هل لدينا كوادر بشرية نووية ؟

18/11/2015 - 11:55:28

محمد مجدى بدرالدين نائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقا

لا يختلف المشروع النووى المصرى عن أى مشروع تنموى ضخم من حيث كونه متعدد المراحل والأنشطة ويحتاج إلى تمويل ضخم نسبته الغالبة بالعملة الصعبة، والمشروع بحكم طبيعته التكنولوجية المتقدمة يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة تحدد الهدف الاستراتيجى للخيار النووى هل هو فقط من أجل الكهرباء، أم من أجل إنجاز انطلاقة تنموية تكنولوجية يحتاجها الاقتصاد الوطنى، وتفصيليا فسيكون علينا الاجتهاد فى توفير كتيبة من الكوادر الفنية الوطنية على أعلى مستوى تقوم بالنيابة عن مصر الدولة المالكة بمتابعة تنفيذ المشروع الأول بالمشاركة مع الاستشارى الأجنبى، ثم الدخول فى المشاريع التالية التى تتصاعد فيها المشاركة الوطنية، ويقل فيها تدريجيا دور الاستشارى المذكور..


لنعد بذاكرتنا قليلا إلى الوراء فى مراجعة موضوعية للتجارب المماثلة فى دول نامية عديدة مثلا مثل الهند والصين وكوريا حيث استطاعت تلك الدول أن تستثمر هذه المشروعات كمعمل لتفريخ الكوادر الفنية على أعلى المستويات بما مثل لها انطلاقة تنموية تكنولوجية وصناعية ضخمة.


أما بالنسبة لتوفير ضمانات الأمن القومى فى مشروع نووى يتم تصميمه وتنفيذه بأيدٍ أجنبية، فهذه مهمة ومسئولية لا يحملها إلا أبناء الوطن المخلصون، ولايمكن تحت أى اعتبار تركها إطلاقا للاستشارى الأجنبى فى منطقة مستهدفة تعج بالأعمال الإرهابية العدائية من كل الاتجاهات، فنحن فى وضعية حرجة لانملك إزاءها ترفا أن نخلط الهزل بالجد، أو أن نخطئ القياس والاستدلال ولو لمرة واحدة في أمور تتعلق مباشرة بالأمن القومى.


وقد يكون ضروريا الإشارة لمقال سابق قمت بنشره فى جريدة المصرى اليوم منذ نحو السنتين تحت عنوان «ولماذا التسرع فى طرح المناقصة النووية؟ « على جزءين، الأول بتاريخ ١٤/١٢/٢٠١٣ ، والثانى بتاريخ ١٨/١٢/٢٠١٣ حيث طرحت مجموعة من التساؤلات بشأن استيفاء ثلاثة عناصر فقط كعينة من تلك العناصر الضرورية التسعة عشر التى تعتمدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتحدد سويا مدى الجهوزية الوطنية لدخول المشروع وللانتقال الآمن من مرحلة إلى أخرى فى مراحله، وكانت تلك العناصر الثلاثة حصرا هى :


القوة البشرية الفنية المدربة المتاحة للجهة المنشئة والمالكة للمشروع ،


ومدى جهوزية الجهة القومية الوطنية المانحة للتراخيص للمشروعات النووية واستعدادها للقيام بدورها.


والخطة القومية على مستوى الدولة التى تحدد الأدوار المختلفة للأطراف ذات الصلة بشكل متكامل.


وتساءلت فى حينه عن مدى توفرها واستيفائها قبل إطلاق المناقصة مع التأكيد مسبقا على أن النواقص تعود للظروف السياسية الصعبة التى يمر بها المجتمع المصرى وعدم استقرار سياسات الأداء الحكومى تجاه المشروع بالتبعية ولاتعود إلى العاملين بتلك الجهات:


وفيما يخص العنصر الأول وهو القوة البشرية المتاحة لمصر باعتبارها الدولة المنشئة والمالكة للمشروع وتمثلها هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة، والتى تمكن الهيئة المذكورة من أداء دورها المحورى فى المشروع: وتعانى تلك الهيئة من التخلخل الشديد تنظيميا وبشريا، وتساءلت موجها تساؤلى لوزارة الكهرباء والطاقة:


وهل تم وضع هذا البند شديد الحساسية للأمن القومى فى الموضع الذى يستحقه من خارطة طريق حاكمة؟


هل تم توفير وتجميع وتدريب وتجهيز فريق العمل الوطنى من الخبراء والمهندسين المطلوبين للمشاركة فى أنشطة المشروع بدءا من المناقصة، ومرورا بالتحليل للعروض والتفاوض والترسية والإشراف على أعمال الإنشاء والتصنيع والاختبار والاستلام للإشراف على أعمال المناقصة وإنشاء المشروع؟،


هل تم إعداد الترتيبات الملائمة ماليا وتنظيميا من خلال إعادة الهيكلة للهيئة المذكورة لمساعدتها على تطوير قدراتها البشرية وفق المعايير الدولية بشكل ناجح؟


