الطريق طويل وبدأنا رحلة الألف ميل

18/11/2015 - 11:48:39

معتصم راشد معتصم راشد

معتصم راشد المستشار الاقتصادى لاتحاد المستثمرين

لا جدال أن البنك المركزى، وجه ضربة قاصمة لمافيا (شركات الصرافة) أدت إلى خفض سعر الدولار في البنوك بنحو ٢٠ قرشاً، حتى كتابة السطور والـ٤٠ قرشاً في الســـوق السوداء، أثر بيع مبالغ تجاوزت مليار دولار على البنوك العاملة في السوق المحلية، ومما لا خلاف عليه أن هذا من شأنه زيادة التدفقات النقدية من العملات الأجنبية للاقتصاد المصرى، علاوة على وجود سيولة نقدية في الأسواق.


تزامن هذا مع طرح شهادات بفائدة ١٢.٥٪ أسهمت فى نجاح القطاع المصرفي ليجمع ما يتجاوز نحو ٢٠ مليار جنيه خلال الأيام الماضية، هنا أشير إلى أن زيادة سعر الفائدة على الشهادة البلاتينية ساهمت فى تخلى عدد كبير من المصريين عن الدولار والتحول إلى الجنيه للاستفادة من الفائدة الأعلى والمرتفعة، مما خفف الطلب على الدولار.


يلزم -أيضا – أن أشير إلى أن البنك المركزى وجه البنوك بعمل حصر شامل لمديونيات العملاء السابقة، مما يعنى أن (المركزى) سيتجه إلى ضخ سيولة لسداد المراكز المالية للمستوردين لدى العملاء فى الخارج، نتيجة الوفرة التى تحققت فى القطاع المصرفى.


وهكذا يسعى (المركزي) من خلال السياسة النقدية لبعض الإصلاحات فى أوضاع الميزان التجارى، إلا أن (الحكومة) لازالت (منتشية) فى مقاعد المتفرجين ولم تتخذ أيا من القرارات التى يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع السياسات النقدية!


أعود اليوم لأذكر بما كتبت الأسبوع الماضى، حيث ذكرت ما نصه: (لا يفوتنى أن أشير لما ألمحته واستشعرته بحق، عندما أشرت لوزير (التجارة والصناعة) وإنى كنت أتمنى أن يعمل كوزير لـ(الصناعة والتجارة)، وأضفت للحق أن الرجل مستوعبا تماماً لكل ما تعانيه الصناعة، والأهم أن له رؤية واضحة لاقتحام المشاكل وصراحته التي جعلته يعلن أنه على استعداد لمراجعة أي قرار يتخذه يثبت أنه لم يحقق المصلحة والغاية المنشودة.


ما يهمنى هنا تحديداً، ما ذكرته في النهاية عندما قلت: (أعانه الله على من حوله ممن يروجون صعوبة تحجيم الواردات؛ لأن هذا يصطدم بالاتفاقات التجارية الموقعة).


واليوم، أجد من واجبى أن أكرر ما ذكرته في نهاية ما ذكرت، بل ويحتم أن أشير هنا للحقائق التالية، وأثق تماما أن هناك خبرات حول الوزير تعرف عنه تماما!


الحقيقة الأولى: وفقـــاً لالتزامات مصر النابعـــة من كونها عضوا بمنظمة التجارة، تستطيــــع زيادة التعريفة الجمركية المطبقة على وارداتها، لمستوى (التعريفة المربوطة)، وهى تلك الواردة بجداول التزاماتها، خاصة أن مصر تتمتـــع بهامش كبيـــــر بين (التعريفة المطبقة) حاليا، وحد (التعريفة المربوطة)، على كل سلعة.


الأمانة تقتضى هنا أن أشير إلى أن زيادة التعريفة الجمركية المطبقة حاليا إلى مستوى التعريفة المربوطة سينطبق على حالة الواردات من دول أعضاء منظمة التجارة، والتي لا تربطها بمصر أي اتفاقات (تجارة تفضيلية)، وبالتالي فمن المتوقع أن تؤثر على نحو ٤٩.٥٪ من إجمالى الواردات المصرية، حيث إن ٥٠.٥٪ من إجمالى الواردات تأتى فى إطار اتفاقات تجارة تفضيلية.


من المؤكد أن هناك من يعارض هذا الاتجاه ويقلل من شأنه ويضاعف ويضخم من آثاره السلبية، لكنى أقول لكل هؤلاء: (اتقوا الله في مصلحة بلادكم)، فأى إجراء مهما كان ضئيلا، ويسهم في تصويب وضع الميزان التجارى علينا أن نلجأ إليه.


الحقيقة الثانية: وتتعلق بالدول التى تتمتع بمزايا تفضيلية من خلال اتفاقات تجارية، فإننى أطالب الحكومة بداية بتشكيل لجنة على مستوى عال يمثل فيها الإتحــــادات النـــــوعية لرجـــال الصناعـــة والتجارة والمال لدراسة هذه الاتفاقات، ووضع مقترحات من شأنها تنظيم الاستفادة الوطنىية، لأن الغالبية منها يمثــــل عبئا على الاقتصـــادالوطنى! وإلى أن يتم تشكيل اللجنة التى أطالب بها، أطالب الحكومة بفرض رسوم حماية مؤقته على الواردات تعادل نسبة ما تقدمه هذه الدول من مساندة ودعم للعملية الإنتاجية.


