ّ الطائر الغريد الشاعر المناضل الإنسان محمود توفيق

18/11/2015 - 10:36:54

رجائى عطية رجائى عطية

بقلم- رجائى عطية

على شاطئ النيل، بقرية « زاوية المصلوب» ببنى سويف، استقبل محمود توفيق الحياة فى ديسمبر ١٩٢٦، ويحتفل المجلس الأعلى للثقافة أول ديسمبر القادم، بمرور تسعٍ وثمانين سنة على مولده، أمضاها الطائر الغريد كالنسيم، لا يزاحم ولا يستعرض ولا يلفت إلى نفسه، ولكنه يملأ الدنيا عطاءً .. استقبل الحياة يتيم الأم التى رحلت إلى الرفيق الأعلى بعد مولده، فحاول أبوه الضابط الشاعر الذى اعتزل الخدمة ليعيش بقريته فى جوار النيل ـ حاول أن يعوضه عن فقد أمه، وعنه ورث موهبة الشعر، ولكنه ما كاد يبلغ الحادية عشرة، حتى رحل أبوه الذى مثل له الأب والأم، فعرف اليتم المزدوج من باكورة حياته، بيد أن هذا اليتم أورثه محبة ووفاء للإنسانية، وهى إنسانية فياضة تتجلى فى معاملاته لمن يعرفه أو تعامل معه، وتجلت فى ذكرياته « مع الأيام » و« أيام أخرى »، التى سكب فيها زبدة حياته بحلوها ومرها، وكانت مرارتها أكثر، ولكن المرارة لم تفلح فى تجفيف ينابيع وده ومحبته وإنسانيته، وتجلت هذه الإنسانية فى أشعاره وقصائده، وفى صورة نادرة للوفاء الخالص الفياض، ظل للآن يغمره ويحدو خطاه . بذله لكل من مَدَّ أو مدت يدًا إلى اليتيم الذى أحاطته الأحزان من البدايات، وبذله لنظاره ومدرسيه فى مراحل التعليم حتى ليكاد فى روايته عنهم يعيدهم إلى الحياة، وبذله لأصدقائه حتى من اختلف معه، وبذله ويبذله لمن يتماس معهم فى معترك الحياة .


عرفت محمود توفيق لنحو ربع قرن، زميلاً كبيرًا فى المحاماة، دمثًا وقورًا ودودًا قليل الكلام، ولم أتعرف على صفحات نضاله الوطنى العريض، وشعره وأدبه، إلاَّ على دفعات، أملتها قراءاتى له وعنه، فقد كان عزوفًا عن الحديث عن نفسه، إلى أن انفتح أمامى نهر دافق من ذكرياته التى مثلت وثيقة تاريخية أدبية إنسانية عبرت عنه وعن مائه عام من تاريخ مصر، ولا تملك حين تلم بها إلا أن تدهش كيف سجل الدمث المتواضع الذى تراه، هذا السجل الوطنى الحافل الملىء بالنضال والمعاناة منذ بداية طريقه فى الحياة .


لثلاثة أرباع قرن، ظل حيًّا فى وجدانه ومشاعره، رحيل أمه، وإن بدا أنه يتجنب الحديث عنه، بينما هناك فى الأعماق عاطفة نبيلة حيّة، تؤلمه وتشجيه، وكأنه يحمل لها عتابًا أنها لبت نداء ربها وتركته وليدًا فى أشد الحاجة إلى دفء حنانها، ثم انفجرت هذه العواطف فى بكائيته سنة ٢٠٠٠ « رسالة إلى أمى »، تقطر حزنًا وتفيض ألمًا وتنعى الراحلة بما يشبه الاعتذار عن التباس مشاعره من يوم رحيلها الباكر وهو لا يزال وليدًا زائرًا، لم يكن حتى رضيعًا، بل قطعة لحم بين أيدى الآخرين، حين حالت بينهما الحُمَّى التى غالت صباها . يقول فى بداية القصيدة الرسالة، معتذرًا عن تأخره فى إرسالها ثلاثة أرباع قرن :


لم أكُـن أعرفُ يا أُمى الشهيدةْ


سببَ الحُزن الذى يملأ قلبى


منذُ أنْ جئتُ إلى هذى الحياة !


