التفسيرات المحتملة لإعادة استهداف داعش لفرنسا

18/11/2015 - 1:36:34

أحمد زكريا الباسوسى باحث بالمركز الاقليمى للدراسات الاستراتيجية

في مشهد يبدو متكررًا إلى حد بعيد، تُستهدف العاصمة الفرنسية باريس بأعمال إرهابية دامية جديدة، ويبقى تفسير أسباب تكرار استهداف التنظيمات الإرهابية لفرنسا بالتحديد محل جدل بين محللي مراكز الدراسات ورؤى أجهزة الاستخبارات وتحليلات وسائل الإعلام؛ حيث يُمكن الإشارة إلى أبرزها، وهي: الطبيعة العلمانية المتشددة للنموذج الفرنسي، والتقارب الفرنسي مع دول المنطقة العربية وخاصةً التي تقود الحرب ضد التنظيمات الإرهابية المسلحة، وتزايد معدلات الانخراط والتواجد الفرنسي في قضايا المنطقة، وتعاظم المشكلات التي تُواجه الجالية الإسلامية في فرنسا، وتغلغل التنظيمات والتيارات الإسلامية داخل بنية المجتمع الفرنسي، وتسلل العناصر الإرهابية وسط موجة اللاجئين المتدفقة نحو البلدان الأوربية، وأخيرًا قابلية الفرنسيين نحو تأييد التنظيمات الإرهابية.


دلالتان رئيسيتان:


تحمل العمليات الإرهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس دلالتين رئيسيتين على قدر كبير من الأهمية، يتمثل أولها في رمزية استهداف فرنسا التي تمثل ثاني أكبر قاطرة للاتحاد الأوربي بعد ألمانيا بعملية نوعية متزامنة، مما يحمل في طياته رسالة من التنظيمات الإرهابية لكافة دول العالم بأن قدراتها قد تطورت بشكل ملفت للانتباه، وأنه لا توجد دولة لم تعد في متناول أيديهم، أما الثانية فتتعلق بقدرة التنظيمات الإرهابية على تحدي الإرادة العالمية لمواجهة الإرهاب التي تجسدت في التضامن الدولي الكبير في التظاهرة التي شهدتها فرنسا على خلفية أحداث "شارلي إيبدو" منذ عدة أشهر، ليس هذا فحسب، بل قدرتها على تطوير استراتيجيات أكثر تطورًا في استهداف الدولة ذاتها.


أسباب متعددة:


تتعدد وتتنوع أسباب ودوافع التنظيمات الإرهابية في استهداف فرنسا، فمنها ما يرتبط بأهداف سياسية، وأخرى لها أبعاد عقائدية وأيديولوجية، خلافًا لتلك التي تتعلق بالبنية المجتمعية الفرنسية ذاتها، وفي هذا الإطار، يمكن تلخيص أبرز تلك الأسباب فيما يلي:


• الطبيعة العلمانية المتشددة للنموذج الفرنسي، يتسم النموذج الفرنسي بالعلمانية الشديدة، والتي قد تصل إلى التطرف في بعض الأحيان، وبالتالي فإن مسألة المساس المستمر بالأديان، وخاصة مقدسات الدين الإسلامي، تُعتبر من الأمور المتكررة في فرنسا، وتُعد قضية الرسوم المسيئة للرسول في صحيفة شارلي إيبدو منذ شهور أحد أبرز الأمثلة على ذلك.


غير أن الإشكالية تتفاقم مع عدم اتخاذ السلطات الفرنسية أي خطوات للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث، فضلا عن تبرير تلك التصرفات، ووضعها في إطار حرية الرأي والتعبير، وهو الأمر الذي يُزيد من شعور بعض المسلمين في فرنسا بالاحتقان، فضلا عن استغلال التنظيمات الإرهابية لتلك الحوادث لتبرير أعمالها الإرهابية في إطار سياسة الرد على الإساءات المستمرة للدين الإسلامي ومقدساته، والجدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند في إطار ترسيخه لمبدأ علمانية النظام كان قد أطلق في إبريل من عام ٢٠١٣ مرصدًا جديدًا للعلمانية، وطلب منه تقديم أفكار جديدة بشأن حماية المجال العام من الضغوط الدينية.


• تغير الموقف الفرنسي تجاه تنظيم داعش، فعلى الرغم من رفض فرنسا الانضمام للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة تنظيم داعش في سوريا والعراق طيلة الفترة الماضية، فإن الموقف قد تغير مؤخرًا؛ حيث شنت المقاتلات الفرنسية عدة غارات على بعض المواقع النفطية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في شمال شرق سوريا في نوفمبر الجاري، وفقًا لتصريحات جون إيف لودريان وزير الدفاع الفرنسي، ويتسق ذلك مع تصريحات سابقة كان قد أطلقها الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند عن تغير الموقف الفرنسي.


