فرنسا فى مرمى إرهاب داعش

18/11/2015 - 1:24:01

أحمد بان

فى سلسلة من العمليات المتزامنة فى ستة مواقع داخل العاصمة الفرنسية باريس، نفذت مجموعة يشتبه فى انتمائها لداعش، عمليات أودت حتى كتابة هذه السطور بحياة ١٢٩ مواطنا فرنسيا وإصابة أكثر من ٢٠٠ شخص ١٠٠ منهم فى حالة خطرة .


الرئيس الفرنسى أولاند وجه الاتهام مباشرة لداعش، التى أكدت مسئووليتها عبر بيان صوتى على الإنترنت ادعت فيه أن ثمانية ممن أسمتهم أسود الخلافة، نفذوا غزوة باريس بحق مدنيين كانوا يمارسون أنشطتهم الحياتية اليومية بشكل طبيعى. العملية هى الثانية هذا العام بعد استهداف صحيفة شارلى إبدو فى يناير من هذا العام، والتى أودت بحياة ١٧ شخصا منهم رسامون وصحفيون بالصحيفة، التى كانت قد تورطت فى نشر رسوم مسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .


لماذا فرنسا كان السؤال، فلم تحدث أى عمليات مماثلة فى الولايات المتحدة الأمريكية التى تخوض علنا حربا وتقود تحالفا دوليا يشن غارات مثيرة للجدل منذ شهور، لم تفلح فى وقف تمدد التنظيم أو سيطرته على أراض داخل سوريا والعراق، ربما ساهم انخراط فرنسا فى حرب مجموعات قريبة من داعش وبايعتها كبوكو حرام فى شمال مالى، ونجاحها فى تطويق حركة التنظيم فى الساحل الأفريقى، فضلا عن دخولها على ساحة الصراع فى سوريا وتطويرها للمشاركة فى التحالف الدولى، إضافة ربما إلى موقف فرنسا الداعم للدولة المصرية ولنظامها السياسى الجديد ( من المعروف أن الرئيس أولاند كان الزعيم الأوربى الوحيد الذى حضر حفل افتتاح قناة السويس، كما أبرمت مصر مع فرنسا بعض عقود التسليح من أبرزها حاملة الطائرات الميسترال وطائرات الرافال ).


داعش ميدانيا فى سوريا والعراق تحديدا تواجه تصاعدا لضربات التحالف الدولى، الذى اكتسب زخما قويا بانضمام روسيا التى وجهت للتنظيم ضربات موجعة، كان من آثارها تغير الموقف ميدانيا لصالح الجيش السورى، بعد أن تقلصت مساحة نفوذه فى السابق رغم الدعم الإيرانى ودعم حزب الله، انعكست وتيرة العمليات التى قامت بها قوات التحالف من جهة وعمليات روسيا من جهة فى نجاح الأكراد فى تحرير سنجار وانتعاش الآمال بتحرير الموصل معقل التنظيم، حيث حاول التنظيم نقل المعركة إلى داخل أوربا عبر خلاياه النائمة أو بالأحرى الذئاب المنفردة التى تختلف عن الخلايا التى نفذت عملية شارلى إبدو، أو أى عملية أخرى داخل أوربا حيث بدا أن هناك تنسيقا كاملا بين تلك الخلايا وقيادة التنظيم فى أوربا، حيث نجح التنظيم فى بناء شبكات إلكترونية فضلا عن شبكة من العملاء والخلايا مكنته من استهداف خصومه، حتى إنه نجح فى ذبح عضوين من أعضاء حملة نشطاء الرقة تذبح فى صمت داخل مدينة ورفة التركية، بما أكد حضور قدراته التنظيمية، وهو ماساعده ربما فى تنفيذ تلك العملية النوعية فى قلب باريس، التى وإن نجحت فى أن تمثل مفاجأة لجهات الأمن الفرنسية إلا أنها لم تنجح فى تقديرى فى تحقيق الهدف منها، حيث اتجهت إرادة من نفذوا الهجمات إلى إحداث مقتلة عظيمة عبر استخدامهم الرشاشات ثم تفجير أنفسهم فى تجمعات بشرية كان أخطرها الاستاد والمسرح، ربما ساهمت لياقة أجهزة الأمن فى سرعة الاشتباك مع الجناة فى خفض عدد الضحايا، وإن كان الرقم كبيرا، فى كل الأحوال لكن كان من الممكن أن يتجاوز الآلاف كما أراد الجناة، حيث كانوا يرغبون أن يكون الحادث هو الحادى عشر من سبتمبر الفرنسى، بما يدفع الرأى العام الفرنسى للضغط على الحكومة لتتخفف من حضورها فى سوريا والعراق أو شمال مالى، تقديرى أن الهجوم نفذته أكثر من ٣ مجموعات على عكس ما تعتقد السلطات الفرنسية، التى لم تحدد عدد المشاركين بثمانية كما حاول أن يعزز بيان داعش، الذى فى تقديرى يحاول تثبيت رواية أن من نفذوا الهجوم كانوا ثمانية حتى تفلت المجموعة التى نجحت فى الهرب، والتى أقدرها بعشرة أفراد إضافة إلى من قضوا فى العملية؛ حيث يبدو لى أنه إضافة إلى المجموعة التى تمنطقت أحزمة ناسفة، كانت توجد مجموعات اقتحام أخرى اكتفت بحمل رشاشات وبعض القنابل، من أجل إلحاق أكبر قدر من الخسائر، بالرغم من هذا الفشل النسبى فإن الحادث ينطوى على فجوة معلوماتية واضحة فى تقديرى لها صلة بضعف التنسيق الأمنى بين أجهزة المعلومات فى أوربا، ولعلنا نذكر أن التأخر فى تبادل معلومة متعلقة بأحد من نفذوا هجوم شارلى إبدو من قبل انجلترا، ساهمت فى نجاح هذا الشخص فى تنفيذ العملية مع آخرين، المقارنة بين السلطات الأمنية والفرنسية فى مكافحة الإرهاب تظهر الفارق لحساب الألمان، الذين نجحوا بعد كشف خلية هامبورج فى العام ٢٠١١ والتى قامت بالتنسيق لهجمات القاعدة فى ١١ سبتمبر فى تطوير رؤية أمنية نجحت فى توفير أمن نسبى للمجتمع الألمانى مقارنة حتى بجل العواصم الأوربية.