غيرَ أنى الآنَ يا أمى عرفتْ


حينما أدركتُ ما مَعنى الحياة


بعد أن عشــتُ طويــلاً


وتعلَّمــتُ كثـــيـــرًا


أنه حُـزنُكِ أنــــــتِ


ذلكَ الحُـزنَ الـذى أورثتِنى


عِندمـــا غــادرتنــى !


من زاوية المصلوب والواسطى


إلى القـاهـرة


فرض رحيل الأم ثم زواج الشقيقات الإناث اللاتى كن يقمن على رعاية اليتيم، حتى لم تبق سوى صغراهن التى لا تكبره إلاَّ بعام، فرضت أن يبعث به أبوه لاستكمال دراسته الابتدائية من مدرسة الواسطى إلى مدرسة « صدق الوفاء الابتدائية» ببولاق بالقاهرة، حيث شقيقته الكبرى التى يجد لديها الحنان والأمن والراحة، ويُكْبر زوجَهَا الشيخ أحمد عمار، وابن خالته فى ذات الوقت، الأزهرى صاحب العالمية والقلب الكبير، الذى يمارس المحاماة الشرعية، والذى آخى بين الصبى محمود وبين سَمِيّه محمود أحمد عمار، ابنه من زوجته السابقة التى رحلت هى الأخرى مبكرًا، وتركته يتيم الأم كالصبى محمود توفيق، فجمعت بينهما المشاعر الدافئة، والزمالة بمدرسة « صدق الوفاء الابتدائية»، ولكن ما تكاد الأمور تستقر ويجد صاحبنا المرفأ لدى شقيقته الكبرى، حتى يختطف الموت


« محمود» ابن زوجها الشيخ أحمد، فتخيم الأحزان، ويفقد الصبى أخاه الجديد ورفيق مدرسته ودراسته، ويُكلم قلب أبيه، فتجد شقيقات الصبى أن استمراره فى بيت شقيقته الكبرى ما يذكر زوجها بموت ابنه الذى آخاه بمحمود وتزاملا فى المدرسة سنة بسنة، فينعقد الرأى على نقل الصبى إلى بيت شقيقته التالية بالقاهرة، ليجد فى كنفها وكنف زوجها الدكتور سعيد ما عساه يعوضه عن شتاء الأحزان .


ويبدو أن الموت يأبى إلاَّ أن يطارد صاحبنا فى أحبابه، فما يكاد قلب أبيه يفرح بتفوقه ثم بصيرورته الأول على الفصلين فى السنة الرابعة الابتدائية، حتى كان الصبى قد تلقى دعوة أدهشته لزيارة أبيه فى « زاوية المصلوب » ولم يجد لدى شقيقته الكبرى ولا زوجها الشيخ أحمد تفسيرًا سوى أن أباه مشوق إلى رؤيته، ولكن الصبى ألفى أباه مريضًا ملازمًا للفراش، ولم يدر وهو يودعه عائدًا إلى دراسته بالقاهرة أنها زيارة الوداع !


وسرعان ما جاء الوداع بغتة، ويتحاشى الصبى الحديث عن موته، ولكنه يورد بذكرياته أنه فوجئ وهو وسط المعزين لدفن رفيقه محمود عمار بمدافن « زاوية


المصلوب »، بيدٍ تمتد لتجذبه من الزحام، وإذا بها لإحدى بنات عماته، لتصحبه إلى بيت عمته حيث وجد أخته الصغرى قد انتقلت للإقامة هناك بعد وفاة والدها، فنفهم أن والده قد توفى، وأنه قد تقرر بقاءه مع أخته الصغرى فى بيت عمته حتى يتم تدبير أمره، فلم يعد مناسبًا أن يعود إلى منزل شقيقته الكبرى ليذكّر زوجها فى كل لحظة ـ بقرينه وزميل مدرسته وصباه الذى مات !


