخاصة، بما يمثل إقحامًا للدين في صراع سياسي يشوه سماحة الإسلام.


> "فوضي الخطاب الديني" ظاهرة تحرص دار الإفتاء علي تتبعها.. نريد معرفة رؤيتكم الخاصة في مواجهة هذه الظاهرة؟


- هذه نقطة مهمة وهي تمثل نقطة كبيرة عندي في المرحلة المقبلة، وبالفعل نقوم بعلاج الظاهرة فعلاً من خلال بيان الصورة الصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها الخطاب الديني الذي شابه الكثير من القصور في الفترة الماضية ، وبالفعل بدأنا في وضع استراتيجية لعلاج الفوضي في الخطاب الديني ومن مخرجات هذه الاستراتيجية مقال أسبوعي عن تجديد الخطاب الديني نقدم من خلاله علاجًا لأوجه القصور في هذا الخطاب وكيفية الوصول بخطاب ديني يوحد ولا يشتت يقوم علي أسس الوسطية الإسلامية، وسيكون هذا الأمر من خلال طريقتين: الأولي وهي الإسهام الفاعل في بث مزيد من الوعي العام لدي جماهير الأمة بهذه القضية، والعمل علي بيان المفاهيم والمصطلحات الخاصة به، لأن هذا بمثابة التحصين من الوقوع في هذا الإشكال أو الفوضي.


والطريقة الثانية تتمثل في العمل الدءوب علي تصحيح المفاهيم الفاسدة التي تعتري الخطاب الديني ، والبعيدة عن روح الإسلام الوسطي الذي اتخذه الأزهر منهاجًا له، فالمؤسسة الأزهرية هي عنوان للوسطية الإسلامية التي تسع الجميع وتحتوي الجميع، وستظل بفضل الله عز وجل مرتكزًا لكل دعوات الخير.


> هل تري فضيلتكم أنه بتجديد أو تطوير الخطاب الديني تحل مشاكلنا ويحدث التوافق ويختفي العنف من المجتمع وأيضًا التشدد والتطرف؟


- من الأهمية بمكان التأكيد علي دور الخطاب الديني في دفع عجلة البناء ، ودحض حجج المتطرفين والغلاة في الدين، وضبط الخطاب الديني يتطلب مراجعة أمينة له وتجديدًا مهمًّا وضروريا لكي يكون الخطاب الديني دافعًا للعمل والمشاركة ومحفزًا علي الدعم والتعاون والتدافع في الأرض لإعمارها وعمارتها، فلا بد أن يحارب الخطاب الديني الأفكار المتطرفة والهدامة التي تسعي لنشر الخراب والفتن عبر اجتزاء النصوص الدينية وتأويلها بغير حقها، وتنزيلها علي وقائع وأحداث لا تمت لها بصلة، فيجب علي المتصدرين للخطاب الديني أن ينتبهوا لمثل تلك الأفكار والمحاذير وأن يتصدوا لها بوعي وعلم وبصيرة عبر نشر فكر إسلامي وسطي يعبر عن صحيح الدين وسماحته وإيجابيته في الحياة الدنيا،


> هل تتم مراجعة الفتوي بين الحين والآخر؟


- نعم فالفتاوي تتغير بتغير الجهات الأربع (الزمان والمكان والأحوال والأشخاص) ؛ لأنه توجد ضوابط للفتوي لا بد أن تراعي، وهذه الضوابط تراعي التغير في الفتوي، وتغير الفتوي يكون بتغير هذه الجهات الأربع، وهذا التغير يتعلق بالأحكام المبنية علي الأعراف والعادات والأحكام الاجتهادية فقط ، والتي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية، وموضوع التغير له شروط وقواعد وليس مجرد استجابة أو إذعان لضغط الواقع وإنما هو عملية تتسم بعدة صفات منها أن عملية تغير الفتوي بتغير ما هي مترتبة عليه؛ حيث إنها عملية تهدف إلي إبقاء الأمور تحت حكم الشريعة وإن تغيرت صورها الظاهرة، وهي ليست خروجًا علي الشريعة واستحداثًا لأحكام جديدة، فالتغير في الفتوي هو تغير خاص من حيث الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.


