الإرهاب يثير التساؤلات مجددا باريس تبكى ضحاياها وأوربا تشدد الإجراءات الأمنية

18/11/2015 - 1:42:19

بقلم - السفير د.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركزالإقليمى للدراسات الاستراتيجية

ضرب الإرهاب عاصمة النور باريس، فمنذ أيام قليلة شهدت باريس هجوما مباغتا شمل سبعة مواقع مختلفة أسفرت عن مقتل حوالى ١٥٤ ضحية جديدة وجرح ٢٠٠ منهم ٩٩ فى حالة خطيرة، بعد أقل من عشرة أشهر على أحداث شارل إبدو، وإن اختلفت الأسباب هذه المرة، فقد أعلنت داعش مسئوليتها عن الهجوم ووصفته بأنه ١١ سبتمبر فرنسا وأشارت تقارير إلى أن السبب الانتقام من فرنسا لموقفها من الأزمة السورية.


وقد شكل الرئيس أولاند فى مقر وزارة الداخلية خلية أزمة ضمت كلا من رئيس الوزراء مانويل فالس، ووزير الداخلية برنار كازنوف. وأعلن أولاند فى خطاب استمر ٣ دقائق فرض حالة الطوارئ فى جميع أنحاء فرنسا وإغلاق الحدود، مرجحا أن تجرى عمليات مداهمة فى كل أنحاء باريس وسارعت الشرطة الفرنسية إلى مواقع الانفجارات 


وقامت بتمشيطها بحثا عن مرتكبى الهجمات.


ولم تقف حالة الارتباك والطوارئ عند حدود باريس أو فرنسا، فقد أعلنت بريطانيا إغلاق


محطة نورث تيرمينال فى مطار جاتويك كإجراء احترازى بعد العثور على طرد مشكوك فيه وبعد القبض فى نفس المطار على فرنسى مسلح، كما أعنت السلطات الألمانية أنها تعتقل منذ أسبوع رجلا فى الحادية والخمسين كان بحوزته أسلحة يعتقد أنه على صلة بمهاجمى باريس.


كذلك أعلن رئيس الوزراء الإيطالى ماتيو رنتيسى الاستنفار العام؛ تحسبا من أى هجمات إرهابية محتملة، خاصة أنه لم يعد هناك دولة بمنأى عن العمليات الإرهابية.


ماذا حدث؟ وما الهدف من هذه العمليات الإرهابية؟ وما تأثيرها على مصرنا العزيزة وهى تمر بأزمة مشابهة نتيجة إعلان تقرير مخابراتى لا يستند إلى معلومات مؤكدة؟


بداية من المبكر أن نحدد أهداف هذا الهجوم، لأن الشرطة الفرنسية لم تلق القبض على مرتكبى الحادث ولم تحدد هويتهم بعد.


كما أن القول إن الهجوم على باريس بهدف الانتقام من الموقف الفرنسى تجاه الأزمة السورية مردود عليه بأن موقف فرنسا من هذه الأزمة تلتزم به دول عدة ولا تنفرد به فرنسا دون غيرها، فلماذا تعاقب عليه فرنسا فقط؟


كذلك تأتى أحداث هجوم باريس بعد فترة وجيزة من حادث سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء بعد إقلاعها من مطار شرم الشيخ بحوالى عشرين دقيقة، وهو الحادث الذى أثار جدلا واسعا إثر تصريحات غير مسئولة من رئيس الوزراء البريطانى دافيد كاميرون حول زرع قنبلة على متن الطائرة أثناء وقوفها فى مطار شرم الشيخ استنادا إلى معلومات استخباراتية، وهو الحدث الذى أثار ضجة وأثر سلبا على العلاقات المصرية الروسية إلى أن صرح أمس المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية مارك ريجيف بأن بلاده سلمت بريطانيا وأمريكا معلومات تمتلكها حول أسباب تحطم الطائرة الروسية فوق سيناء، مضيفا أن التقديرات الإسرائيلية تقوم على فرضية تفجير الطائرة عن طريق زراعة قنبلة على متنها من قبل تنظيم داعش باعتبار أن سيناء منطقة خطر وأن التشدد الدينى السنى والشيعى على حد سواء بحاجة إلى هزيمته ميدانيا، واصفا المعلومات التى سلمت لبريطانيا وأمريكا بأنها تقييم إسرائيل للموقف.


إذن المعلومات المسربة لبريطانيا وأمريكا بشأن زرع قنبلة على متن الطائرة الروسية ليست معلومات مؤكدة بالمعنى الحرفى للكلمة، ولكنها تقييم موقف من إسرائيل، يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ وفى الأغلب الأعم كانت معلومة مضللة تستهدف تحويل سير التحقيقات إلى وجهة محددة من ناحية، بالإضافة إلى التأثير سلبا على العلاقات المصرية الروسية من ناحية أخرى.


