مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٢-٧) إسرائيل والمفاوضات المصرية – البريطانية

18/11/2015 - 10:46:32

د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

لم تهدأ إسرائيل، على أية حال، وأخذت ترقب المفاوضات المصرية البريطانية، وترقب التقارب المصري – الأمريكي، بحذر وتوجس شديدين وتتفحص بدقة كل ما يصدر عن "عبد الناصر" وأعضاء مجلس قيادة الثورة من خطب وتصريحات وأحاديث


كان "بن جوريون" على وجه الخصوص منزعجاً من التحولات التي وقعت في مصر في مارس ١٩٥٤، فلم يكن راضياً عن نتائج أزمة مارس، التي أدت إلى غروب شمس اللواء "محمد نجيب" وصعود عبد الناصر إلى مركز السلطة، وكان يشاركه في ذلك "موشي ديان" رئيس الأركان و "شيمون بيريز" سكرتير عام وزارة الدفاع، وظلت مجموعة "بن جوريون" هذه، على قناعتها بأن "عبد الناصر" يناور وأنه يخدع الإدارة الأمريكية بمهارة، وإنه لن ينضم إلى ترتيبات الدفاع الغربية، عن الشرق الأوسط بعد حصوله على الجلاء وتحريره بلاده من الاحتلال البريطانى.


وربما تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل حاولت تنبيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تكتيكات عبد الناصر الخادعة: "وأنها أي الولايات المتحدة" إذا كانت تتصور أن "جمال عبد الناصر" سوف ينخرط في سياستها ويدور في فلكها بعد حصوله على الجلاء من بريطانيا، فإن واشنطن سوف تستيقظ على صدمة كبيرة في مصر.. إن مشاعر المصريين تجاه الأمريكيين لا تختلف عن مشاعرهم تجاه الإنجليز، وكل ما هنالك أن عبد الناصر، يحاول أكل السندوتش قضمة بعد قضمة..". ومع أن النص لا يحتاج إلى تعليق، إلا أننا نبادر بالإشارة إلى أن وثائق الخارجية الأمريكية فضلاً عن تطور الأحداث بالشكل الذي أوصل "عبد الناصر" إلى الصدام مع الغرب، تثبت أن "عبد الناصر" لكي يحصل على استقلال حقيقي لمصر، ولكي يحقق الحلم الذي ظل يراود الشعب المصري منذ أن وقع الاحتلال البريطاني لمصر سنة ١٨٨٢، لم يكن أمامه إلا المناورة واستخدام التكتيكات الخادعة على حد تعبير "بن جوريون" وهو أسلوب وفن مشروع في العمل السياسي، تفوق عبد الناصر في استخدامه لصالح بلاده، بشهادة الكثير من الكتابات الغربية. ففي الوقت الذي كانت تحاول فيه الولايـات المتحدة إغواء وإغراء "عبد الناصر" ليرتبط "بترتيبات الدفاع الغربية"، وذلك عن طريق المعونة الاقتصادية كان عبد الناصر يسعى لاستغلال التناقض الأنجلو – أمريكي لصالحه، وكان يبني خططه ويحدد أولوياته منطلقاً من اقتناعه بأن الحرب العالمية الثالثة لن تقوم، وأن هدفه الأول، هو الحصول على النص الخاص بالجلاء، وبعد ذلك ستصبح بقية نصوص الاتفاقية، مجرد حبر على ورق، بإمكانه ألا يلتزم بها، وإذا ما تعرض لضغوط بسبب موقفه هذا، خاصة إذا ما اضطر للإفصاح عنه فبإمكانه وقتئذ أن يتعامل مع كل موقف وفقاً لظروفه ومستجداته.


والمعروف أن المفاوضات المصرية – البريطانية، استؤنفت في العاشر من يوليو١٩٥٤، وبدأت الولايات المتحدة على الفور تستعد لبدء المباحثات المتعلقة باتفاقيات المعونة الاقتصادية والعسكرية لمصر(٥٩) وتشير وثائق الخارجية الأمريكية والمصرية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ربطت بوضوح بين نجاح المفاوضات بين مصر وانجلترا، وهطول المعونة الاقتصادية والعسكرية عليها، وتوضح هذه الوثائق أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية، كانت مضطرة لانتهاج هذه السياسة تجاه مصر، لما لموقعها الاستراتيجي من أهمية مباشرة في الدفاع عن منطقة الشرق الأوسط والعالم الحر.


