د. محمد غانم أستاذ الطب النفسى بجامعة عين شمس: استقلال القرار المصرى أصاب قادة الغرب بـ«عقدة نفسية»

18/11/2015 - 1:07:24

حوار يكتبه : عبد اللطيف حامد

تضخيم الغرب والأمريكان من أى أزمة أو حادث تتعرض له مصر ليس أمرا عشوائيا أو مصادفة بل كل المواقف والقرارات التى يتخذها المسئولون فى العواصم الغربية مدروسة، ومدبرة لإحراج المصريين أمام العالم، ومحاولة للتركيع والخضوع خصوصا بعد ثورة ٣٠ يونيه التى رفعت شعار " لا تبعية لأى قوى غربية أو شرقية " مما أفقد هؤلاء القادة صوابهم نفسيا، ويحاولون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا الضغط على القاهرة حتى تعود تابعة كأنظمة الحكم قبل إسقاط حكم المرشد، وتظل فى " دائرة الاحتياج " للغرب دائما، هكذا يقول د.محمد غانم أستاذ الطب النفسى بجامعة عين شمس.


مضيفا أن الموقف البريطانى بشأن الإعلان عن وقف رحلات الطيران الإنجليزي لشرم الشيخ، ورفض استقبال الحقائب على طائراتهم رغم وجود الرئيس السيسى فى لندن مدبر لإفساد زيارته، والدخول فى موجة من الضغوط على القاهرة بالتهويل فى هذا الحادث لكن تمتع الرئيس برابطة جأش، وثقة بالنفس جعلته يتماسك ويظهر أنه أقوى من أى تصرف سخيف، وتغاضى عن إساءة أدب الإنجليز من أجل مصلحة مصر.


كيف تفسر محاوﻻت الإدارات الغربية والأمريكية استغلال أى حادث للإساءة إلى مصر وآخرها سقوط الطائرة الروسية؟


لو أردنا تفسير مواقف الدول الغربية من مصر من الناحية النفسية علينا ألا ننسى أن العالم الغربى وخصوصا أوربا احتلت أراضينا لسنوات طويلة، وكانت هذه الدول الاستعمارية بمثابة الأمر الناهى والمسيطر على مقاليد الأمور فى بلادنا، ومازالت هذه الدول أسيرة هذه النظرة الاستعمارية تعشعش فى عقولهم المريضة، ولا يريدون أن يستوعبوا أن مصر شبت عن الطوق، وأصبحت مستقلة، فيتآمرون ويخططون لإخضاعها، وزادت هذه الأحقاد بعد ثورة ٣٠ يونيه التى رفعت شعار « لا تبعية لا أى قوى «مما جعل هناك مرارة نفسية فى حلوقهم خاصة أن هناك بعض الأنظمة التى ركنت إلى التبعية، وتنفيذ سياسيات ومطالب أمريكا وأوربا لعدة عقود، فتوهم الغرب أن مصر صارت حقا مكتسبا لا يمكن التفريط فيه، فهم لا يريدون أن يكون لنا رأى أو موقف مخالف لأجندتهم ومصالحهم.


ولماذا يتخوف الغرب من عودة مصر لمكانتها التاريخية والإقليمية والعالمية؟


من يقرأ تاريخ الأمم يعلم جيدا أن مصر دولة محورية عبر التاريخ، وقلب العروبة النابض، وقوتها تتيح لها التحرك فى كل الملفات الإقليمية والدولية، وهذا لا يلقى أى ترحيب من الغرب، والأهم أن هذه الدول تكتسب رفاهيتها وانتعاشها الاقتصادى من إضعاف البلدان الأخرى، وجعلها أسيرة لهم فى الأمور الأساسية والحياتية بداية من الغذاء ومرورا بالدواء وحتى السلاح، فهم يتحايلون بكل السبل المتاحة وغير المتاحة لكى تكون مصر وغيرها من الدول العربية والإفريقية مجرد سوق لتصريف واستيعاب إنتاجهم كما كانوا يفعلون خلال عهود الاحتلال البريطانى والفرنسى والأوربى بصفة عامة للعديد من الدول، ومن هنا يحاولون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لإخضاعنا، وجعلنا نعيش دائما فى « دائرة الاحتياج « لأننا إذا صرنا أقوياء سوف تنهار منظومة تفوقهم وإحساسهم الخاطئ بأننا الأضعف، فيفقدون سيطرتهم علينا، ولذلك يتربص الغرب بأى مشروع وطنى لهزيمته وإخضاعه لأنه ضد مصالحهم بل هناك دوافع نفسية وراء هذا الموقف تتمثل فى الرغبة فى السيطرة وإنهاك قوتنا، وبث التشتت بيننا حتى يسهل لهم الحصول على أهدافهم.


