مشاركة قلقة: قراءة فى مشهد المرحلة الثانية للانتخابات البرلمانية

18/11/2015 - 1:05:30

د. يسرى العزباوى

يعوّل البعض على زيادة نسبة المشاركة فى المرحلة الثانية للانتخابات، خاصة مع المحاولات المضنية لكل أطراف العملية الانتخابية من استنهاض الهمم ورفع الشعور الوجدانى للناخبين من أجل التصويت لصالح من يرونه مناسبًا لتمثيلهم داخل البرلمان، الذى وضع عليه أعباء كبيرة أولها مراجعة كل القوانين والتشريعات التى صدرت منذ تولى الرئيس عدلى منصور حتى تاريخ انعقاده خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، وهى مدة خمسة عشر يومًا، مما وضع البرلمان فى مأزق حقيقي، ستجعله يصوت عليه كحزمة واحدة أو على مجموعات قوانين، وهو ما قد يؤدى إلى تشويه صورة وسمعة هذا البرلمان المكلوم.


ثانيها، وضع اللائحة الجديدة، أو تعديل اللائحة القديمة، وهو ما قد يحدث على عجل، وبالتالى لن يتمكن أعضاء البرلمان من مناقشة اللائحة بشكل أكثر تفصيلاً. وثالثها، أن هذا البرلمان ملزم من اليوم الأول بالبدء فى سن مجموعة من التشريعات الملزمة التى ذكرها الدستور مثل قوانين الهيئات الوطنية والقانون الموحد لدور العبادة..إلخ.


وفى الواقع، تجرى المرحلة الثانية من الانتخابات، فى الداخل والخارج، من يوم السبت ٢١ إلى الإثنين ٢٣ نوفمبر فى ١٠٢ لجنة عامة و١٢٤٩٦ لجنة فرعية، ويشرف فيها ١٥ ألف قاض. كما يتنافس فيها ٢٨٤٧ مرشحًا على المقاعد الفردى من أجل الفوز بـ ٢٢٢ مقعدًا، بمعدل تنافس ١٣٪ على المقاعد الواحد.


المرحلة الثانية... مميزات منقوصة


لا شك فى أن هذه المرحلة لها بعض المميزات على سابقتها، ومنها: إنهاء حالة الشك فى أن الانتخابات تجرى فى موعدها المحدد ولن تؤجل كما حدث فى بداية العام، وإنهاء حالة الجدل حول العديد من الإشكاليات المتعلقة بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية، وأن قواعد اللعبة الانتخابية باتت معروفة ومعلومة للجميع من أحزاب ومستقلين. وتضاف إلى هذه المميزات عدة أمور أخرى، كما يلي:


أولا، قلة الحديث عن التصويت العائلى والقبلى، تلك الذى كان محورًا أساسيًا فى تناول وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة إلى الحد الذى ذهب فيه البعض إلى أن التصويت بين قبائل وعائلات ممتدة من أسوان حتى الإسكندرية، وهو أمر فنّدته وكذبته نتائج المرحلة الأولى التى تسابق فيها ليس فقط أبناء العمومة ولكن أبناء البيت الواحد. ثانيًا، توعية أكثر للمواطنين، حيث تحاول جميع أطراف العملية الانتخابية القيام بمسئولياتها من أجل زيادة نسبة مشاركة المواطنين بالتصويت، فضلاً عن مناشدة الشباب إلى النزول إلى صناديق الاقتراع؛ حتى يثبتوا للعالم أنهم قادرون على تحريك المياه الراكدة وقتما يشاءون، وأن تطلعات الشباب يمكن أن تترجم بالفعل عن طريق اختيار نواب يعبرون عن أهداف وطموحات الثورات المصرية.


ثالثًا، محاولة حكومية جاهدة لضبط الأسعار المنفلتة، حيث قام الرئيس عبد الفتاح السيسى بإعطاء تعليماته بضرورة ضبط وإحكام الرقابة على الأسعار قبل نهاية شهر نوفمبر، وهو ما أدى إلى مؤشر بأن الدولة ستتدخل عبر القوات المسلحة بالرقابة أو زيادة المعروض من السلع الاستهلاكية. فضلاً عن محاولة التعاطى مع أزمة الأمطار من خلال تضافر الجهود بين القوات المسلحة والأجهزة التنفيذية المختلفة فى المحافظات المكلومة.