وفي السابع والعشرين من يوليو ١٩٥٤، وقع الطرفان المصري والبريطاني، بالأحرف الأولى، على اتفاقية الجلاء، التي نصت على انسحاب كل القوات البريطانية من قاعدة القناة، على أن يتم الانسحاب على مراحل، خلال عشرين شهراً من توقيع الاتفاقية، كما نصت على أن تسمح مصر بإعادة تشغيل القاعدة، عند عودة القوات البريطانية إليها وذلك في حالة الهجوم على مصر أو على إحدى الدول العربية الموقعة على ميثاق الضمان الجماعي المشترك، أو تركيا فقط، واستبعدت إسرائيل، كما استبعدت إيران.


ومع أن "عبد الناصر" رفض صراحة الربط بين الاتفاقية وانضمام مصر إلى منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط (MEDO) إلا أن الفقرة الخاصة بإعادة استخدام انجلترا (الغرب) للقاعدة، إذا ما اندلعت الحرب بين المعسكرين كانت تعني، أو على الأقل هكذا فسرتها الدوائر الغربية، أنه بات حليفاً وموالياً للغرب.


واعتقد أن الخلاف بين قراءة الغرب لنصوص الاتفاقية، ونوايا أو قراءة "عبد الناصر" الحقيقة لها، من أهم القضايا التي تفسر انتقال علاقة "عبد الناصر" بالغرب، خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، من التقارب إلى المواجهة والصدام، وكان لهذا التحول أثره الواضح على سياسات إسرائيل تجاه الثورة المصرية. فضلاً عن أن إسرائيل كانت لها قراءتها الخاصة لنصوص الاتفاقية.


قراءة الولايات المتحدة الأمريكية لاتفاقية الجلاء ومحاولة طمأنة إسرائيل


ولقد حاولت انجلترا وكذا الولايات المتحدة الأمريكية، تهدئة مخاوف إسرائيل، حيث أكدت لها انجلترا أن عقد الاتفاقية بالشكل الذي تم الإعلان عنه، سيساعد الحكومة المصرية على أن تبدأ محادثات سلام معها، وشرح وزير الخارجية الأمريكي "جون فوستر دالاس" للسفير الإسرائيلي في واشنطن "أبا إيبان" أن الحكومة الأمريكية تنوي أن تمارس كل ما يمكنها من ضغوط على مصر لعقد تسوية مع إسرائيل بمجرد أن يتم التوصل إلى اتفاق بين انجلترا ومصر، بل إن دالاس حاول أن يطمئن الحكومة الإسرائيلية أكثر، وذلك عندما أخبر "أبا إيبان" بأن الاتفاقية لا تنص على أن تتسلم مصر على الفور المنشآت البريطانية في القناة، ومن ثم فإن آثارها لن تظهر قبل سبع سنوات في حالة انسحاب القوات البريطانية كلها من منطقة القناة.


ورغم هذه التطمينات والتأكيدات، فإن إسرائيل استشاطت غضباً بعد الإعلان عن توقيع الاتفاقية بالأحرف الأولى، وشهد الكنيست الإسرائيلي جلسة عاصفة، هوجمت خلالها السياسة الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط، التي انتهت – حسب وجهة النظر الإسرائيلية بالطبع - "بتوجيه ضربة خطيرة لمصالح إسرائيل السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي نفس الوقت فإن هذه السياسة عرضت السلام في الشرق الأوسط للخطر وضربت احتمالات عقد معاهدة سلام بين إسرائيل والدول العربية..". ووصل الغضب الإسرائيلي إلى حد أن طالب بعض أعضاء الكنيست "بضرورة مطالبة المسرح الدولي بتوحيد أرض إسرائيل المنقسمة، أي إسرائيل والأردن"! وبضرورة سعي الحكومة الإسرائيلية لمنع تزويد الدول العربية بالأسلحة، ومنع الإخلال بتوازن القوى العسكرية..".