هل من أمثلة توضح هذا الموقف الغربى ومحاولاته لإخضاع الدول العربية وفى مقدمتها مصر؟


الشواهد على المؤامرات الغربية متعددة وواضحة على مر التاريخ لكن أخطر ما تعرضت له الأمة العربية بسبب هذه المكائد كان زرع الكيان الصهيونى فى المنطقة بناء على وعد بلفور الذى قال عنه الزعيم جمال عبد الناصر « إنه أعطى من لا يملك لمن لا يستحق «، وعلينا أن نتذكر جميعا ودائما أنه بمجرد قيام دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨ سارعت معظم الدول الغربية للاعتراف بها وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا وفرنسا، ولم يحاولوا حتى إخفاء نزعاتهم الدفينة لزرع كيان الهدف منه إضعاف المنطقة العربية، وجعلها بعيدة تماما عن المنافسة فى كل المجالات، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل أمدوا هذا الكيان الصهيونى بكل مقومات الحياة، والعمل على تقويته، والتدخل بطرق مباشرة وغير مباشرة فى كل الحروب التى دخلها ضدنا، كما دعموا الإسرائيليين اقتصاديا ونفسيا فى كل الصراعات التى خاضوها مع العرب حتى فى المجالات الدولية عندما أفشلوا أى مشروع لإدانة الممارسات الإسرائيلية داخل المنظمات الدولية، ومن هنا نتأكد أن أى سلطة وطنية ستقوم فى بلدنا لن تجد الدعم من الغرب بل ستواجة بحرب شعواء ومحاصرة لإنهاكها كما هو واضح فى كافة الأحداث التى مرت بها مصر فى الفترة الأخيرة، فهم يريدون تدمير قواتنا النفسية بضرب أى نظام أو قائد عربى يريد أن يواجه مخططاتهم، فهم يمكن أن يرضوا بنظام أو دولة تابعة لأكثر من ذلك.


كأستاذ للطب النفسى .. كيف تحلل نفسيا قرار بريطانيا بوقف الرحلات إلى شرم الشيخ فى الوقت الذى مازال فيه السيسى فى لندن؟


ما فعلته بريطانيا مع الرئيس السيسى ليس أمرا عشوائيا أو بالصدفة لكنه مدروس بطريقة نفسية للضغط على الرئيس السيسى وتشويه صورة مصر من خلاله لأنه رمز لجميع المصريين، فالمسئولون البريطانيون كغيرهم من الغربيين يريدون وضع مصر فى مربع الإهانة بهذا التصرف غير اللائق، ودليلى على أنه موقف مدبر أنه جاء فى وقت قريب من تاريخ «وعد بلفور»، فهم يريدون توصيل رسالة مفادها أن على المصريين والعرب ألا ينسوا أن الغرب صاحب فكرة صناعة الكيان الصهيونى وما يريدونه يمكن أن يفعله فى أى وقت.


البعض يرى أن البرود الذى يتصف به الإنجليز جعلهم ﻻ يهتمون بالبروتكول أو حتى أصول الضيافة .. ما رأيك فى ذلك؟


السياسيون الإنجليز ليسوا من عجينة أخرى لكنهم من نفس عجينة القادة والرؤساء الأوربيين، وبالتالى لم يهتموا بالبروتوكول أو أصول الضيافة وتغلبت عليهم أحقادهم النفسية فى قرار إعلان وقف الرحلات إلى شرم الشيخ ورفض استقبال حقائب البريطانيين على طيارات المملكة المتحدة للإيحاء بأن الطائرة الروسية تعرضت لعمل إرهابى واستباق أى تحقيقات لتأكيد التهمة على مصر.


كيف ترى تصرف الرئيس السيسى وإصراره على استكمال الزيارة رغم الموقف البريطانى السيئ ؟


حسنا ما فعله الرئيس السيسي لأنه كان تمتع برابطة جأش، وثقة بالنفس جعلته يتماسك ويظهر أنه أقوى من أى تصرف سخيف حتى لو كان مقصودا، والرئيس تغاضى عن إساءة أدب الإنجليز مع شخصه من أجل مصلحة مصر لأن إنهاء الزيارة كان سيزيد الضغوط، والإشاعات ضد القاهرة، ووقتها سيتحجج المسئولون الإنجليز بأنهم لم يقصدوا إحراجه، وما يشغلهم إلا أرواح مواطنيهم، فالرئيس تعرض لكمين مع سبق الإصرار والترصد لدفعه إلى اتخاذ موقف محدد، وأتوقع هنا أن الرئيس أدرك ذلك، ووضعه فى حساباته عند تقييم الأمر كله فوجد أن بقاءه فى فاعليات زيارة لندن سيفشل المخطط المرسوم لإفساد زيارته، والتضخيم فى حادث الطائرة الروسية إلى أقصى مدى.