إلى القسم الداخلى


بمدرسة شبرا الثانوية


هكذا فى ضربة واحدة، فقد الصبى صديقه ورفيقه وفقد أباه، ولا تتركه مسيرة الحياة لأحزانه، فتفرض الظروف إلحاقه بالقسم الداخلى بمدرسة شبرا الثانوية، حيث مقرها بقصر الأمير عمر طوسون، ليبدأ الفتى رحلة أخرى تنطبع ذكرياتها مجدولة بوفائه وإنسانيته فى صفحة وجدانه، تتابع معه أسماء وصفات وأفضال الناظر والمدرسين، ولا ينسى فضل الأمير عمر طوسون الذى تبرع بقصره لإنشاء مدرسة شبرا الثانوية، ولا فضل الأميرة التى وهبت أرضها وكثيرًا من مالها وبعض الأمراء لإقامة الجامعة الأهلية (القاهرة الآن)، ولا يستنكف من الإقرار بفضل هؤلاء الأمراء، برغم أنه كتب مذكراته عام ٢٠١١ وهو ضلع قديم من أضلاع اليسار المصرى .. لا يعادل هذا الوفاء إلاَّ وفاؤه وعرفانه بفضل المربى الفاضل « الدكتور أحمد رياض » ناظر المدرسة، فيعدد مناقبه ويشيد بعطائه وتأثيره الهائل فى تلاميذه، ليفاجأ وزملاؤه التلاميذ بقرار غريب بنقل هذا العظيم إلى ديوان الوزارة، ومصادرة دوره التربوى التعليمى بالمدرسة، فيما يبدو معه أن الداء ـ فى سوء القرار ـ قديم !


وكما لم يمل محمود توفيق من رواية مآثر الناظر والمدرسين بمدرسة شبرا الثانوية، نراه لا يمل من ذكر مآثر ومناقب الناظر «الدكتور أحمد البدرى» صاحب الدكتوراه فى الفلسفة من السوربون، ولا أفضال المدرسين بمدرسة حلوان الثانوية التى نقل إليها وصاحبه بالقطار حتى أسكنه فيها ـ ولىّ أمره الشيخ أحمد عمار الذى لم يمنعه ألمه فى وفاة نجله، دون الوفاء بواجبه حيال صاحبنا الذى بادله حبًّا بحب، ووفاءً بوفاء، ولا يترك مناسبة إلاَّ ويذكره بالخير الذى كان أهلاً له .


الوعى السياسى


بدأ تفتح الوعى السياسى لصاحبنا، وهو لما يزل فى العاشرة، حين مات الملك فؤاد فى أبريل ١٩٣٦، ليسمع وهو فى طريقه إلى المدرسة الابتدائية ببلدة « الواسطى » النداء المعتاد: « مات الملك ـ يحيا الملك »، ويشاهد مظاهر الحداد وتنكيس العلم، مشفوعة بالأفراح والمسرات والاحتفالات، ولا يسمع من أبيه تعليقًا على ما يجرى سوى عبارة مركزة وموحية « الدوام لله» .


ومع هتافات « يحيا النحاس باشا»، بدأ ذهن الصبى يلتفت إلى السياسة وهو لما يزل فى الثالثة الابتدائية، ويكبر معه الوفاء فلا ينسى جهود وفضل مدرسة « محمد


القماح»، ولا ناظر مدرسة « صدق الوفاء» الأستاذ « سعد علام» الذى كان حريصًا على توجيههم حين خرجوا فى إضراب عام لاستقبال النحاس باشا زعيم الأمة فى محطة مصر .


وتتجمع فى ذهن الفتى تضاعيف الحركة الوطنية، وأحداث وويلات الحرب العالمية الثانية التى شبت فى سبتمبر ١٩٣٩، وانفلاتات هتلر وألمانيا النازية وما جرَّت إليه العالم، وسقوط باريس وانشطار فرنسا إلى شطرين، ومعارك الشمال الأفريقى وتوغل جيوش المحور فى صحرائنا الغربية ووصولها إلى العلمين، وتداعيات حادث ٤ فبراير ١٩٤٢، والانفعال لكرامة الملك ضد عدوان الإنجليز، مع موهبة شعرية ظلت تنمو وتكبر، تغذيها قراءات لم توقفها الالتزامات المدرسية، وطفق صاحبنا ينهل من أشعار أبيه، عاشقًا فى الوقت ذاته لأشعار «الملاح التائه» على محمود طه، صاحب الجندول.