وفى حدود معلوماتى فى هذا الشأن فإن الجهة المالكة وحتى تؤدى واجبها على الوجه الأكمل فى متابعة أنشطة إنشاء المشروع الذى تقوم به الشركة الأجنبية المنفذة ستحتاج وفقا لجدول زمنى تصاعدى لنحو خمسمائة من الكوادر الفنية من مختلف التخصصات الهندسية والعلمية ذات المستويات الوظيفية المتعددة فى حالة التعاقد بنظام تسليم المفتاح على الوحدة الأولى وتليها الثانية بعد فترة بينية من سنة لسنتين، وجدير بالذكر أن الموقع الذى تم اختياره للمشروع، وهو موقع الضبعة يتحمل بل ويستلزم إنشاء مجمع نووى ضخم يتكون من ثمانية مفاعلات يتم التعاقد عليها على التوالى على فترات زمنية بينية محسوبة بدقة، وعلينا فى هذه الحالة أن نحدد المطلوب بشريا لإنجاز المهمة ككل.


وقد كان التصور السائد حتى ذلك الوقت أنه كما حدث فى الثمانينيات، سيتم طرح المناقصة أمام كافة الشركات العالمية طبقا للمسار التقليدى المتعارف عليه من حيث الإعلان عن المناقصة، ثم تلقى العروض الفنية والمالية والمفاضلة بينها وفق القواعد الثابتة المنصوص عليها فى القانون المصرى، ثم يجرى التفاوض، للوصول لأفضل الشروط مع المتناقصين ثم الترسية والتعاقد،


ولذا فقد وجهت حديثى فى حينه للجهات صاحبة القرار، للنظر فى إزاحة موعد طرح المناقصة لأجل زمنى محدد لايتجاوز السنتين فى إطار خارطة طريق حاكمة تبدأ جميع فعالياتها على التوازى من يناير ٢٠١٤، ويتم خلالها استكمال عناصر الـتأهل لإطلاق المشروع مع التركيز والتحقق الدقيق من العناصر الثلاثة سالفة الذكر وأبرزها الاحتياجات البشرية للمشروع ، إلا أن شيئا من هذا لم يحدث، ولم يتم إطلاق أى خطة لاستكمال النواقص ماعدا الجهد الذى يتم من أجل إعادة إصلاح منشآت البنية التحتية بموقع المشروع والتى تم تدميرها عندما تم اقتحامه خلال أحداث الثورة وماتلاها من قِبَل عناصر إجرامية مدفوعة من فلول النظام المخلوع.


ولاعتبارات سياسية خاصة بعلاقات مصر الدولية وأولوياتها والتعديلات التى طرأت عليها بعد ثورتى ٢٥ يناير ٢٠١١ و٣٠ يونيه ٢٠١٣ ، فقد سار المشروع فى مسار آخر كان محتملا، ولانختلف عليه بل نرحب به وهو قريب الشبه من نظام التعاقد بالأمر المباشر من حيث الدخول مباشرة إلى التفاوض مع الطرف الروسى من خلال العرض الفنى والمالى الذى تقدم به مع الاحتفاظ جانبا بالعروض التى تقدمت بها الدول الأخرى، وبينما نقرأ فى الصحف أخبارا متناثرة عن مدى التقدم فى المفاوضات الجارية حول العقد المحتمل يزداد قلق الأطراف ذات الخبرة بالمشروع مما لانقرؤه من عدم وجود خطط حاسمة لاستكمال النواقص وقد أزف الوقت وقد نكون قد اقتربنا من توقيع العقد.


ولكن لكى يكون الأمر واضحا ولا يحدث الخلط، فإن المسار الذى تنتهجه وزارة الكهرباء والطاقة الآن حتى تصل إلى التعاقد بأفضل الشروط شىء، والتجاهل والتكاسل تجاه أولوية استكمال النواقص فى الجهوزية المؤهلة للدخول الى المشروع بكفاءة انتظارا لبنود قد يغطيها التعاقد شىء آخر، ولعل أبرز تلك النواقص هوعدم وجود خطة وطنية لاستكمال الكوادر البشرية المطلوبة واضحة ومستقلة عن الطرف المنفذ، وخطورة ذلك المستقبلية على كفاءة وجودة وأمان التنفيذ والتشغيل، وهيمنة الاستشارى الأجنبى للمالك على المشروع وخطورة ذلك على الأمن القومى خاصة أن التعاون المصرى الروسى مستهدف وبالذات فى المجالات الحساسة مثل التعاون النووى، ولابد من اعتبار سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء جرس إنذار ذى مغزى واضح لايحتاج لجهد لاستخلاصه من بين السطور.


والخلاصة فإنه إذا استمر الحال على ماهو عليه الآن فسيكون علينا فى هذه الحالة أن نقنع من المشروع النووى بتوليد الكهرباء فقط، أما الطفرة العلمية والتكنولوجية التى حققتها التجارب المماثلة فعليها السلام.