• التقارب بين فرنسا والبلدان التي تُحارب الإرهاب في المنطقة، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تقاربًا شديدًا بين فرنسا من جانب، وعدد من البلدان العربية، لا سيما تلك التي تقود حربًا شرسة ضد التنظيمات الإرهابية من جانب آخر، فقد اتخذ هذا التقارب مسارين؛ يتمثل الأول في تكثيف الرئيس الفرنسي زياراته لدول المنطقة، فقد كان في مقدمة الحاضرين في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة بجوار الرئيس عبد الفتاح السيسي في إشارة واضحة لدعم فرنسا الكامل لمصر، فضلا عن الزيارة التي قام بها للمملكة العربية السعودية في أوائل مايو ٢٠١٥، والتي ركزت أيضًا على سبل تدعيم العلاقات بين البلدين خاصة في مجال مكافحة الإرهاب.


أما الثاني فيتمثل في عقد فرنسا عددًا من صفقات الأسلحة لدول المنطقة وعلى رأسها مصر على خلفية توقيع اتفاق بتوريد ٢٤ طائرة من طراز "رافال"، خلافًا لتوقيع عقود شراء سفينتين حربيتين من طراز "ميسترال"، كما تسلمت لبنان في أبريل الفائت من فرنسا ٢٥٠ آلية عسكرية، وسبع مروحيات من طراز "كوغار"، وثلاثة زوارق سريعة، ومعدات استطلاع، ذلك في الوقت الذي أبدت فيه المملكة العربية السعودية رغبتها في شراء سفن من طراز ميسترال، وعدد ٤ فرقاطات من طراز "فريدم"، و٢٤ مروحية من طراز H١٤٥، حيث أكدت تلك الدول شراء تلك الأسلحة بهدف مواجهة الإرهاب في المنطقة.


• تعاظم مشكلات الجالية الإسلامية في فرنسا، إذ تعتبر الجالية الإسلامية في فرنسا هي الأكبر على مستوى البلدان الأوربية؛ حيث يتراوح عددها بين ٥ إلى ٦ ملايين مسلم، وترفعها تقديرات أخرى إلى ٧ ملايين في الأراضي الفرنسية، وعلى الرغم من ضخامتها فإنها لا تزال تُعاني من المشكلات التي تعوق عملية اندماجها بالشكل الكافي داخل المجتمع الفرنسي، ويتضح ذلك من خلال بعض السياسات والقوانين التي أقرّتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة.


ويُعد من أبرز تلك السياسات قانون منع الحجاب في المدارس التي تُديرها الدولة، وقانون حظر النقاب في الأماكن العامة والحكومية، فضلا عن المطالبات المستمرة من قِبَل بعض الطوائف بضرورة سرعة حظر الحجاب في الجامعات، وهو ما تراه الجالية ليس فقط تضييقًا على الحريات العامة والخاصة، وإنما استهداف واضح في إطار عملية ممنهجة لمعاداة الإسلام، وهو الأمر الذي يشكل أحد أبرز عوامل الاحتقان لدى الجالية الإسلامية في فرنسا، ولعل هذا ما حاول تنظيم الدولة استغلاله حينما أعلن مسئوليته عن الحادث، مؤكدًا أنه تم استهداف "عقر دار دولة الصليب" وفقًا للبيان الذي صدر عن التنظيم.. • تزايد معدلات الانخراط الفرنسي في قضايا المنطقة، ففرنسا تُعد لاعبًا رئيسيًّا ومؤثرًا في مختلف ملفات وقضايا الشرق الأوسط، فهي تقود حربًا شرسة ضد نظام بشار، وتدعو المجتمع الدولي بشكل مستمر لضرورة إسقاطه، ومن ثمَّ فقد تحولت إلى طرف أصيل في معادلة الصراع، ولعل ما يؤكد ذلك البيان الصادر عن داعش الذي أكد أن العمليات الإرهابية جاءت في إطار "ثأر لسوريا"، فضلا عن دورها المركزي في الصراع في شمال مالي ضد الطوارق، علاوة على ضغطها المستمر على ليبيا حتى وصل الأمر إلى محاولة فرض وصاية دولية على مواردها النفطية في حالة عدم التوصل لاتفاق تسوية نهائي. وبالتالي، فقد اكتسبت فرنسا خلال الفترة الماضية قدرًا كبيرًا من الخصومات والعداوات في المنطقة، مما جعلها أكثر عرضة للاستهداف عن غيرها من الدول.