كيف ترى موقف روسيا صاحبة الضحايا بعد تعاملها بدبلوماسية مع حادث الطائرة؟


الموقف الروسى على مستوى القادة والمسئولين وضع مصلحة الدولة العليا فى المقام الأول وليس حبا فى مصر، حيث إن الروس يسعون لإيجاد موطئ قدم فى المنطقة، وأخيرا تحسنت العلاقات مع القاهرة، فلا يمكن التفريط فيها بسهولة بسبب حادث مازال قيد التحقيقات، لكن فى كل الحالات روسيا كغيرها من الدول الغربية تريد تحجيم مصر، وكل قوى لها طريقتها الخاصة فى الوصول إلى الهدف.


من الملاحظ أن الشعب الروسى تحمل الكارثة، ولم يطالب حكومته باتخاذ موقف معاد من القاهرة .. كيف ترى ذلك؟


الشعب الروسى يدرك جيدا أن مصر ليست لها مصلحة فى سقوط الطائرة، وأنها الأكثر تضررا من هذا الحادث، ومن هنا لم يخرج الشعب الروسى فى أى احتجاجات ضدنا فليس من المعقول أن يوجه طاقة غضبه ضدالمصريين.


هناك عدد من الخبراء يقولون إن أجهزة مخابرات غربية تقف وراء حادث الطائرة لإفساد العلاقات المصرية الروسية.. ما تفسيرك النفسى لهذا السيناريو؟


هذا السيناريو محتمل للضغط على الدولتين معا مصر وروسيا، بحيث تضر روسيا لسحب مواطنيها القادمين للسياحة فى شرم الشيخ، ومن ناحية أخرى إعطاؤها رسالة غير مباشرة تتمثل فى ضرورة التوقف عن التدخل فى سوريا، أما مصر فإن هذا الحادث المدبر أدى إلى الإضرار بسمعتها فى مجال الطيران إلى جانب ضرب السياحة، وفى ظنى أن وقوع الحادث وفق تخطيط دقيق وترتيب ممنهج بحيث إنها وقعت فى سيناء وتحديدا فى منطقة جبال وبعد إقلاعها بنحو ٢٣ دقيقة يوحى أن هناك أجهزة مخابرات تقف وراء هذا العمل الإجرامى.


ما الجهات المستفيدة من هذا الحادث؟


إسرائيل تعد أكثر الأطراف استفادة نفسيا واقتصاديا وسياحيا من هذا الحادث لأنها استغلته لصالحها باعتبارها أكثر الدول أمانا واستقرارا فى المنطقة لجذب السياح الغربيين إليها، ومن المحتمل أن تكون متورطة فى هذا الحادث.


إلى أى مدى أربكت ثورة ٣٠ يونيه نفسيا الدول الغربية بعد إفسادها لمخططاتها ضد مصر؟


الغرب لديه استراتيجية وتكتيك بشأن المنطقة العربية، الأولى باقية ولن تتغير وهى تحويل المنطقة إلى تابع له باستمرار سواء بطريق مباشر أو بغير مباشر حتى لو اضطر إلى إعادة تقسيمها دويلات صغيرة، أما التكتيك فهو طريقة التنفيذ التى تختلف من زمن إلى آخر ومن قوى إلى أخرى، وليس معنى أننا نجحنا فى إفشال هذا التكتيك خلال ثورة ٣٠ يونيه القضاء تماما على استراتيجية الغرب للوصول إلى الهدف إلاأنه ما زال يحاول وسيواصل مؤامراته على المنطقة، وعلينا أن نكون يقظين منتبهين للتصدى لأى تكتيكات أخرى تستهدف إضعاف الدول العربية لصالح إسرائيل.


كيف تتعامل مصر مع التهديدات الخارجية على أمنها القومى بشكل يتماشى نفسيا مع العقلية الغربية لكسب الشعوب فى صفنا؟


لابد على المواطنين العاديين أن يتحلوا بحسن المعاملة مع السائحين الغربيين والتواصل معهم لإعطاء صورة إيجابية عن مصر ليكونوا سفراء لنا فى دولهم والتأكيد على أن مصر آمنة مستقرة بعيدا عن التهويل من بعض وسائل الإعلام العربية المأجورة سواء من التنظيم الدولى للإخوان أو غيره من القوة المتربصة بالمصريين، أما دور الحكومة يتمثل فى ضرورة الالتزام بالشفافية وحسن التصرف فى المواقف الطارئة وتوفير الحماية للسائحين والسفارات الغربية مع ضمانات واضحة لتحمل أى أخطاء يمكن حدوثها.


كيف نستطيع توظيف هجمات باريس لصالح مصر فى حربها مع الإرهاب ؟


تفجيرات باريس تؤكد للقاصى والدانى أن أى جهاز أمني يمكن اختراقه مهما كانت الإجراءات الاحترازية، وبالتالى لا داعى للتضخيم من أى مشكلة أو حادث يقع على أرض مصر، وفى نفس الاتجاه لابد أن ينتبه العالم لدعوات مصر المستمرة لوضع استراتيجية دولية لمحاربة الإرهاب.


 



آخر الأخبار