تفجيرات فرنسا.. تأملات وتحليلات ودلالات

18/11/2015 - 1:47:44

بقلم - د.ناجح إبراهيم

في واقعة تتشابه وتتماثل في الكارثة والمصيبة مع أحداث ١١ سبتمبر التي أسقطت البرجين الأمريكيين، فجعت فرنسا كلها بأكبر وأخطر حادث إرهابي يحدث في فرنسا طوال تاريخها .. ليس بسبب كثرة عدد الضحايا الذي جاوز ١٧٢ قتيلاً ومئات الجرحى فقط .. وليس بسبب الهجوم علي عدة أماكن في وقت واحد فحسب .. وليس بسبب غفلة الاستخبارات الفرنسية عن توقع الحادث أو التنبؤ به أو الفشل في القبض علي فاعليه وإجهاض الهجوم قبل وقوعه فقط رغم أهمية كل هذه العناصر .. ولكن لأن هذا الحادث سيكون نقطة تحول في حياة فرنسا وسياستها الداخلية والخارجية.. وكما كان حادث ١١ سبتمبر وتفجير البرجين نقطة تحول في السياسة الأمريكية بل والعالم كله حتي أصبح هناك تاريخان : تاريخ ما قبل ١١ سبتمبر وما بعد ١١ سبتمبر سنة ٢٠٠١ .


وكما أن تفجيرات الرياض في السعودية كانت نقطة فاصلة في محاربة القاعدة والإرهاب من قبل السعودية .. وتفجيرات بالي في أندونيسيا كانت نقطة تحول في السياسة الإندونيسية والاسترالية تجاه القاعدة والإرهاب .. وتفجيرات الدار البيضاء في المغرب كانت نقطة تحول مغربية ..لأن كل حادث من هؤلاء يعد بالنسبة لكل بلد ١١ سبتمبر خاصة به .


لقد قامت مجموعات يعتقد أنها تتبع لتنظيم"داعش"الإرهابي بعدة اعتداءات وتفجيرات في العاصمة باريس .. أحدها قرب استاد فرنسا الدولي في الضاحية الشمالية لباريس قرابة الساعة التاسعة و٢٠ دقيقة مساءً حيث كان يشهد الاستاد مباراة كرة القدم بين منتخبي فرنسا وألمانيا .. وكان الرئيس الفرنسي حاضراً وتم إجلاؤه علي الفور .


وفي شرق باريس أطلق إرهابيون النار علي مطعم ومقهى ياباني .. وفي نفس الوقت أطلق مجهولون إرهابيون النار علي مطعم بيتزا شهير .. وفي الوقت نفسه اقتحم ٤ إرهابيين مسرح آباكلان الذي كان يقدم حفلة روك واحتجزوا ١٥٠٠ شخص رهائن لعدة ساعات وقتلوا ٨٢ شخصاً منهم .. ومات ٣ من الإرهابيين بتفجير الأحزمة الناسفة التي كانوا يرتدونها وقتلت الشرطة رابعهم ثم حررت الرهائن .


وقد وقف العالم كله دولاً ومنظمات إلي جوار فرنسا يدعمها ويؤازرها في معركتها ضد الإرهاب .. بداية من أمريكا التي ابتليت بمثل هذا الحادث وتعافت منه .. وانتهاءً بأصغر دولة .


ويمكننا أن نتكلم عن مغزى هذا الحادث الخطير ورصد دلالاته ورسائله وآثاره علي الجميع في هذه النقاط المختصرة :


نقدم العزاء للشعب الفرنسي كله في هؤلاء الضحايا الأبرياء وفي كل من يقتل بغير حق دون تفرقة بين أحد منهم ..ويا ليت أوربا والغرب والشرق يحرصون علي حقن الدماء كافة ولا يفرقون بين دمائهم ودماء أبناء الشرق الأوسط .. والتسوية بين الدماء كافة ونصرة المظلومين جميعاً دون تمييز .. ورفع الظلم عن الناس كافة والتسوية بينهم جميعاً .


يقر الإسلام وكل الأديان السماوية وجميع الرسل عليهم السلام "أن الأصل في الدماء كلها العصمة"، دون تفرقة أو تمييز بين دماء المسلمين وغيرهم أو دماء العرب وغيرهم أو دماء السنة وغيرهم .. ولا يزول هذا الأصل إلا بدليل أنصع من شمس النهار .. فقد خلق الله الإنسان وكرّمه عامة دون تخصيص "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ "، فكل بني آدم مكرم دون استثناء مهما كان دينه وعرقه ولونه .. ومن أبجديات هذا التكريم عصمة دمه وماله وعرضه وصون كرامته.. وفكرة أن غير المسلم أو الكافر دمه مستباح فكرة ساذجة لا أصل لها في الإسلام .. فقد عاش الرسول "صلي الله عليه وسلم " بين آلاف الكفار والمشركين ولم يبح دماءهم أو يذبحهم أو يقتلهم .. وحينما جاهد حمل السيف بشرف دفاعاً عن دولته محارباً الجيوش التي تحاربه .. وليس عدوانا علي الآخرين أو ظلماً وتفجيراً في المدنيين المسالمين .. وأوضح أن رسالته هدفها إتمام الأخلاق وليس إتمام ذبح الناس "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".