> يري البعض في الآونة الأخيرة ضرورة وجود قانون يجعل الإفتاء عبر "وسائل الإعلام" مقصورًا علي من يحمل ترخيصًا فما رأيكم؟


- عملية الإفتاء عملية مهمة وهي في مكانة عظيمة لا ينكرها إلا جاحد وفاقد للعلم والمعرفة، ولقد اهتم بها العلماء اهتمامًا عظيمًا، والمفتي موقع عن رب العالمين وأول من مارس الإفتاء كان النبي صلي الله عليه وسلم، باعتبار التبليغ عن رب العالمين، ثم تبعه أصحابه رضوان الله تعالي عنهم، ثم أهل العلم بعدهم، وعلي الرغم من ذلك فإن الساحة الدينية اليوم تعاني من فوضي في الفتاوي وفوضي في الخطاب الديني، نظرًا لتصدر غير المؤهلين وغير المتخصصين للإفتاء، ونتيجة لتلك الفوضي خصوصًا المنتشرة عبر الفضائيات والتي تصدر عن أناس غير مؤهلين للإفتاء من الأساس مما تسبب في حدوث بلبلة وتشكيك للناس في أمور دينهم ولابد من قصر الأمر علي المتخصصين من العلماء، وتأهيل العلماء للإفتاء من خلال المعايير التي ينبغي أن تتوفر في من يتصدر لهذه المهمة العظيمة.


> ما هو رأي فضيلتكم فيما يثار بين الحين والأخر حول مسألة نشر التشيع في مصر ؟


- محاولة غرس شيء في غير بيئته تكون النتيجة موته وعدم قدرته علي النمو، والتشيع كذلك، فنشر التشيع في غير بيئته لن ينمو ولن يثمر بل بالعكس سيحدث نوعًا من الفتنة والاضطراب وإثارة القلاقل وعدم الاستقرار وزعزعة الأمن المجتمعي، لذا أوجه كلامي لهؤلاء الذين يريدون نشر التشيع في مصر إنكم لن تفلحوا في نشر مذهبكم في بلد تربي علي حب آل البيت وتشبع بالوسطية والاعتدال من الأزهر الشريف، فمصر ليست تربة خصبة لمذهبكم بل هي أرض جدباء لن يستطيع التشيع النمو بها، وتحويل المصريين عن مذهبهم السني إلي المذهب الشيعي أمر مستحيل الحدوث ولن يتحقق لذا اتركوا المصريين أهل السنة الذين يعشقون أهل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم، ويقدرون صحابة رسول الله الذين كان لهم الفضل في توصيل الرسالة بعد النبي ومن تحمل عبء الدعوة إلي الله إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.


> البعض يري أن فكرة التقريب بين السنة والشيعة مضيعة للوقت فما رأيك؟


- كأي أمة متحضرة يجب علي السنة والشيعة معًا وعلي مستوي الجماهير أن تتجاوز هذه المحن وأن ترجع إلي أصلها من الوحدة والاتحاد، وعلي النخبة أيضًا أن توجد من الآليات ما تستطيع به مخاطبة جماهيرها وتغيير الثقافة السائدة وإحداث التوازن بين المذاهب الإسلامية المختلفة وهي قادرة علي ذلك حيث إنها نجحت نجاحًا تامًّا في مجال النخبة، فلا يبعد أبدًا أن تنجح نجاحًا تامًّا في مجال الجماهير، ولقد بدأت مصر في منتصف القرن المنصرم الدعوة للتقريب بين المذاهب ووجوبه وأن الأمة إنما هي أمة واحدة تسمي بأهل القبلة لأن القبلة تجمعهم جميعًا ونبيهم واحد وكتابهم واحد وصيامهم واحد وإذا كان هذا هو الأصل، فإن أي نوع من أنواع الفرقة لا يكون أبدًا لمصلحة المسلمين لا في حاضرهم ولا في مستقبلهم فالوحدة أمر ضروري لبقاء الأمة من ناحية وللدفاع عن نفسها من ناحية ثانية ولتهيئتها لمشاركتها في العمران والحضارة الإنسانية من ناحية أخري.