وبالتالى يأتى هجوم باريس فى هذه الأجواء بالإضافة إلى عقد مؤتمر فيينا بشأن الأزمة السورية، خاصة أن المؤتمر بدأ فى التحرك نحو الحل السلمى بعد نجاح روسى فى تعديل توازن القوى على الأرض بما يسمح بالتفاوض بدلا من الاحتكام للسلاح، وهو درس وعته جيدا أمريكا ولم تكن متوقعة نجاح روسيا فى ذلك.


ومن ثم فالبيئة الاستراتيجية فى حوض البحر المتوسط كانت تتسم بالتوتر كما كانت تتسم بالتفاعلية والتغير السريع، وفى ظل هذا النمط من المناخ السياسى تكثر التفسيرات وتتضح ملامح التفكير بمختلف أنماطه التآمرية والإيجابية.


ولكن ما يهمنى هنا كيف تلقى المصريون هجمات باريس؟ وماذا كان رد فعلهم إزاء ما حدث؟ لأن معرفة وتحليل رد الفعل المصرى يلقى الضوء على أسلوب تفكير المصريين فى وقت الأزمات، كما يمكننا من الوصول إلى السياسات التى تلقى تجاوبا من الشعب وقت هذه الأزمات.


أول ما لفت اهتمام المصريين أن الرئيس أولاند كان فى الإستاد لمشاهدة مباراة ودية بين المانيا وفرنسا، ورغم الازدحام ورغم وجود هجوم خارج الإستاد إلا أن الشرطة نجحت بسرعة فى الخروج بالرئيس إلى بر الأمان، وأنه توجه فورا من الإستاد إلى مبنى وزارة الداخلية ليشكل خلية أزمة تضم فى عضويتها رئيس الوزراء الفرنسى ووزراء الداخلية والدفاع والمخابرات، وهو ما مكن الرئيس أولاند من إلقاء بيان قصير امتد لحوالى ثلاث دقائق فقط أعلن فيه الحدث وأعلن الإجراءات التى اتخذتها الدولة مثل إعلان حالة الطوارئ، وغلق الحدود وتصفية الإرهابيين والرقابة على الإعلام، وترحيل من ينبغى ترحيله من الأجانب ووضع نظام جديد لإصدار تأشيرات دخول لفرنسا وتعليق تأشيرات شنجن ووقف التظاهر.


هذا التصرف من الرئيس أولاند أشاع الطمأنينة لدى الشعب الفرنسى إلى حد كبير، فالتزم بالقانون وتقبل الإجراءات التى أعلن عنها الرئيس، خاصة أن الرئيس ورئيس الوزراء تحركا فورا عقب ذلك لمساندة قوات الشرطة، فكانا فى المسرح الذى تم احتجاز الرهائن فيه وقت هجوم الشرطة لقتل الإرهابيين، فلكل عمله ففى الأزمات للرئيس عمله الذى ينبغى ألا يعطله أحد وللشعب عمله الذى يحدده القانون.


ورغم ذلك فلم يعجب المصريون بترتيبات عملية اقتحام المسرح الذى احتجز فيها الإرهابيون حوالى مائة مواطن فرنسى، فقد سقط قرابة سبعين مواطنا برصاص الشرطة بعد أن درس رجال الشرطة خرائط المسرح والمداخل والمخارج العامة والسرية، وكان عدد الإرهابيين ثلاثة أشخاص فقط مسلحين، واستخدم رجال الشرطة فى الهجوم الغاز والرصاص الحى، فقد شعر المصريون أن العملية من الناحية الأمنية فاشلة؛ لأن فرنسا استعجلت فقررت الخروج من المأزق بسرعة؛ حفاظا على هيبة الدولة الفرنسية، فجاءت العملية على هذا القدر من الفشل الذريع، والفشل أمر وارد فى عمليات مكافحة الإرهاب، ولكن الأهم تجاوز هذا الفشل مستقبلا.


كذلك استقبل تيار عريض من المواطنين المصريين أخبار الهجوم الإرهابى على باريس بقدر كبير من الشماتة؛ لأنهم أدركوا من الوهلة الأولى أن موقف الدول الغربية من مصر بعد إذاعة المعلومات المدسوسة حول زرع قنبلة على متن الطائرة الروسية بمطار شرم الشيخ وسحب هذه الدول لرعاياها لن يمكنهم تكراره ضد فرنسا، ومن ثم أدرك المصريون أن الفرصة وإن كانت تنم عن انتهازية سياسية إلا أنها سانحة لحل أزمة السياحة فى مصر، وكان ذلك تفكيرا قصير النظر لم تدرك أبعاده النخبة السياسية، كما لم يدرك مخاطره الإعلام المصرى المغيب والذى عجز عن الارتفاع لمستوى الحدث، فالمشاعر الإنسانيه تجاه ضحايا الإرهاب واحدة فى العالم، فكما أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له، فكذلك ضحاياه لا ننظر إلى دينهم كما أننا لا ننظر إلى وطنهم، وهذا ما يوحد الإنسانية ضد الإرهاب.