رابعًا، أداء إعلامى أقل انفلاتًا، حيث بدأ الإعلام، الذى وجه له اللوم على أنه كان أحد أسباب ضعف المشاركة الانتخابية، فى الميل نحو تحقيق التوازن من خلال تناوله لمادة إعلامية محفزة لعملية المشاركة، خاصة الإعلام الرسمي. أما الإعلام الخاص، فما زالت الإثارة وعدم المهنية والتوجيه سمة غالبة على بعض قنواته، وتبرز هذه الإشكالية بشكل أكبر فى القنوات الخاصة التى يملكها بعض المرشحين من رجال الأعمال أو أصحاب الأحزاب التى تخوض الجولة الثانية. وخامسًا، وأخيرًا، تراجع الدعوات حول تعديلات الدستور، خاصة مع تأكيد بعض رؤساء الأحزاب على ضرورة التعقل فى مثل هذه الدعوات، وأنه يجب تطبيق الدستور أولاً.


وعمليًا، تتمتع محافظات المرحلة الثانية بعدد من الخصائص، التى تجعلها الأكثر تصويتًا من محافظات المرحلة الأولى، إذ ما قامت الحكومة بالتعامل الجيد مع ظروف الطبيعة التى قد تطرأ أثناء عملية التصويت. ومن هذا العوامل ما يلي: أولاً، نسبة مشاركتها التصويتية أكبر فى الاستحقاقات التى جرت ما بعد ٣٠ يونيه، حيث تجاوت محافظات مثل: بور سعيد والمنوفية متوسط ٥٠٪ من إجمالى من لهم حق التصويت، وكانت الأعلى فى الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية لعام ٢٠١٤. ثانيًا، الكثافة السكانية، وبالتالى من لهم حق التصويت فى هذه المحافظات أكبر قليلاً عن محافظات المرحلة الأولي.


ويمكن القول، إن محافظات هذه المرحلة هى الأسهل فى الحشد والتعبئة عن محافظات المرحلة الأولى، خاصة مع قلة تأثير القبيلة والعائلة فى محافظات الدلتا والقاهرة. ثالثًا، معدل التنافس على المقعد الواحد فى هذه المرحلة أكبر إلى حد ما عن محافظات المرحلة الأولى، وهو ما سيجعل التنافس أكبر بكثير، خاصة فى مراكز وقرى ونجوع المحافظات الريفية.


تخوفات مشروعة


وعلى الرغم من بعض المميزات التى تتسم بها المرحلة الثانية، فإن هناك بعض التخوفات التى ما زالت تساور البعض من ضعف عملية المشاركة. وهذه التخوفات مشروعة فى ظل: أولاً، عدم قدرة الحكومة فى التعامل مع المشكلات الطارئة التى تواجه محافظات المرحلة الثانية، وتأتى على رأسها أزمة الأمطار التى بدأت تضرب عددًا من محافظات الدلتا وراح ضحيتها عدد من المواطنين. وفى الواقع، فإن هذه الأمطار هى أزمة كاشفة لمصر كلها، وعلى وجه التحديد وزارتى الموارد المائية والإسكان وتنمية المجتمعات العمرانية، فالبلد الذى يعانى من نقص فى المياه غير قادر على الاستفادة من خيرات نزلت عليه من السماء. ونعتقد أن انخفاض نسبة المشاركة فى محافظة الإسكندرية فى الجولة الثانية للمرحلة الأولى ما زالت قابلة للتكرار إذا لم تتحرك الأجهزة التنفيذية بما يرضى المواطنين فى التعامل والتعاطى الجيد مع هذا الأمر.


ثانيًا، الوضع المضطرب وإرهاب منفلت: فعلى الرغم من التعامل الممتاز من قبل الأجهزة الأمنية فى المرحلة الأولى، التى استطاعت أن تفكك بعض القنابل بدائية الصنع، فإن فى بعض محافظات المرحلة الثانية الأمر مختلف بالكلية، لأنها هى المحافظات التى شهدت أغلب عمليات عنف جماعة الإخوان، فضلاً عن الوضع غير الآمن فى بعض مناطق شمال سيناء.