• تغلغل التيارات والتنظيمات الإسلامية في فرنسا، إذ تنتشر الجمعيات الإسلامية المرتبطة ببعض التنظيمات، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، ويأتي في مقدمتها: اتحاد المنظمات الإسلامية الذي أُنشئ عام ١٩٨٣، والذي يضم أكثر من ٢٠٠ جمعية تتغلغل في كافة ميادين الحياة العامة، سواء الاجتماعية أو الدعوية أو الإرشادية، وتُشير عدة تقارير إلى بلوغ عدد الجمعيات والهيئات الإسلامية في فرنسا ما يتجاوز ٢٥٠ جمعية، تنتشر بشكل واسع في الجامعات والمساجد الكبرى، والجدير بالذكر أن التنظيمات الدينية ذات الخلفيات والأيديولوجيات السياسية تسعى للتمدد ونشر أفكارها من خلال تلك الجمعيات، وتنتقل من الاعتدال إلى التطرف رويدًا رويدًا متى تهيأت الظروف الداخلية والدولية.. • قابلية الفرنسيين للانضمام للتنظيمات الإرهابية المسلحة، فوفقًا للبيانات التي أعلن عنها وزير الداخلية الفرنسي خلال تصريحاته في ١٥ مايو ٢٠١٥ أمام لجنة تحقيق في البرلمان الفرنسي عن مراقبة المتطرفين، فإن عدد الفرنسيين المتورطين مع الجماعات المتطرفة ارتفع من ١٦٨٣ شخصا من الفرنسيين المقيمين داخل فرنسا بزيادة تقدر بـ ٢٠٣ ٪ مقارنة بشهر يناير ٢٠١٤. ذلك في الوقت الذي أكدت فيه تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية أن عدد المقاتلين الفرنسيين في صفوف التنظيمات الإرهابية بلغ ١٠٠٠ شخص، من بينهم ٩٠٠ في سوريا، و١٠٠ في ليبيا.


وفي تقدير آخر لمركز مكافحة الإرهاب في فرنسا بلغ عددهم ٨٠٠ جهادي في سوريا والعراق من بينهم ٤٥٠ ما زالوا يقاتلون، و١٠٨ قتلوا، و٢٦٠ غادروا سوريا والعراق إلى جهات غير معلومة قد تكون فرنسا إحدى تلك الجهات، ولعل التخوف الأكبر من الرؤية الإيجابية للفرنسيين تجاه داعش، فوفقًا لاستطلاع رأي تم إجراؤه من قِبَل إحدى القنوات التليفزيونية على عينة من ١٠٠٠ شخص فإن ١٥٪ منهم لديهم رؤية إيجابية تجاه تنظيم الدولة "داعش".


• تزايد أعداد اللاجئين إلى فرنسا، لا يمكن اعتبار فرنسا من الدول كثيفة استقبال اللاجئين، لا سيما القادمين من سوريا والعراق، إذا ما قورنت بألمانيا والدول الاسكندنافية؛ حيث يبلغ عدد اللاجئين من دول المنطقة لفرنسا -وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة- ما يقرب من ٦٧٠٠ لاجئ فقط، لكن تظل التقارير الاستخباراتية المختلفة تُشير إلى إمكانية تسلل بعض العناصر الإرهابية إلى الأراضي الفرنسية وسط مجموعات اللاجئين، وهو ما يجعل فرنسا معرضة بشكل مستمر للاستهداف من قِبَل التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي يبدو صحيحًا إلى حدٍّ بعيد، لا سيما بعد إعلان الشرطة الفرنسية عن وجود جواز سفر سوري بالقرب من جثة منفذي أحد العمليات.. وخلاصة القول، يبدو أن تأثيرات تلك الأعمال الإرهابية ستتجاوز حدود فرنسا، لتصل إلى منطقة الشرق الأوسط، فمن المرجح أن تكثف فرنسا في المرحلة المقبلة من أنشطتها العسكرية في سوريا، لا سيما عمليات القصف الجوي لمواقع داعش، مما يصب بالضرورة في مصلحة نظام الأسد، فضلا عن فرض مزيد من القيود على قضية استقبال اللاجئين بخاصة من سوريا والعراق، بالتزامن مع مزيد من التضييق على اللاجئين الموجودين بالفعل في الأراضي الفرنسية، مما قد يدفعهم للرحيل إلى دول أوربية أخرى أكثر تسامحًا وإيمانًا بقضية اللاجئين.