ولكن يحسب لهذا التيار أنه لم يستمر طويلا فى هذه المشاعر من الشماتة، فسرعان ما تراجع عنها بعد عدة ساعات ليعلن بوضوح أن المعايير المزدوجة التى تقوم عليها سياسات الغرب لن توجد حلا للمشكلة، وسرعان ما أعلن عن تعاطفه مع الشعب الفرنسى مدينا الإرهاب بأفظع الألفاظ.


ولكن من ناحية أخرى كان الحادث فرصة لتيار واسع للتعبير عن أهمية اصطفاف الشعب المصرى خلف قيادته لمحاربة الإرهاب، باعتبار أن هذه السياسة هى الممكن والمتاح عمليا أمام المصريين فى الوقت الحالى، فخطورة اللحظة وبشاعة الحادثة جعلتهم يفيقون بسرعة ويكون التساؤل ما العمل؟ كما أنهم أيضا بدأوا الإفاقة من نمط التفكير التآمرى أيضا وأدركوا أن التساهل فى أمور صغيرة قد يؤدى إلى كوارث يصعب التغلب عليها، فأعادوا طرح السؤال المركزى حول سبل القضاء على الفساد فالفساد هو الكارثة الأولى فى البلاد، فالقضاء على الفساد يؤدى إلى سد جميع ثغرات التأخر التى يعانى منها المجتمع المصرى، فالقضاء على الفساد ينفى تماما إمكانية زرع قنبلة فى أى مطار بمصر، والقضاء على الفساد هو الطريق ليأخذ كل ذى حق حقه، والقضاء على الفساد هو الطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية فى المجتمع إذا أردنا إصلاح هذه الدولة.


كذلك أكد الشعب المصرى بسلوكه إزاء هجوم باريس بأن الحق أحق أن يتبع، وأن الخطأ يظل خطأ ولا يمكن استخدامه لتبرير خطأ آخر، بمعنى أن شن عملية باريس وما انطوت عليه من أخطاء للشرطة لا يمكن تبريرها فى ظل خطورة الإرهاب وسلوكه وأهدافه، أو فى ظل حسن نوايا الشرطة، فإذا كان الإرهاب قد أخطأ بالهجوم فلا يمكن قبول تجاوزات الشرطة ضد المواطنين الفرنسيين مما أدى إلى وفاة سبعين مواطنا برصاص وغازات ألشرطة، وهو أمر منطقى اتفق عليه الشعبان الفرنسى والمصرى، لأن الدولة وسيلة لحماية ورفاهية المواطن الذى أضحى الغاية من أى سياسات عامة للدول.


كذلك أثارت مواقع التواصل الاجتماعى مسألة دعم البعض لفرنسا من خلال وضع علم فرنسا على الصور بدلا من العلم المصرى، وكان الاتجاه الغالب الرفض للرمز وليس للتأييد باعتبار أن علم مصر رمز للانتماء، وهو ما يعنى شدة الانتماء المصرى لمصر وإدركهم الأبعاد السياسة لمثل هذا السلوك، وهو شعور يمكن استثماره والاستفادة منه فى التعبئة الشعبية للمشاركة فى أى حالات قد تستدعى ذلك.


ولذا أعتقد أن على مصر مسئولية التأكيد على أن قضية الإرهاب قضية عالمية وليست إقليمية بأى حال من الأحوال، خاصة فى أبعاد التجنيد والدعاية والتمويل والتسليح، وأن تجنيد الأجانب امتد إلى دول عرفت بديمقراطيتها الراسخة مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإسبانيا، ففكرة مسئولية دول الشرق الأوسط عن إنتاج الإرهاب قد سقطت ولو جزئيا على الأقل وهو ما يستدعى ضرورة توفير سياسة عالمية موحدة لمكافحة الإرهاب والبحث عن كيفية إلزام جميع الدول بها، لأنه طالما لجأت دول إلى استخدام الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية كلما شعر بحاجة هذه الدول إليه، وكلما توسع فى أنشطته واكتسب قوة دفع ذاتية تسمح له فى مراحل معينه بمهاجمة هذه الدول وهو ما واجهته أمريكا، وإسبانيا وبريطانيا وأخيرا فرنسا مع استمرا الجهود الحالية الرامية إلى مكافحة الفساد وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر ديمقراطية تستند إلى مشاركة الشعب فى هذه الجهود.