لقد تركزت انتقادات إسرائيل لاتفاقية الجلاء، حسبما ورد في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي "موشي شاريت" يوم ٣٠ أغسطس ١٩٥٤، في أنها لم تنص على حق إسرائيل في استخدام قناة السويس، وأنها لم تكن ضمن الدول التي إذا هوجمت سوف يسمح لبريطانيا بأن تعيد قواتها إلى القواعد في قناة السويس.


وفي نفس الوقت، تزايدت مخاوف إسرائيل من اتجاه الولايات المتحدة وانجلترا نحو إقامة ترتيبات دفاع إقليمية تشترك فيها الدول العربية، وكانت المباحثات قد بدأت مع العراق في هذا الموضوع بالفعل وكما ذكر "أبا إيبان" لدالاس" فإن إسرائيل كانت تتخوف من أن وجود الحلف المقترح سيؤدي إلى عزلتها، وتراجع دورها وأهميتها في الاستراتيجية الغربية إرضاء للعرب.


إسرائيل تدعم ترسانتها العسكرية


على كل حال، أخذ "بن جوريون" والمجموعة التي التفت حوله وآمنت بأفكاره المتشددة – حتى قبل عودته إلى رئاسة الوزراء مرة ثانية- أخذ يعمل على دعم ترسانة إسرائيل العسكرية بالأسلحة الغربية، فوقعت إسرائيل في أغسطس ١٩٥٤ صفقة أسلحة سرية مع فرنسا، تضمنت حصولها على سربين من المقاتلات من طراز "أوراجون" وشبكة رادار وبعض المعدات الأخرى، وبعد أسبوعين دارت مفاوضات بين "شيمون بيريز" وشركة "داسو" الفرنسية، حول حصول إسرائيل على طائرات "المستير" ليس فقط بل إن جهود "إرنست بيرجمان" الأب الروحي للقنبلة النووية الإسرائيلية، بدأت في هذه الفترة، بالتنسيق مع جماعة "بن جوريون" في التخطيط لبناء مفاعل ديمونة. واستمر "بن جوريون" يردد في تصريحاته، حاجة إسرائيل الملحة للمزيد من الأراضي والمياه لاستيعاب المهاجرين الجدد.


عملية سوزانا ومحاولة تخريب العلاقات المصرية - الأمريكية


وفي هذا الوقت أيضاً، نفذت المخابرات الإسرائيلية "عملية سوزانا" التي عرفت فيما بعد "بفضيحة لافون" حيث شكلت شبكة من العملاء بعضهم من اليهود المصريين، وبعضهم من إسرائيل، وكلفوا بتخريب المنشآت الأمريكية والبريطانية في مصر، وبعض دور السينما الأجنبية وطرق المواصلات، ومكاتب البريد، وبالفعل تمكن أفراد الشبكة من إشعال الحرائق في مكتب الاستعلامات الأمريكي في القاهرة والإسكندرية وأشعلوا النيران أيضاً في سينما "ريفولي" و "راديو" بالقاهرة وكلتاهما من الممتلكات الإنجليزية، ثم قبض على أحد أعضاء الشبكة وهو يحاول إحراق سينما "ريو" في الإسكندرية، وفشلت المؤامرة، ومن خلال أوراق القضية اتضح أن الهدف الرئيسي لعملية "سوزانا" هذه كان تخريب العلاقات المصرية-الأمريكية من ناحية، وإرهاب الخبراء الألمان الذين كانوا يعملون في مصر وقتئذ من ناحية أخرى، بالإضافة إلى وأد أية محاولة للتفاوض بين إسرائيل ومصر.


