الاعتقاد بعذاب القبر من تمام الإيمان

12/08/2014 - 11:00:03

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : د. عبدالله عزب

مسألة عذاب القبر ونعيمه من المسائل التي دارت حولها الشبهات قديما وحديثا، وممن أنكر عذاب القبر قديما في آخر القرن الثاني الهجري ضرار بن عمرو المعتزلي، وبشر المريسي، وبعض الروافض الذين قالوا إن الميت جماد فلا يسأل، ولا يعذب، وتلقف قول هؤلاء بعض المحدثين عن علم أو عن جهل ورددوا نفس الشبهة نحو قضية عقدية تتعلق بأصول الدين.


والرد علي هؤلاء سوف يكون من أجل إظهار الصواب والحق لكل من سمع هذا الكلام الباطل، أن إنكار عذاب القبر ماهو إلا ترديد لكلام بعض من يطعنون في السنة النبوية الشريفة.


والرأي الصحيح في هذه المسألة هو رأي أهل السنة من السلف والخلف ومعهم جمهور علماء الأمة؛ فهم يعتقدون أنه لا يقبل إيمان المرء؛ إلا إذا آمن باليوم الآخر، والقبر أول منازل الآخرة، وفتنة القبر، و سؤال الإنسان بعد الموت، من الأمور الممكنة عقلاً، فالعقل يحكم بجواز أن يعطي الميت في قبره نوعاً من الحياة والفهم، ليسمع ويجيب، ويحس ويشعر بالألم أو السعادة، كمالا يحيل العقل أن يأتي ملكان للميت يسألانه عن ربه، ودينه، ورسوله، فكل ذلك يقع بقدرة الله سبحانه وتعالي، والذي ينكر ذلك، ينكر عموم قدرة الله تعالي، ومن أنكر عموم قدرته سبحانه وتعالي؛ كان خارجا عن الإسلام، وبالتالي، فالإيمان بسؤال القبر واجب، والتصديق به لازم لكل مسلم، يقول القرطبي: "أخبر الصادق، أن الله تعالي يحيي العبد المكلف في قبره، برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة.


وفي ضوء ما تقدم يتبين لنا بجلاء،أن رد الروح إلي الميت في القبر، وسؤال الملكين له من الأمور الممكنة عقلاً، وإذا كان العقل يحكم بإمكان ذلك؛ فإن النقل يؤكد وقوعه، والأدلة علي ذلك من القرآن والسنة كثيرة منها:ـ


قول الله تعالي: (يثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيفْعَلُ اللَّهُ مَا يشَاءُ)(إبراهيم:27).


ذهب جمهور المفسرين بأن هذه الآية وردت في سؤال القبر، وقد ذكر ابن جرير الطبري، روايات عديدة تؤكد أن الآية نزلت في سؤال القبر، منها: عن طاووس في قوله تعالي: " يثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَة» الآية قال هي فتنة القبر.


ويري أهل السنة ومعهم جمهور علماء الأمة أن الميت بعد سؤاله يعذب أو ينعم في قبره، و أن العذاب والنعيم في القبر يقعان علي الروح والجسد معا، وأن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر الجسد، أو لم يقبر، فلو أكلته السباع،أو أًحرق حتي صار رمادا، ونسف في الهواء،أو صلب، أو غرق في البحر، وصل إلي روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلي القبور، وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تثبت عذاب القبر، وتواترت الأخبار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ـ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف علي كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلي الجسد ليس علي الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إلي الجسد إعادة غير الإعادة التي ألفها الناس في الدنيا.


ولأهل السنة أدلة متعددة من القرآن الكريم، والسنة النبوية علي عذاب القبر ونعيمه، وأحاديث عذاب القبر بلغت حد التواتر لكثرتها، وإن لم يبلغ آحادها حد التواتر.


والأدلة من القرآن علي عذاب القبر كثيرة منها:


قوله تعالي (النَّارُ يعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوّاً وَعَشِياً وَيوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46).


هذه الآية ذهب جمهور العلماء إلي أنها في عذاب القبر، قال ابن كثير:" هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة علي عذاب البرزخ في القبور "وقال القرطبي: "الجمهور علي أن هذا العرض في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر" ويؤكد هذا ما ورد في السنة عن ابن مسعود، أن أرواح آل فرعون، ومن كان مثلهم من الكفار، تعرض علي النار بالغداة والعشي، فيقال هذه داركم، واحتج أهل السنة بهذه الآية علي عذاب القبر من ثلاثة أوجه:


الأول: أن الله عز وجل عطف عذاب القيامة، علي عذاب القبر،الذي هو العرض علي النار صباحا ومساءً، والعطف يقتضي المغايرة، وعذاب القبر قبل يوم القيامة.


والثاني :أن عذاب يوم القيامة يكون دائما ومستمراً، وما أثبته من العذاب الأول ليس دائما، بل يكون في الصباح والمساء، لقوله" النَّارُ يعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوّاً وَعَشِياً" وإذا لم يكن هو عذاب القيامة، تعين أن يكون عذاب القبر، ويؤكد هذا من السنة، ما رواه البخاري بسنده، عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله ـ قال: ثم إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتي يبعثك الله يوم القيامة".


الثالث أن الآية فرقت بين العذابين، ووصفت عذاب القيامة، بأنه أشد العذاب" وَيوْمَ تَقُومُ السَّاعَة أدخلوا آل فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" والعرض علي النار غدواً وعشياً، ليس هو أشد العذاب، فلا يكون هو عذاب القيامة، فتعين أن يكون عذاب القبر.


ومن السنة وردت أحاديث كثيرة لأهل السنة تدل دلالة صريحة علي إثبات عذاب القبر منها:


1ـ ما رواه البخاري بسنده، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: ثم كان رسول الله - يدعو اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.


2ـ وروي البخاري بسنده عن عائشة- رضي الله عنها، ثم أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله - عن عذاب القبر، فقال: نعم عذاب القبر حق، قالت عائشة- رضي الله عنها- فما رأيت رسول الله - بعد، صلي صلاة؛ إلا تعوذ من عذاب القبر.


3ـ روي ابن ماجة عن هانئ مولي عثمان، قال: ثم كان عثمان بن عفان إذا وقف علي قبر يبكي حتي يبل لحيته، فقيل له تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا، قال إن رسول الله - قال إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله: ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه.، وغير ذلك من الأحاديث كثير يؤكد ثبوت سؤال القبر وعذابه ونعيمه وفي هذا القدر كفاية والله تعالي أعلم.