> يختلف كثيرون حول جدوي "الحوار" مع الآخر في هذه الآونة الأخيرة التي تشهد حملات غربية عدائية ضد الإسلام.. كيف ترون أهمية الحوار في بيان حقائق الإسلام ودحض شبهات خصومة؟


- هناك من يريد الحوار والتعاون، وهناك من لا يريد الحوار ويريد الصدام فقط، لذلك نري أن تعميم لفظ الآخر هنا ليس في صالح القضية الإسلامية للطرفين، وعليه يجب علينا قبل كل شيء أن نفهم رأي من يريد الحوار والتعاون، وأن نحيد أو نغير رأي من يريد الصدام، ولا يجب أن نكتفي بالقول بأن هذا لا يريد الحوار، بل علي أن نثبت سوء قصد هؤلاء وفساد رأيهم، وعلي كلٍّ لا بد من الجلوس مع الآخر والتحاور معه وسماع جميع آرائه بدلاً من العزلة التي غالبًا ما تعكس صورة سيئة عن الطرفين وتعطي تصورًا مشوهًا أيضًا عنهما، ومن خلال الحوار نستطيع بيان كل الشبهات التي توجه للإسلام والرد عليها لإزالة كل ما أشاعه خصومه عنه في وسائل الإعلام وغيرها.


> البعض ينادي بفصل الدين عن السياسة العامة في الدول فماذا تقول؟


- الدين يرعي شئون الأمة وكذلك السياسة أيضًا، أما السياسة الحزبية فالدين لا يتعرض لها من قريب أو بعيد ولا علاقة له بلعبة الحزبية؛ لأن أدواتها تتغير بتغير الزمان والمكان ، ورجال الدين عليهم ألا ينجروا وراء الدعوات التي تجرهم إلي السياسة الحزبية، بل عليهم أن يكون دورهم حَكمًا بين كل الأطراف ، وألا ينحازوا إلي طرف من الأطراف علي حساب الآخر، وأن يتكلموا عن المبادئ العامة، أو المبادئ العليا التي تحكم المجتمع.


> هل أنت متفائل بمستقبل الإسلام؟


- بكل تأكيد متفائل بمستقبل الإسلام في العالم ، فكل المؤشرات تؤكد ذلك ، علي الرغم من كل حملات التشويه التي تشن علي الإسلام في الغرب وحرق للقرآن إلا أنك تجد أعداد كبيرة تعتنق الدين الإسلامي وربما لم يكن ليسمعوا عنه قبل ذلك وأن هذه الأحداث قد جعلت من في الغرب يبحثون ويقرءون عن هذا الدين الذي يكتشفون بأنه دين يعلي من قيمة الفرد والمجتمع ويرعي حقوق المرأة والطفل حتي الحيوانات، فتجد الأعداد تزداد يومًا بعد يوم في الدخول في الإسلام ، وأعتقد أنه في الأيام القادمة ستكون الأمور أكثر إشراقًا ونجاحًا للإسلام في الغرب ، لكن علينا أن نقوم بدور كبير من أجل إحلال صورة وسطية ومعتدلة مكان الصورة النمطية المشوهة التي يأخذها بعضًا من أبناء الغرب عن الإسلام وإظهار جوهر الدين وأخلاقياته التي تعلي من قيمة الفرد والمجتمع، وأن نبتعد عن كل أنواع التشدد والمغالاة.