إلى الجامعة


فى آخر عام ١٩٤٤ دخل الفتى محمود توفيق بهذا الزاد إلى كلية الحقوق، كلية الوزراء والوطنية، بجامعة فؤاد الأول ـ القاهرة فيما بعد، ليبدأ دراسة تتفق مع ميوله الوطنية، وما طفق ينظمه من وقت لآخر من أشعار تلبى نداء الوطن، ويتلقى العلم بالكلية عن أعلام القانون فى ذلك الزمان، يذكرهم بالعرفان والتقدير، كما ذكر مدرسيه بالمرحلتين الابتدائية والثانوية، ولكنه يفيض فى ذكر موقف معه للعميد الدكتور محمد مصطفى القللى، يفيض أبوة ورجولة وشهامة فى رعاية الأستاذ لتلاميذه .


كان محمود ممن شاركوا فى المظاهرة الحاشدة التى فتح عليهم فيها كوبرى عباس، حتى اضطروا للقفز من شاهق إلى لجة النيل، واستشهد العشرات غرقى فى مياهه، وعاش محمود ليصوغ انفعالاته فى قصيدة تقول بدايتها : وكبارى القاهرة / والمياه الثائرة/ فتحت أحضانها / للدماء الطاهرة .


وفى ليلة هذه المذبحة، تشكلت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وفى مقدمة أهدافها الجلاء والاستقلال التام، والحرية والدستور والعدالة، وافتتحت أعمالها بجنازة صامتة يوم ١٢/٢/١٩٤٦ تحركت معها أشجان الأمة .


خاض الفتى غمار الحركة الوطنية، وأخفى عن الأسرة ما يفعله وما يتعرض له من أخطار، ونظم قصيدة بعنوان «غدًا ...»، يقول فى مستهلها : « نضح الجرح وعاف العبد سوط السيد»، ودفع بالقصيدة موقعًا عليها منه إلى أحمد رشدى صالح رئيس تحرير مجلة « الفجر الجديد »، وفوجئ فور نشرها باستدعائه إلى مكتب العميد الدكتور محمد مصطفى القللى، ولم يخفِ عنه العميد إعجابه بالقصيدة نظمًا وموضوعًا، ولكنه لم يخف عنه أيضًا الخطر الشديد الذى يتهدده من البوليس السياسى فى ظل وزارة صدقى باشا، وأبت أبوته إلاَّ أن يحمى تلميذه، فقام بالتحقيق معه بنفسه، والتزم هو بالسؤال وبالإجابة أيضًا، ليختم على لسانه بأنه يقصد المحتل لأراضى الوطن، والفتى ملئ بالسرور والإعجاب والرضا، بما احتوى به العميد هذا الموقف وعواقبه الوخيمة المنتظرة .


وإذ بصاحبنا مع توالى وتدفق الأحداث، ينخرط فى عالم جديد، قوامه النضال والكفاح من أجل الوطن، فيشارك فى إضرابات الطلبة والعمال، ويؤيد إضراب كونستبلات البوليس، ويستغرقه الشأن العام، وتهيئه دراسته للقانون لخوض الغمار من أجل الوطن، مع إنسانية عميقة شدته إلى الحركة اليسارية وموقفها من قضايا الحرية والديمقراطية، فانخرط فيها فى قصة طويلة رواها بتضاعيفها فى ذكرياته « مع الأيام » و« أيام أخرى»، فدفع الطالب الجامعى الكثير من أمانه وحريته وخط دراسته، فتعددت مطارداته وملاحقاته، وتعددت قضاياه واعتقالاته وسجنه، وفى فترات حريته القصيرة، لم يتوقف عن دعم رفاقه الذين طالهم السجن أو الاعتقال، وظلت شميلة الوفاء نسيجه وبوصلته. حتى مع من اختلف معهم أو اختلفوا معه.