الحقيقة الثالثة: من المؤكد أن زيادة التعريفة الجمركية، لن يؤدى إلى إيقاف الواردات بشكل تام، وإنما سيؤدى فقط إلى تخفيضها، نتيجة لانخفاض تنافسيتها السعرية، أخذاً في الاعتبار المرونة السعرية للطلب على هذه المنتجات، (فعلى سبيل المثال، ففي حالة السلع الاستهلاكية المعمرة وغير المعمرة يتسم الطلب بالمرونة، وبالتالي فإن زيادة التعريفة بـ٢٦٪ في المتوسط من شأنه تخفيض الطلب بنحو لا يقل عن ٣٥٪)


الحقيقة الرابعة: وسيلة أخرى تكفلها اتفاقات التجارة المعروفة بـ(الجات)، وتتمثل فى اللجوء إلى القيود الخاصة بحماية ميزان المدفوعات، وهذا يعد من قبيل الاستثناءات للمادة (١١) من اتفاقات الجات، حيث تسمح المادة (١٢) والمادة (١٨) القسم (ب) من ذات المادة بإمكانية فرض القيود الكمية على الواردات بشكل (مؤقت) لحماية ميزان المدفوعات في حالة التهديد بحدوث انخفاض خطير في الاحتياطى النقدى، وأحسب هنا أننا مهما كابرنا وصلنا إلى هذا الحد! خاصة في ضوء المتغيرات التي تحيط بنا.


الحقيقة الخامسة: متى نلجأ إلى هذا الإجراء؟ وأنا أعرف أن المحيطين بوزير الصناعة لا يحبذون هذا الإجراء، إلا أننا لابد أن نلجأ إليه فى حالة عدم تحقيق


النتائج المرجوة من زيادة التعريفة الجمركية إلى مستويات التعريفة المربوطة على الواردات من السلع الاستهلاكية والمعمرة كما أشرت من قبل، هنا نكون مطالبين باللجوء لفرض قيود ميزان المدفوعات على الواردات من تلك السلع.


في حالة اللجوء لهذا الإجراء تحديدا سيطبق على جميع السلع الواردة إلى البلاد، بما في ذلك تلك الواردة من دول تتمتع باتفاقات تجارة تفضيلية، بغرض حماية ميزان المدفوعات.


الحقيقة السابعة: قــد يكون من المفيـــد في حالتنا هذه، أن نلجــــأ لما يعرف بـ(الصفقات المتكافئة)، وهو نظام كان معمولا لفترات طويلة، ومن شأنه تخفيف عبء الضغط على النقد الأجنبي.


الحقيقة الثامنة: أطالب الحكومة ممثلة في وزارة الصناعة والتجارة تحديدا أن ترفع من سقف المواصفات القياسية لجميع الواردات، وهذا من شأنه أن تتسم الـــواردات بالجودة، بديلا عما يرد حاليا من واردات درجة (تانية وتالتة) تملأ السوق.


الحقيقة الأخيرة: التأخير في سداد مستحقات مساندة الصادرات للمصدرين يؤدى لتقليص حجمها، ولا ننسى هنا أن الصين رفعت مساندتها للصادرات من ١١٪ إلى ١٧٪.


أنا، وإن كنت أطالب بسداد مستحقات مساندة المصدرين أطالب أيضا بالتأكد من أن حصيلة الصادرات تعود لـ(تصب في البنوك المصرية) حتى لو أعدنا العمل باستخدام استمارة الـ(ت.ص).


هذه الحقائق أضعها أمام وزير التجارة والصناعة، وكما ذكرت في البداية أتمنى أن يعمل كوزير (صناعة وتجارة)، وأثق تماما أنه رغم صعوبة الموقف إلا أننا قادرون على الصمود وسنتجاوز الأزمة الحالية.


هنــــا لا يفوتنى أن أذكـــر برسالة الرئيس التي دشنها خلال زيارته لـ( شرم الشيخ) عندما قال: (الضغوط لن تنتهى على مصر لأنها راغبة في النجاح والنهوض)، وأضاف: (مصر تتعرض لضغوط كبيرة لن تنتهى.. لكن إرادة الشعب المصرى لن تنكسر).


أردت أن أختم برسائل الرئيس لأننا نواجه مؤامرات وضغوطا اقتصادية في الداخل والخارج.


الطريق طويل، وبدأنا رحلة الألف ميل، وأنجزنا خلال فترة وجيزة الكثير والكثير، وسنحقق ما تصبوا إليه لنا القيادة السياسية، ما دمنا نقف صفا واحدا في مواجهة محاولات زعزعة واختراق الجبهة الداخلية


وللحديث بقية...