ثالثًا، العودة القوية لبعض رجالات الحزب الوطنى المنحل: التى وصلت فى بعض التقديرات إلى ٨٨ عضوًا، وهو ما أدى إلى إصابة البعض بالإحباط والتشاؤم من مدى القوة أو الضعف اللذين نالا البرلمان الجديد، وهل هو معبر عن الثورات المصرية أم أنه عودة إلى الحرس القديم فى ظل سقوط بعض رموز ثورة ٢٥ يناير فى انتخابات المرحلة الأولى، وهو قابل للتكرار فى المرحلة الثانية.


رابعًا، سيطرة رجال الأعمال والمال السياسى على البرلمان الجديد: فالعلاقة الآثمة بين المال والسلطة عادت بشكل مؤسسى عن طريق ثالوث: المال والإعلام والأحزاب. وفى المقابل، فإن مؤسسة الرئاسة لا تريد الدخول فى صدام مباشر مع رجال الأعمال نظرًا للظروف الاقتصادية الراهنة من جانب، والحفاظ على سيادة القانون وتطبيقه من جانب ثان، ورفع بعض الدول الصديقة يدها عن مساندة النظام الحالى بعد اتخاذه مواقف مغايرة لمواقفها إزاء بعض المشكلات العربية والتعامل مع الإرهاب.


خامسًا، اتساع الدوائر الانتخابية وجهل الناخبين بها: وهى إحدى المشكلات التى واجهت الناخبين فى المرحلة الأولى، وهو ما أدى فى النهاية إلى زيادة نسبة الأصوات الباطلة، خاصًا وأن الناخب المصرى ناخب “كسول” أو إذ شئنا التعبير بدقة هو ناخب “موجه” فى الكثير من الأحيان، وذلك نتيجة طبيعية للثقافة التقليدية التى تربى ونشأ عليها من قبل جماعة الإخوان أو الحزب الوطنى المنحل.


ومن جدول عدد دوائر محافظات المرحلة الثانية والمقاعد المخصصة لها يمكن القول، إن محافظة القاهرة هى الأولى من حيث عدد الدوائر والمقاعد المقررة بالمرحلة الثانية، حيث تمثل فى البرلمان بـ ٤٩ مقعدًا، تأتى بعدها محافظة الشرقية والدقهلية بـ ٣٠ و٢٩ مقعدًا على التوالى. أما أقل المحافظات تمثيلاً فهى جنوب سيناء بواقع ٣ مقاعد فقط ثم تسبقها كل من محافظتى السويس وبور سعيد بواقع ٤ مقاعد لكل منهما. واللافت للنظر، أن محافظة السويس هى المحافظة الوحيدة فى المرحلتين الممثلتين بدائرة واحدة فقط، وهو ما يتطلب من المرشحين جهدًا مضاعفًا فى عملية الدعاية الانتخابية.


خريطة غير مستقرة للمرشحين


وإذ ما انتقلنا إلى خريطة المرشحين فى هذه المرحلة، نجد أنها مطابقة للمرحلة الأولى، حيث يبلغ عدد المرشحين المستقلين ضعفى المرشحين الحزبيين، وإن كان العدد ليس دليلا على القوة، وربما تتكرر مفاجأة المرحلة الأولى التى حصل فيه الحزبيون على نصف المقاعد تقريبًا.


وبالنسبة للقوائم الانتخابية، توجد فى هذه المرحلة دائرتان قوائم، إحداهما ممثلة بخمسة عشر مقعدًا، وهى شرق الدلتا، وتتربع على عرشها قائمة حب مصر، التى بحاجة فقط إلى ٥٪ من إجمالى من لهم حق التصويت، حتى يتم إعلان فوزها رسميًا. أما الدائرة الأخري، فهى القاهرة ووسط الدلتا فيتنافس فيها عدد من التحالفات الانتخابية منها: حب مصر والنور والتحالف الجمهورى وتيار الاستقلال.


وفى الواقع الفعلي، ينحصر التنافس فى هذه الدائرة بين تحالفي: حب مصر والجمهورى برئاسة المستشارة تهانى الجبالى التى تلعب دورًا كبيرًا فى عملية الدعاية لقائمتها. إلا أن فرص فوز قائمة حب مصر هى الأعلى، خاصة مع اعتمدتها على “الخلطة السحرية” التى تعتمد على وجود عدد من رجال الأعمال ورموز وكبار العائلات، فضلاً عن بعض الشخصيات العامة التى عملت فى البيروقراطية المصرية من قبل من وزراء سابقين وعسكريين وأمنيين. إلا أن قائمة حب مصر تدخل هذه المرحلة وهى أقل تماسكًا عن المرحلة الأولى، وذلك بسبب الخلاف الذى نشب بين مؤسس القائمة ومنسقها اللواء سامح سيف اليزل من جانب والمهندس نجيب ساويرس مؤسس حزب المصريين الأحرار من جانب آخر بسبب تكلفة الدعاية للقائمة، وأمور أخري، ربما يأتى على رأسها عدد المقاعد التى حصل عليها كل طرف جعلته يريد أن يفرض شروطه على الطرف الآخر.


