غراميات غادة السمان وغسان كنفانى هل من حق غادة نشر رسائل كتبها لها فى لحظات خاصة معه؟!

18/11/2015 - 10:39:32

بقلم - يوسف القعيد

أصدرت غادة السمان مؤخرًا عملًا جديدًا.. العمل الجديد ليس رواية ولا مذكرات.. لكنها طبعة جديدة من كتاب سبق أن أصدرته من قبل.. لكى أكون دقيقًا أقول إنها الطبعة السابعة من رسائل غسان كنفانى إليها.. الطبعة الأولى صدرت سنة ١٩٩٢.. وتوالت الطبعات حتى الطبعة السابعة..


ألحقت غادة السمان بالرسائل مقتطفات من الآراء النقدية التى كُتبت حول الكتاب منذ طبعته الأولى حتى طبعته السابعة.. وهذه المقالات كتبها ٢٢٠ كاتب وكاتبة.. مع مقدمة جديدة كتبتها للطبعة الجديدة من الكتاب القديم.. وفى الطبعة الجديدة تكتب غادة السمان تحت عنوان محاولة إهداء:


- إلى الذين لم يولدوا بعد..


هذه السطور التى أهدانى إياها ذات يوم وطنى مبدع.. لم يكن قلبه مضخة صدئة..


أهديها بدورى إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئة..


وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل..


ثم تبدأ الكتاب هكذا:


- «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفانى، أشعر دائمًا بالرغبة فى إطلاقه كرصاصة على ذاكرة النسيان العربية»..


هذا ما كتبته غادة السمان فى مقدمة الكتاب الذى يحتوى على اثنتى عشرة رسالة خاصة.. منها إحدى عشرة أرسلها لها غسان كنفانى.. الأولى رسالة غير مؤرخة.. والتاريخ الأول الذى يرد على رسالة بعد ذلك هو نوفمبر ٦٦.. وآخر رسالة تحمل تاريخ ٢٧ ديسمبر سنة ١٩٦٨.. والرسائل مرسلة من: القاهرة.. غزة.. بيروت، السودان.. ورسالة إلى شقيقته فايزة..


إنها بعض من رسائل غسان إليها.. حفظتها بالصدفة فى لندن.. أما باقى رسائل عامى ٦٨، ٦٩ فقد احترقت فى بيروت خلال الحرب اللبنانية مع مطلع عام ١٩٧٦..


ونشر هذه الرسائل يطرح العديد من الأسئلة: هل من حق غادة السمان نشر رسائل خاصة.. مكتوبة فى لحظات صدق إنسانى.. خصوصا أن غسان كنفانى كانت له أسرة.. رحل من رحل منها وبقى من بقى.. ومن المؤكد أن ابنه وابنته فى عز شبابهما الآن..


هذه قضية خلافية.. البعض يقف ضدها.. انطلاقًا من طبيعة المجتمع الشرقى.. والبعض الآخر يقول إنها جزء من وقائع الحياة الثقافية العربية فى المرحلة التى عاصرتها.. ونشرها يكمل مساحة الصدق ويضيف إليها أبعادًا إنسانية.


لكن الرسائل ليست ملك مرسلها.. ما إن تصل إلى المرسل إليه حتى تصبح ملكه.. وبالتالى فإن غادة السمان صاحبة هذه الرسائل.. ومن المفروض أن يكون مرسلها هو فتى أحلامها وفارس خيالها.. ومع هذا تقول عنه فى المقدمة:


- «لا أستطيع الادعاء - دون أن أكذب - أن غسان كان أحب رجالى إلى قلبى كامرأة.. كى لا أخون حقيقتى الداخلية مع آخرين سيأتى دور الاعتراف بهم – بعد الموت – وبالنار التى أوقدوها فى زمنى وحرفى.. لكنه بالتأكيد كان أحد الأنقياء بينهم»..


والفقرة تطرح سؤالًا: لماذا تنشر غادة رسائل غسان الآن؟ أما رسائل الآخرين لها فتقول أن نشرها سيكون بعد الموت.. دون تحديد موتها هى أم موتهم هم؟ وإن كانت لديها شجاعة نشر رسائل غسان إليها.. فأين رسائلها إليه؟


إنها تقول: «ريثما أحصل على رسائلى إليه فأنشرها ورسائله معًا.. .. أكتفى مؤقتًا بنشر رسائله المتوفرة بصفتها أعمالًا أدبية لا رسائل ذاتية..


من أسباب النشر أيضًا كما تقول غادة:


- «أعتقد أن أنسنة فكرة الشهيد لا تؤذى القضية.. بل على العكس من ذلك.. تساعد كل إنسان على اكتشاف العملاق الذى يقطنه.. مهما بدا لنفسه أو للذين حوله مريضًا وضعيفًا – بالمفاهيم التقليدية – وعاشقًا مهزوما كسره الحب حينًا وملأه الزهو والاعتداد أحيانًا «..


والآن إلى الرسائل:


يقول غسان لغادة فى رسائله غير مؤرخة:


- «أن المسافة التى ستسافرينها لن تحجبك عنى.. لقد بنينا أشياءًا كثيرة معًا.. .. لا يمكن بعد أن تغيبها المسافات.. ولا أن تهدمها القطيعة.. لأنها بنيت على أساس من الصدق»..


ويكتب لها:


- «أرجوك دعينى معك.. دعينى أراك.. إنك تعنين بالنسبة لى أكثر بكثير مما أعنى لك وأنا أعرف ذلك ولكن ما العمل؟


إننى لا أستطيع أن أكرهك.. ولذلك فأنا أطلب حبك.. أعطيك العالم إن أعطيتنى منه قبولك بى.. فأنا أيتها الشقية أعرف أننى أحبك.. وإننى إذا فقدتك فقدت أثمن ما لدى وإلى الأبد..