اضطره السجن والاعتقال، والوفاء بالواجب لدعم من سُجن أو اعتقل، لبيع ما ورثه عن أبيه ثم غاض المعين، فاضطر للعمل إلى جانب الدراسة، ولم يحصل إلاَّ بعد جهد جهيد على وظيفة كتابية بالدرجة الثامنة بمنطقة القاهرة التعليمية بالعباسية الشرقية، وانتقل منها لأخرى ليستطيع مواصلة الدراسة والكفاح الذى لم يتوقف عنه، وفى تلك الأثناء حلت نكبة فلسطين، وتوثقت علاقته بقريبه الصاغ ـ آنذاك ـ « يوسف صديق »، صاحب الدور المميز بين الضباط الأحرار ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، كان يوسف زوجًا لإحدى شقيقات محمود توفيق، وتزوج محمود فيما بعد من ابنته ودرة حياته، ولكن جمعهما أيضًا ـ فضلاً عن القرابة والمصاهرة ـ اتفاق الميول الوطنية، وظل صاحبنا وفيًّا لهذه الآصرة ومكانة وحق صاحبها، وخاض من أجلها معركة قانونية انتصر فيها فى النهاية، بفرض وضع تمثال ليوسف صديق فى المتحف العسكرى بالقلعة، ضمن الضباط الأحرار الذين فجروا ثورة يوليو ١٩٥٢، وحالت دون ذلك خلافاته معهم هو وخالد محيى الدين بشأن الديمقراطية ووجوب العودة إلى الثكنات، بيد أن محمود توفيق واصل النضال حتى عاد الحق إلى نصابه .


ويبدو لى أن « إنصاف الموتى من الأحياء » ـ كان قاسمًا مشتركًا فى نضال صاحبنا من أجل الحق، فطفق يجمع أشعار أبيه من مظانها، ويهيئها للنشر، ويجاهد من أجل ذلك، إلى أن قرَّت عينه بنشر ديوانيه ضمن الأعمال الكاملة للشاعر محمد توفيق على (١٨٨٢/١٩٣٧)، فطبعتهما الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٩٦، وليستمر صاحبنا فى نضاله من بعدها إلى أن استقر تمثال الراحل يوسف صديق فى مكانه، إقرارًا ببطولته ودوره الرائد فى الثورة المصرية .


لماذا لم تجف الينابيع؟!


كانت رحلة النضال التى قطعها محمود توفيق، والمعاناة التى عاشها بين السجون والمعتقلات، أو الهرب تحت الأرض من الملاحقة، والصدمات التى تلقاها، كفيلة لولا إنسانيته الفياضة ـ بأن تجف لديه الينابيع، ولكن ينابيع هذا الإنسان الرائع لم تجف، وظل يتعامل مع الكل ومع الحياة بهذه الإنسانية المحبة، فى غير تظاهر ولا إدعاء .


ويبدو لك من وفاء الصديق محمود توفيق، أنه يناهض ويهزم تشاؤم ومرارة أبى حيان التوحيدى فى رسالته عن الصداقة والصديق، فيثبت أنه من إخوان الصفا وخلان الوفا، ما إن سمع بحادث وفاة الأستاذ زكى مراد المحامى، حتى نسى خلافاتهما، وانسابت دموعه مدرارة سخينة، وانتفض ينعيه ويواسى زوجته وأسرته، وكأنه يصادق بوفائه لأصدقائه من قال: « إخوان الصدق خير مكسب الدنيا، هم زينة فى الرخاء وعدَّة فى البلاء» .


نظم قصيدة « ابن الشعب » سنة ١٩٩٥ فى الذكرى العشرين لوفاة « يوسف


صديق » بطل ثورة يوليو . يقول فى مستهلها :


الفَتَى الأسمرُ فى التراب ثَوَى : وعلى درب البطولات هوى


قد روى مصر بغالى دمِه : وهو من منهلها العذْب ارتوى


ورثى صديقه الشاعر الفنان : عبد الرحمن الخميسى، بـ«رحيل البلبل» :


هذا هو النيل فانهلْ من موارده : وكفكفْ الدمع وارحم قلبك العانى


وهذه مصرُ قد أرخت غدائرها : واستقبلتك بأشواق وأشـجـان


وودع صديقه الفنان سعد مكاوى بقصيدة « شهيد الغرام» يقول فى مطلعها :


أيا صاحبى مَرَّ عامٌ فعامْ : وجرح الأسى سـاهر لا ينــام


وفى وداع صديق عمره، الشاعر الكاتب عبد الرحمن الشرقاوى، نظم قطعة منه بعنوان « الشمس الغاربة »، يبدؤها قائلاً :


رحيلك .. أم شمس عن الأفق تغرب : وفقدك .. أم شطر من القلب يذهب!