ومن خلال رصد وتحليل المشهد الانتخابى للمرحلة الثانية، يمكن إبداء عدد من الملاحظات:


١-خريطة الأحزاب الفائزة، ربما يحدث بعض التغيرات الطفيفة فيها، حيث يحاول “المصريين الأحرار” الحفاظ على تقدمه، ولكنه لن يتجاوز بأى حال من الأحوال ٤٥ مقعدًا، ليكون إجمالى المقاعد التى حصل عليها فى المرحلتين ٨٥ مقعدًا. أما حزب مستقبل وطن فيسعى جاهدًا لكى يحافظ على ترتيبه الثانى بل وتضييق الفارق بينه وبين المصريين الأحرار، وإن لم يكن بالفوز بعدد أكبر من المقاعد فى الجولة الثانية، فبالتربيطات والتحالفات مع المستقلين داخل البرلمان، خاصة أنه أعلن أنه الأكثر قربًا للدولة، وبالتالى يفضل المستقلون دائما التعامل مع الحكومة، دون سوها، لتوفير الخدمات لدوائرهم والحصول على بعض المكاسب التى تضمن لهم الفوز فى انتخابات تالية.


أما حزب الوفد، فيعول كثيرًا على الحصول على عدد أكبر من المقاعد فى محافظات هذه المرحلة، وذلك لعدة أسباب، منها: أولا، تعويض الفارق بينه وبين المصريين الأحرار ومستقبل وطن. ثانيًا، أن لديه عدد أكبر من المرشحين فى هذا المرحلة عن سابقتها. ثالثًا، أن الحزب لديه نفوذ تاريخى وعائلى أكبر فى محافظات هذه المرحلة.


٢أحزاب اليسار، فإذا ما تحدثنا عن حزب التجمع ومشتقاته خاصة حزبى التحالف الشعبى الاشتراكى والحزب الاشتراكى المصري، وبالإضافة إلى الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى الذى حصد ثلاثة مقاعد فى المرحلة الأولى، فربما يرتفع رصيدها فى هذه المرحلة، خاصة أن الأحزاب الأولى لديها ١٩ مرشحًا فى هذه المرحلة، فضلاً عن الديمقراطى الاجتماعى الذى كان لديه عدد نواب أكبر فى البرلمان السابق فى محافظات هذه المرحلة، وربما تحدث مفاجأة بوصول عدد ممثليه داخل البرلمان إلى ١٠ مقاعد.


٣الأحزاب القومية، مثل العربى الناصرى والكرامة والتيار الشعبى وغيرها، لن تستطيع الحصول على فرص كبيرة ولكن ربما تمثل بمقعدين أو خمسة على الأكثر، خاصة أن عددًا من المنتمين إليها يخوضون العملية الانتخابية كمستقلين وليس باسم أحزابهم.


٤حزب النور، الذى يدخل هذه المرحلة وله ٨ مقاعد، ولديه ٨٠ مرشحًا فى المقاعد الفردية. قام الحزب بعد خسارته قائمة غرب الدلتا، موطنه الطبيعى ومصدر قوته، بعدم التعويل كثيرًا على قائمته المتبقية فى القاهرة ووسط الدلتا، وفضل التركيز أكثر على المقاعد الفردية. وربما مع تخفيف الحملة التى تشنها التيارات المدنية والأحزاب ووسائل الإعلامية عليه أن يحصد الحزب عددًا من المقاعد التى يعوض بها خسارته فى المرحلة الأولى، وعلى الرغم من ذلك ربما لن يستطيع الحزب حصد أكثر من ١٠ مقاعد بأى حال من الأحوال.


ويمكن النهاية بالقول، إن المرشحين المستقلين، الرقم الصعب، سيظلون لهم الأغلبية فى المرحلة الثانية، لكنهم لن يكونوا وحدة متماسكة داخل البرلمان.