الإسلام وكل الأديان جاءت بالإحياء وليس القتل وجاءت لإسعاد البشر وليس إتعاسهم .. وجاءت لزرع البسمة بين الناس وليس اليتم والقتل .. وجاءت لتعليم الناس الحياة الصالحة وليس زرع المتفجرات وحصدهم بالرصاص .. ولذلك قال القرآن العظيم " مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا "، وحث علي الحياة والإحياء "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا "، بما تتطلبه هذه الحياة الكريمة من حفاظ علي كل مقوماتها .


سنن المسلمين في ديار غيرهم هي تكرار ما فعله الصحابة حينما ذهبوا إلي الحبشة حيث لم يقتلوا حبشياً أو يعيثوا في بلاد النجاشي تكفيراً وتفجيراً وقتلاً رغم أن بلاد الحبشة وقتها لم يكونوا مسلمين .. فما دام هؤلاء أعطوك الأمان فلا أقل من أن ترد أمانهم بأمان أكبر .. وكرم الضيافة بكرم أكبر .


فإن رغبت عن هذه البلاد أو لم يعجبك العيش فيها تركتها لأهلها وأصحابها وعدت أدراجك إلي بلادك فلا تؤذيهم ولا يؤذونك .. وما دمت قد دخلت بتصريح "فيزا" فإن المعني الشرعي للفيزا أن القوم قد منحوك الأمان فوجب عليك شرعاً وعقلاً وقانونا ً وعهداً أن تمنحهم الأمان كذلك .


ومنظومة الأمان هذه التي أقرتها الشريعة لا تفيد غير المسلمين فحسب ولكنها تنفع الإسلام والمسلمين أكثر من غيرهم .. فحاجتنا للغرب والشرق أكثر من حاجة الغرب والشرق إلينا .. فنحن نحتاج إلي علوم الغرب وهو لا يحتاج إلي علومنا .. ونحتاج إلي تقدمهم التكنولوجي ولا يحتاجون إلينا .. ونحتاج إلي العلاج أو التدريب في مستشفياتهم ولا يحتاجوننا .. فالحفاظ علي منظومة الأمان تعد في صالحنا .


والإسلام حينما يقر منظومة الأمان والسلم العالمي فهو، يقرأ الماضي والحاضر والمستقبل جيداً .. ويقر المصالح العليا للإنسان عامة والأوطان فضلاً عن تعمير الكون .. ولكن أنيُّ للقاعدة أو الدواعش أن يفهموا ذلك أو يعقلوه أو يتدبروه.. أو أن يدرسوا سيرة أولئك الصحابة الكرام في الحبشة بتمعن وتدبر .


الذين قاموا بهذا التفجير الإرهابي مثلهم مثل كل من قاموا بالتفجيرات في الغرب يقدمون الذريعة تلو الذريعة لهذه الشعوب لكراهية الإسلام والمسلمين .. حينما يرون الإرهابي أو الداعشى يقتل المدنيين المرة تلو المرة دون تبصر.


وستساهم هذه التفجيرات في إلحاق الضرر البالغ بمسلمي أوربا عامة وفرنسا خاصة .. وستضر ضرراً مباشرة كل من يريد اللجوء إلي هذه البلاد وخاصة لاجئي سوريا أو العراق أو ليبيا أو غيرها ممن لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا .


هذه هي المرة الثانية التي يفرض فيها قانون الطوارئ منذ تقنينه في فرنسا منذ ٦٠ عاماً داخل فرنسا .. والأولي كانت بعد أحداث عنف وشغب باريس علي خلفية مقتل شابين من المهاجرين .. ويتيح القانون للشرطة الفرنسية صلاحيات استثنائية واسعة مثل حظر التجوال جزئياً أو كلياً وتفتيش المنازل والاعتقال دون إذن القضاء والرقابة علي الإعلام ومنع التجمعات وإغلاق دور السينما والملاهي والأماكن الترفيهية، وهذا يدل علي مدي الخطر الذي تواجهه فرنسا .. إنها اليوم في حالة حرب حقيقية كما قال الرئيس " أولاند " .


