بسبب التقصير الأمنى هولاند يخضع للمساءلة الشعبية

18/11/2015 - 1:49:49

تقرير : عزة صبحى

ما أن تزول آثار الصدمة التى شعر بها الفرنسيون بعد الحوادث الإرهابية الأخيرة ستبدأ علامات الاستفهام والانتقادات توجه إلى الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند وحكومته. وذلك بعد فشل كل الخطط الوقائية التى أعلنتها الحكومة فى الشهور الماضية، المهاجرون المسلمون أيضا سيكونون محل هجوم شديد كالعادة عقب مثل هذه الحوادث. أما اليمين المتطرف فهو المستفيد الأول من هذه الحوادث لجذب مزيد من الأنظار لأفكاره المتطرفة قبل شهور قليلة من بدء الحملة الانتخابية لانتخابات الرئاسة المقررة فى عام ٢٠١٧.


ربما سيكون عام ٢٠١٥ هو الأسوأ فى فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فى بدايته فى يناير الماضى وقعت حادثة صحيفة شارلى إبدو الإرهابية والتى أطل بها وجه الإرهاب القبيح على فرنسا. وقبل نهايته بأسابيع قليلة جاءت الحوادث الإرهابية المتزامنة فى العاصمة باريس لتؤكد أن الإرهاب أصبح له موضع قدم فى فرنسا وأن على الفرنسيين التعايش معه إلى أجل غير مسمى. إدراك الفرنسيين لهذه الحقيقة جعلهم يقفون صفاً واحدا للموافقة على كل الإجراءات غير المسبوقة التى اتخذها الرئيس هولاند وحكومته. ومنها إعلان حالة الطوارئ فى البلاد لمدة اثنى عشر يوما يمكن أن تجدد بعدها ويعنى ذلك أن الأمن سيكون فوق كل اعتبار، كما أن حركة السير قد تعلق فى أى وقت وأى مكان. كما تم إغلاق برج إيفل أهم معالم باريس إلى أجل غير مسمى. اتخذ هولاند أيضا قرارا بإغلاق الحدود وخضوعها للمراقبة من الجيش ومن قوات الأمن مع إمكانية اتخاذ أى إجراء حسب ما تقتضيه الضرورة، كما أوقفت فرنسا العمل باتفاقية شنجن لأول مرة منذ إقرار الاتفاقية ولم تسمح سوى بدخول مواطنى الاتحاد الأوروبى . قرر هولاند أ يضا نشر قوات الجيش فى الأماكن الحيوية فى كل فرنسا لضمان عدم وقوع اعتداء جديد. وتعنى حالة الطوارىء أيضا أن الدولة تستطيع فرض رقابة على وسائل الإعلام وكانت حالة الطوارئ قد أعلنت فى عام ٢٠٠٥ عقب أحداث عنف ضواحى باريس لكنها كانت محددة بأماكن العنف فقط وليس فى كل فرنسا، أما هذه المرة فهى فى كل عموم فرنسا طبقا لقانون تم تشريعه عام ١٩٥٥ خلال الحرب الاستعمارية فى الجزائر.


لكن ورغم موافقة كل المستويات الشعبية والسياسية على هذه الإجراءات بما فيها أحزاب المعارضة الذين أثنوا على التحرك السريع لحكومة هولاند إلا أن هناك الكثير من الأصوات بدأت فى الارتفاع مطالبة بمحاسبة هولاند وحكومته برئاسة فالس باعتبارهم أول المسئولين عن هذا الاخفاق الأمنى المريع.. وتساءل الكثيرون عن الخطط التى تم وضعها بعد حادثة شارلى ابدو فى يناير الماضى والتى تبلغ تكلفتها ٧٣٥ مليون يورو خلال ثلاث سنوات.


حيث أعلن بعدها عن تشكيل آلية جديدة لمكافحة الإرهاب تم تشكيلها على نطاق واسع لتشارك فيها أجهزة المخابرات كما تم تشكيل هيئة، خاصة فى شهر يوليو الماضى لمنع الإرهاب تحت الإشراف المباشر لوزير الداخلية. وتمكنت هذه الأجهزة الجديدة من الكشف عن خمس عمليات ارهابية قبل تنفيذها واعترف المتهمون بتدبير عمليات إرهابية ضد فرنسا.