وفي الثامن والعشرين من سبتمبر١٩٥٤، حاولت إسرائيل تصعيد الموقف بينها وبين مصر، عندما دفعت بالسفينة التجارية "بات جاليم" إلى مدخل قناة السويس، وكان هذا التصرف يستهدف إثارة ضجة حول موقف مصر من حرية الملاحة في قناة السويس، حيث كانت إسرائيل تعرف أن مصر سترفض مرور السفينة، وهو ما حدث بالفعل، حيث أوقفت السلطات المصرية الباخرة التي كانت ترفع العلم الإسرائيلي بتحد سافر وصادرتها، ثم أطلقت سراح بحارتها. ورغم الحملة الدعائية التي نظمتها إسرائيل ضد مصر، إلا أن أهدافها من وراء هذه العملية لم تتحقق، بل زادت المقاطعة المصرية للسفن الإسرائيلية حدة وعنفاً، كما لاحظ موشي ديان. ولقد أثار فشل إسرائيل في الحصول على حق المرور في قناة السويس، موجه من السخط والاستياء وخيبة الأمل للدرجة التي دفعت "موشي ديان" إلى وصف عام ١٩٥٤ كله بأنه "سنة صعبة مليئة بالتحديات...".


رفض عبد الناصر قبول المساعدات العسكرية الأمريكية وفقاً لقانون الأمن الأمريكى المتبادل وفي هذا الوقت، أدار "عبد الناصر" معركة عنيفة ضد حلف بغداد وضد "نوري السعيد" رئيس وزراء العراق، وهي معركة استفزت إسرائيل وأقلقتها إلى حد بعيد ، كما رفض عبد الناصر صراحة قبول المساعدات العسكرية الأمريكية، وفقاً لقانون الأمن المتبادل الأمريكي ومع ذلك ظلت الولايات المتحدة الأمريكية حتى نهاية عام ١٩٥٤، تضغط على "عبد الناصر" ليحصل على الأسلحة الأمريكية مقابل توقيعه على اتفاقية تُلزم مصر بمتطلبات قانون "الأمن المتبادل الأمريكي" وظل عبد الناصر يرفض ذلك، بل ويُعرب عن مقته الشديد لهذا التشريع الذي يُلزمه - في حالة توقيعه - باستقبال مجموعة استثمارية أمريكية تقوم بالإشراف على نقل الأسلحة، فضلاً عن إلزامه بالارتباط باستراتيجية الدفاع العالمية الأمريكية وحتى يتخلص عبد الناصر من ملاحقة الولايات المتحدة الأمريكية له، لم يجد مفراً من أن يُعلن لمبعوثا وزارة الدفاع الأمريكية "جيرهارد و د. إيفلاند" خلال زيارتهما لمصر أوائل نوفمبر ١٩٥٤، رفض الدوران في فلك الولايات المتحدة الأمريكية، ورفضه للاصطفاف في حلف دفاعي ضد الاتحاد السوفيتي، لأنه لا يرى في الاتحاد السوفيتي عدواً ملحاً لمصر ولا للدول العربية، وأن عدوه الحقيقي هو إسرائيل. وفي منتصف نفس الشهر، نقل "عبد الناصر" أفكاره هذه، مرة ثانية "لنورمان بول" الذي جاء إلى القاهرة، ليتابع بعض المسائل المتعلقة بالمعونة الاقتصادية، وأعرب له عن قلقه البالغ إزاء اختلال التوازن العسكري بين قدرات مصر العسكرية، وقدرات إسرائيل، بل أبلغه صراحة أنه يرفض السلاح الأمريكي رغم حاجته إليه، وأنه لن يوقع على اتفاقية يُقال بعدها إنه باع مصر للأمريكيين، وإنه إذ لم تبع له الولايات المتحدة الأمريكية ما يحتاجه من أسلحة فإنه سيكون مضطراً لأن يطلب السلاح من السوفيت.


وربما تجدر الإشارة إلى أن السياسة الأمريكية، في ذلك الوقت كانت قد بدأت تتخلى عن الفكرة القديمة التي كانت تخطط لجعل مصر، الدولة المحورية في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، وبدأت تنفذ سلسلة من التحالفات، هدفها بناء الحزام الشمالي (تركيا – إيران- باكستان) ليس فقط بل بدأت تُوغل في عمق الشرق الأوسط بالسعي لضم (العراق وسوريا ولبنان والأردن) وفي نفس الوقت كانت الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لإبعاد المملكة العربية السعودية، عن الأحلاف والإبقاء عليها كمنطقة نفوذ أمريكية، والأهم إنها كانت تخطط لإلحاق إسرائيل أيضاً بالتنظيم الدفاعي للشرق الأوسط.