كل الأعمال الإرهابية والتفجيرات الكبرى التي حدثت عقب احتلال العراق كانت نتاجاً لتفكك الدولة العراقية وتسريح جيشها، مما أدى إلى نشأة داعش ونتيجة أيضاً لانهيار الدولة السورية واستباحة أرضها من كل من هب ودب، فضلاً عن الحرب بالوكالة على أرضها وتفكك الدولة الليبية واليمنية، التي لم تظهر آثار تفككها حتى الآن، والسبب الرئيسي في تفكك هذه الدول هي سياسات أمريكا وبريطانيا الخاطئة في الشرق الأوسط والغرب عموماً الذي ساندهما في سياسة تفكيك الدول لمصلحة إسرائيل .


قد يسأل البعض: لماذا وجهت داعش هذه اللطمة القاسية إلى فرنسا بالذات والإجابة على ذلك قد تكمن في الآتي :


أن فرنسا هي الدولة الأوربية الوحيدة التي أرسلت قوات أرضية خارج أراضيها لمكافحة الإرهاب القاعدي والداعشي، وسيطرت تماماً على تنظيم القاعدة في مالي والنيجر وشلت حركته .


أن فرنسا تحوي أكبر عدد من المسلمين الأفارقة وبعضهم يعيش حالة بائسة على أطرف المدن ولديه من السخط على الفرنسيين الآخرين الكثير للتفاوت الطبقي والاجتماعي .


تكوين الخلايا النائمة للقاعدة أو داعش أسهل في فرنسا عن غيره .


فشلت المخابرات الفرنسية فشلاً ذريعاً في التنبؤ بالحادث أو توقعه أو كشف أية اتصالات للمنفذين ببعضهم البعض داخل فرنسا أو خارجها أو اختراق المنظومات الإرهابية داخل فرنسا ولم ترصد الأشخاص المشتبه في تكوينهم للخلايا النائمة .. وهذا يشبه فشل الاستخبارات الأمريكية في توقع أحداث ١١ سبتمبر؛ لأن أمريكا لم تتوقع أن تفكر القاعدة وهي حليفة سابقة لها في الحرب ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان في مثل هذا الأمر .


ولعل فرنسا اطمأنت أن داعش ستركز جهودها على روسيا ورعاياها في الشرق, ولعلها مع الغرب كانوا سعداء بذلك لإخراج روسيا من الشرق الأوسط .. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .


استهداف المباريات الرياضية والحفلات الغنائية والموسيقية بالتفجير كان ضمن الأوراق التي كتبها أسامة بن لادن بخط يده في مخبئه الأخير والذي داهمته فيه القوات الأمريكية وقتلته .. وقد برر بن لادن ضرورة استهداف هذه الأماكن بواسطة تنظيم القاعدة لأن كاميرات الإعلام تكون موجودة هناك وتصور الحادث كله فيبث الرعب من القاعدة في قلوب خصومها .. ويبدو أن القاعدة وداعش ستتبنيان في المرحلة القادمة هذا الأسلوب .. ولعل هشاشة تأمين هذه الأماكن وصعوبة الضبط الأمني فيها .. وكثرة عدد الموجودين وهم بالآلاف فيها يسهل دخول العنصر الإرهابي وسط هذه الحشود الكبيرة وإحداث أكبر خسائر بأقل إمكانيات .. كما أن أي تفجير يؤدي إلى الفوضى والتدافع الشديد مما يزيد الخسائر ومما يقلل فرص النجاة.


وهذا والله نوع من الغدر بالمدنيين المسالمين لا يمت للإسلام ولا للفضيلة ولا الحرص على حياتهم بأي صلة .. فهؤلاء المدنيون لا ذنب لهم في الصراعات السياسية أو العسكرية التي تدور رحاها .. ولا شأن لهم بهذه الصراعات واستهدافهم يمثل خللاً شرعياً وأخلاقياً جسيماً يوضح أن القاعدة وداعش قد تدوسان على كل القيم حتى تحدث شهرة لنفسهما والنكاية بخصومهما الذين يصعب عليها نيل أهدافهم العسكرية .


تواكب تفجير لبنان الذي تبنته داعش مع تفجيرات فرنسا، ولكن العالم كله وقف مع فرنسا واهتم بأمرها وساندها ودعمها .. ولم يقل أحد في العالم كله كلمة حول التفجير الذي طال لبنان .. رغم أن دماء الناس متساوية وأن قتل الإنسان شر وذنب ومنكر وإثم في كل مكان .


ولعل هدف التفجير في لبنان هو جرّها إلى صراع شيعي سني مدمر .. وهدف تفجيرات فرنسا هو خلق صراع غربي عربي إسلامي مدمر .. وكلاهما قد يأكل الأخضر واليابس ولا يبقي ولا يذر .. والمؤسف أن كل الميليشيات الإرهابية الداعشية أو الشيعية مثل "عصائب الحق " أو "ميلشيات بدر أو المهدي " تحب الصراع وتعشقه .. مع أن الإسلام جاء بالسلام والوئام والتعايش والعفو والصفح والرحمة.. ولكن آه من غرور السلاح والمتفجرات إذا ملكها السذج والحمقى .