بالرغم من إعلان داعش أنها المسؤولة عن العملية، لايمكننا تجاهل أن أول من دشن فكرة الخلايا النائمة والذئاب المنفردة كان أنور العولقى القيادى بالقاعدة الذى قتل فى سبتمبر من عام ٢٠١١ والذى ألف دليلا سماه كيف تعد قنبلة فى مطبخ والدتك، هذا الدليل تم تداوله فى منتديات تابعة للقاعدة خلال الأيام التى سبقت الحادث وحادث الطائرة الروسية التى سقطت فوق سيناء أيضا، فهل تكون القاعدة وراء العملية واستبقت داعش بإعلان المسؤولية عنها فى إطار تنسيق سري بين المجموعتين، خصوصا بعد خطاب أيمن الظواهرى زعيم القاعدة الذى تحدث عن أن الجهاديين من داعش أو القاعدة يواجهون عدوا واحدا.. ربما ؟


تواجه فرنسا بلا شك تحدى إحداث توازن فى قراراتها الأمنية المتعلقة بحماية أمن مواطنيها والكود الغربى فى حقوق الإنسان، خصوصا مع تصاعد التيار اليمينى الذى تعزز مثل تلك الحوادث سياساته وادعاءته تجاه الجاليات الإسلامية والأجانب عموما، كما تطرح تساؤلات حول مدى قدرة فرنسا على دمج المهاجرين؛ حيث تبرز مدرستان فى قضية الهجرة فى أوربا المدرسة الفرنسية التى تفرض احترام الخصوصية الفرنسية ونمط الحياة الفرنسى، والتقيد به مقارنة بالمدرسة الإنجليزية التى تترك للجاليات الأخرى أن تعيش بنمطها الثقافى الخاص، فى كل الأحوال يبدو التطرف لدى الطرفين الفرنسى والعربى يدفعان فى اتجاه نسف فكرة التعايش أو الاندماج فى المجتمعات الغربية، التى تعتقد داعش أنها مجتمعات كافرة يجب أن تستعبد لحساب دولة الخلافة، كما يزيد الأمر لديهم تجاه فرنسا إلى حد اعتبارها راعية الصليب فى استدعاء منكور لزمن الحروب الصليبية، حيث تمثل أحاديث الملاحم وفتن آخر الزمان البيئة الذهنية التى تشكل قرارات التنظيم وسياساته .


التباين بين الدول الغربية وتحديدا بين الطرف الروسى والأمريكى فيما يتعلق باستراتيجية القضاء على داعش، تصنع فجوات تمكن التنظيم من البقاء واستهداف المزيد من العواصم، فبينما تعتقد أمريكا أن القضاء على التنظيم بشكل سريع وحاسم هو أقرب إلى ضرب عش ذنابير ستنطلق لتصيب فى كل اتجاه، ومن ثم فهى تريد مدّ المد الزمنى اللازم للقضاء على داعش وتوظيفه فى إضعاف دول المنطقة وإعادة تشكيلها، بينما تعتقد روسيا من منطلقات أمنية بحتة أنه ينبغى ضرب التنظيم بقوة وحسم، فى كل الأحوال نحن بحاجة إلى أن تكون مظاهرة الاصطفاف التى بدت إلى جانب فرنسا سواء فى حادثة شارلى ابدو أو تلك الحوادث الأخيرة، تعكس تصورا واحدا ومحددا للإرهاب لايفرق بين إرهاب فرد أو منظمة أو دولة، أيضا إدراك أن الإرهاب يضرب عن قوس واحدة الجميع، بينما نصر كدول على أن تكون لكل دولة مقاربتها الخاصة التى تصنع الفجوات التى تتسلل منها تلك التنظيمات، قبل أن يصبح الجميع تحت مطارق إرهاب داعش التى تصر على أن تضع لنفسها موطأ قدم فى العديد من الساحات، سواء عبر وجود مباشر لقواتها فى سوريا والعراق وليبيا وسيناء وغيرها، أو عبر خلايا نائمة وطابور من الجيوش الألكترونية التى تغرد يوميا عبر ٤٠ ألف تغريدة تدعو لأفكار التنظيم، فضلا عن آلاف الغرف الألكترونية والمواقع والمنتديات أدوات للدعاية والتجنيد والتعبئة، الأمر خطير ويستلزم إزالة التباينات فى النظر لهذا الخطر قبل فوات الأوان، وأن يدرك الجميع أن صيحات مصر لم تكن سوى إدراك واع لحقيقة الكارثة قبل استفحالها كما نرى اليوم.