من ضمن بنود الخطة الأمنية أيضا زيادة أعداد رجال الشرطة وتحديث أنظمة المعلومات والتجهيزات والتسليح. كذلك جمد هولاند عملية تقليص عدد رجال الجيش الذى كان سيفقد أكثر من ٢٢ ألف منصب بحلول ٢٠١٧ ومن ضمن الإجراءات التى تم اتخاذها توسيع صلاحيات أجهزة المخابرات ومنها السماح بالتسجيلات الصوتية للمكالمات التليفونية ورصد وتتبع أجهزة الكمبيوتر الخاصة. ومما يزيد من غضب المتابعين لأداء الحكومة الفرنسية فيما يخص الإرهاب هو تأكد الجهات الرسمية من وجود ١٥٠٠ فرنسى فى صفوف داعش جزء منهم فى داخل فرنسا. ولم تتخذ الإجراءات الرادعة لمنعهم من القيام بعمليات إرهابية، فضلا عن اعتراف المسئولين فى إدارات المراقبة بأن جهاز منع الأعمال الإرهابية والتطرف والذى يملك معلومات دفاعية وصفت على أنها عالية السرية لديه ١١ ألف اسم مشتبه بهم إلا أن عدد من تم التحقق منهم لم يتعد ١٦٩ حالة فقط طوال أكثر من عشرة أشهر. سيتعرض هولاند أيضا لانتقادات كثيرة بسبب سياسته الخارجية التى تعد أحد أسباب الإرهاب فى فرنسا. ويرى بعض المراقبين أن تردد هولاند فى خطواته فى محاربة داعش كانت غير محسوبة. حيث اشترك فى التحالف الدولى فى محاربة داعش فى العراق ورفض الاشتراك فى ضرب حزمة التنظيم فى سوريا ثم عاد وقرر متفرداً ضرب داعش فى سوريا عقب أحداث تدفق اللاجئين على أوروبا على أساس أن إرهاب داعش يقف وراء موجات النزوح الجماعى، وذلك رغم أن هولاند كانت لديه معلومات أكيدة عن قيام داعش بتدريب عشرات الفرنسيين على تنفيذ عمليات فى فرنسا.


هولاند لن يكون وحده فى مواجهة الاتهامات والانتقادات فمن المتوقع أن تنهال الاتهامات على المهاجرين المقيمين فى فرنسا، كذلك الفرنسيون من أصول عربية أو إسلامية، حيث أكدت المعلومات الأولية أن الإرهابيين كانوا من المسلمين، مما سيؤدى إلى عودة المطالبات بتقليص أعداد المهاجرين والمشتبه بهم وقفل الباب تماما أمام اللاجئين بكل أنواعهم بالرغم من أن فرنسا شهدت فى الشهور الماضية مظاهرات مؤيدة لقبول لاجئين تعاطفاً مع ظروفهم الانسانية . قد تضطر الحكومة تحت ضغط الرأى العام إلى تغيير سياستها تماما تجاه قضايا الهجرة واللاجئين مما سيشكل تحولاً كبيراً بعدما كانت فرنسا تتبنى مع ألمانيا ضرورة استيعاب اللاجئين فى الاتحاد الأوربى بحصص محدودة ملزمة لكل دولة. وقد يتعرض المسلمون فى فرنسا مثلما حدث بعد العملية الأرهابية لشارلى ابدو لعمليات انتقام بحرق المساجد أو استهداف لأماكن تجمعاتهم أو عمليات ملاحقة أمنية لمجرد الاشتباه، فضلا عن التضييق على النشاطات الدينية الإسلامية فى فرنسا. صحيح أن المسئولين عن الجالية الإسلامية فى فرنسا أكدوا إدانتهم للعمليات الإرهابية وعلى رفض الإسلام لها لكن الغضب الشعبى يظل واضحاً تجاه المسلمين فى فرنسا. ويؤكد أئمة المساجد فى فرنسا أن كل المتطرفين الإسلاميين فى فرنسا يتم تجنيدهم عبر شبكات الإنترنت وليس فى المساجد التى تخضع لرقابة السلطات الرسمية منذ أكثر من عشرسنوات لكل ما يدور فيها كما تتم مراقبة أئمة المساجد والخطب التى يلقونها.


ويؤكد المراقبون أن أخطر مافى هذه الأحداث الإرهابية أنها تغذى أفكار اليمين المتطرف للمهاجرين والمسلمين بصفة خاصة. حيث يمكن لهذه الحوادث أن تزيد من مشاعر الكراهية للمسلمين ليس فى أوساط أنصار اليمين المتطرف فقط بل فى انتقال هذه العدوى إلى شرائح أخرى فى المجتمع لم تكن لديها مواقف سلبية تجاه المسلمين من قبل.


ويبقى الرابح الأول من هذه العمليات الإرهابية هو اليمين المتطرف وزعيمه حزب «الجبهة الوطنية» مارى لوبين والتى تطلق على المسلمين فى فرنسا الطابور الخامس الذى يعمل على هدم الدولة الفرنسية وقيمها العلمانية وكانت مارى لوبين قد اتهمت منذ أول لحظة المسلمين فى فرنسا بالقيام بهذه العمليات. ستسغل مارى لوبين مثل هذه الأحداث كعادتها لجذب مزيد من الأنصار والمؤيدين، خاصة أنها أعلنت أنها تنوى الترشح لانتخابات الرئاسة عام ٢٠١٧ القادم . لأنها الأكثر قدرة على حماية فرنسا بقيمها العلمانية.