وفى « عهد الوداد » يرثى صديقه الشاعر الكاتب الإسلامى محمد على ماهر، فيقول:


لمن يسفر الصبح البهى ويشرق : وهذا الضياء الباهر المتألق !


ويبدو أن إنسانيته غلبته حتى فى رثاء مصائر الدول، فإذا به فى بكائية عن انهيار الاتحاد السوفييتى، دولة المثل الأعلى لليسار، ينظم قصيدة « دمْعٌ على طللْ » . يقول فى مطلعها :


ما الذى أخرس فيك الكلمات : أيها الشاعر يا رب القلم ؟


أتُرى فاضت بحار الظلمـات : أم تُرى غاضتْ ينابيع النغم ؟


أم تُرى أحسست أن الكون مات : عندما هبت أعاصير العدم !


* * *


لا لم يئن وقت الرحيل !


فى عام (١٩٩٨) كتب محمود توفيق فى قصيدته « حان وقت الرحيل» :


حان وقتُ الرحيل .. فلتحملى يــا ريحُ وَجدى ولتنثرى أشـــواقى


ولتطوفى على مواطـن أحبابـــى ومغْـدى صحابتــى ورفاقــى


ووداعًا يا مشرق الشمس فى الوادى وعُرس الغروب فى الآفــــاق


وفى مايو ٢٠٠٠، تنشر له جريدة الأهالى وداعاً من نوع آخر :


«كانت الدنيا جميلة»، فيقول :


حينمـا كنــا شبابـا واعـــدًا


نطلب العلـم .. ونزهو بالرجولة..


ونرى فى مصرَ صَـرحًا شَامخــًا للمعالى .. والمروءات الأصيلة ..


وسجــلاً لتـراثٍ خالـــــدٍ


وجمالاً لا تـرى العينُ مثيلـه ..


كان طـعم العيش فى أفواهنـــا سلسـبيلا .. كانت الدنيا جميلة ..


ترى ما الذى أذهب الجمال عن الدنيا التى كانت فى عيون شاعرنا جميلة؟! يقول فى الختام :


ثم غاصت مصـر فى أحزانهـــا وتهاوت تحت أحمال ثقيلــة حين غاض الحب من أيامنــــا


واستحال الحُلم أشباحا هزيلة ..


إلى القادر الذى وهبَنا الألطاف الجليلة .. وحبانـا بعطايـاه الجزيلـة ..


عطاء لم ينقطع


رغم مرّ السنين


مضى قطار العمر، وزحفت الشيخوخة، ولكن قلب صاحبنا فتى، شاب لا يشيخ، يخرج علينا عام ٢٠١٥ بكتابه الضافى «أنا والشعر»، يورد فيه حكايته مع الشعر، وأسرار القريض . ثم هو الأخ الأكبر لرفاق دربه ومن تلوه فى الطريق، لا يبخل على أحد بنصحه ومدده . عرفناه إلى جوار نضاله الوطنى، وشعره وأدبه، وعطائه فى المحاماة ـ عضوًا بارزًا فى منظمة التضامن الأفريقى الآسيوى، وسكرتيرًا عامًا للجنة المصرية للتضامن، وعشنا نقتات على دواوين أشعاره : « أعياد » و« أنشودة للوادى المقدس» و«ما بعد الحب» و«قصائد الحب والحزن» و«دمع على طلل» . كانت رحلة نضاله، وعطاؤه فى الشعر والأدب، شهادة للمعهد الذى تخرج فيه وللمحاماة على السواء . من كلية الحقوق، ومن بين صفوف المحاماة، خرج الأدباء والشعراء، كما خرج الرؤساء والوزراء، كما خرج زعماء الحركة الوطنية والنضال الشعبى . وزاد محمود توفيق على هذا كله صورةً نادرة للإنسانية والمحبة والوفاء . أمدَّ الله فى عمره، نهرًا دافقًا لا يتوقف عن العطاء .