وفى رسالة أخرى:


- أنت تحولينى أحيانًا إلى مجرد تافه.. ومع هذا فأنا أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن.. والتقى بالله.. والصوفى بالغيب.. لا كما يؤمن الرجل بالمرأة..


ويكتب لها:


- أغفر لك لأنك أغلى عندى منى أنا وأكثر من أى شىء آخر.. وإننى بدونك لا أستحق نفسى.


وفى الرسائل كلها.. يلح غسان كنفانى على غادة السمان أن تكتب له.. ويقول لها إنها تكتب لكل الناس إلا له.. ويسألها:


- «إذا كنت تعتقدين أنك حرام على يدى.. فهل حروفك حرام على عينى؟!


ويصل إلى جوهر المسألة عندما يكتب لها:


- «إننى أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك.. وأستطيع أن آخذك بمقدار ما ترفضين ذلك.. وأنت ترفضين بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معًا ..


«اطرحى مرة أخرى وإلى الأبد حيرتك الأنثوية المغيظة بين رأسك وركبتيك.. فتكسبى مرة وإلى الأبد رأسك ورءوس الآخرين.. وعظمة أنوثتك وجمالك الأخاذ الصاعق المنعم بالكبرياء.. لقد قتلت فى الرجل لتعبدى وهمًا ليس أنا»..


زوجته السيدة أنا كنفانى لها مكان فى هذه الرسائل.. يقول عنها فى رسالة إلى شقيقته:


- كانت بعيدة عنى فى كل شىء.. واحتجت إلى خمس سنوات كبيرة أظل مشغولًا خلالها فى ردم الهوة المفتوحة بيننا.. وارتكبت مرة أخرى خطأ الاحتيال.. فحين عجزت عن ردم الهوة كما ينبغى ردمتها بطفلين.. إن الحب شئ.. وعلاقتى بها شىء آخر تمامًا.. وهى تعرف ذلك..


ويكتب فى رسالة إلى غادة:


- لم أكن أريد أن أطوح بالفضاء.. بطفلين وامرأة لم يسيئوا إلىّ قط مثلما طوح بى العالم القاسى قبل عشرين عامًا.. أما أنت فقد كان كل ما يهمك هو نفسك فقط.. كنت خائفة على مصيرك وكنت خائفًا على مصير غيرى.. وقد أدى هذا الارتطام إلى فجيعة.. لا هى علاقة ولا هى بتر.. أتعتقدين أننا كنا أكثر عذابًا لو استسلمنا للقطيعة أو استسلمنا للعلاقة؟ لا.


وفى رسالة مؤرخة فى الأول من أبريل سنة ١٩٦٧.. يربط غسان كنفانى بين غادة السمان وبين الوطن ويكتب:


- أنت فى جلدى وأحسك مثلما أحس فلسطين..


وفى رسالته إلى فايزة يتنبأ بموته المبكر يقول:


- أن الحياة معقدة أكثر مما ينبغى لأناس سيعيشون أربعين سنة على الأكثر.


على أن اليأس الذى زرعته هذه العلاقة فى أعماقه دفعه – وهو المناضل – إلى نظرة عدمية إلى الدنيا: يقول «إن الدنيا هراء يكسب فيها من ينزلق على سطحها»..


ويكتب:


- إن الشىء الوحيد الذى أردته فى حياتى لا أستطيع الحصول عليه.. لقد تبين لى أن حياتى جميعها كانت سلسلة من الرفض.. ولذلك استطعت أن أعيش..


ويكتب لأخته:


- دعينا نحاول اكتشاف الأمر ببساطة: لنقل أنها امرأة يلذ لها تعذيبى فلنسعد الآن.. الفراق لابد منه.. فنتلاق بانتظار أن يأتى..


ويعود إليها.. ويكتب:


- إننى أحبها وهذا شىء لا أستطيع أن أنكره ولا أن أنساه ولا حتى أن أغفره لنفسى.. وحين لمست أصابعى جسدها ذات ليلة راودنى شعور مخيف.. أخافنى حقًا بأننى لم ألمس امرأة من قبل..


ويكتب عن نفسه لأخته:


- وما الذى أريده.. ما الذى يريده هذا الطفل المدلل الضائع الغبى الذى تحول إلى كرة متشابكة من الأعصاب والجروح.


على أن السؤال الأهم هو: إن الرسائل مرسلة فى الفترة الزمنية التى وقعت فيها كارثة الخامس من يونيه ١٩٦٧.. وهى الحدث الأكبر والأخطر فى تاريخ وجدان الجيل الذى عاصره.. وحتى الجيل الذى جاء بعده.. ومع هذا لا نلمح فى رسائل ٦٧، ٦٨ أى كلام عن هذا الذى جرى، قد يقال إن الرسائل تتحدث عن أمور حميمة.. ولكن هزيمة يونيه كانت قد دخلت حبات القلب وتسللت إلى ما تحت الجلد.. ووصلت إلى قلب أحلامنا.. خاصة أن معظم الرسائل فيها كلام عن الوطن والأمور العامة..


الرسائل من منشورات دار الطليعة فى بيروت.. وهى دار نشر كان يمتلكها زوج غادة السمان الدكتور بشير الداعوق.. وضمن سلسلة جديدة تحمل عنوانًا مثيرًا هو: مراسلات الأدباء.. دون أن يكون هناك إعلان عن مراسلات أخرى فى الطريق إلى النشر..


وفى الكتاب عبارة تقول أن ريع الكتاب يعود إلى مؤسسة غسان كنفانى الثقافية.. وعلى غلافه صورة لغادة مع غسان كنفانى والفنان بهجت فى تلفريك جونيه.