النخبة وتعدد المكاييل!

18/11/2015 - 10:21:46

جمال أسعد جمال أسعد

بقلم - جمال أسعد

النخبة لفظ يتم تداوله بيننا، ودائماً بين مادح أو مذم، بين رافض وآخر قابل لهذه النخبة. وذلك لأن النخبة فى السياق العام تعنى الصفوة فى كل المجالات. فالنخبة لا تقتصر على المسمى السياسى فحسب ولكن هناك نخبة فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. وهى تلك الصفوة التى تتواجد فى كل هذه المجالات والتى تكون بارزة الدور الطليعى فى مجالها، ضاربة المثل معطية القدوة صانعة التوازن بين مصلحتها الخاصة وبين الإنجاز والإضافة والمساهمة فى الإطار العام، كما أن هذه النخبة لا تقتصر على من يملكون الأموال أو على من يطلقون عليهم وعلى أنفسهم رجال أعمال أو على من ينعتون بأنهم مثقفون أو السياسيون أو كبار الفنانين والرياضيين، ولكن يمكن أن نعتبر الشخص المتعلم نصف تعليم أو حتى بدون شهادات، ولكنه يمتلك ثقافة عامة ولديه القدرة والحكمة على إبداء الرأى للآخر واشتراكه فى حل المشاكل بين الناس فى حيه أو قريته، فهذا يمكن أن نطلق عليه النخبة.


فكل من يضيف إلى الوطن وإلى الجماهير وإلى العمل العام فى أى من مجالات الحياة، هؤلاء هم النخبة التى تأخذ يد الوطن للأمام والتى لا ينساها الوطن والتى تقدرها الأجيال ويسجلها التاريخ أمثال طلعت حرب فى الاقتصاد وسعد زغلول وخالد محيى الدين وإبراهيم شكرى فى الإطار السياسى والمجال الحزبى. فأين النخبة منا ومن هؤلاء الآن؟ وأين أدوارها وعطاؤها فى المجال العام وأين إسهاماتها التى تصب لصالح الوطن؟ وأين نماذج القدوة فى السياسة والاقتصاد والثقافة بكل وضوح، فنحن الآن لا نرى ولم نعثر على تلك النخبة، حتى ولو عن طريق البحث والتنقيب فى كوم قش. فالنخبة السياسية والحزبية الآن فقدت أهم مقوماتها وهى الالتحام بالجماهير ومعايشة الشارع السياسى لإمكانية التعرف عليه وعلى مشاكله حتى يمكن التعبير عنه وعن مشاكله وآماله التى يجب أن تحقق عن طريق طرح البرامج الحزبية التى تعبر عن قطاعات الشعب وطبقاته التى تطرح فى إطار معركة انتخابية تفرز أغلبية يحصل عليها أحد الأحزاب حتى يشكل الحكومة التى تعمل على تطبيق برنامجها .


ولكن ما نراه الآن أحزاباً ورقية كرتونية .. لا تبارح الشكل الديكورى ولا علاقة لها لا بالشارع ولا بالجماهير، وللأسف لا علاقة لها ببرامجها النظرية الشعاراتية. هى أحزاب لا تملك أى قاعدة كوادرحزبية تعرف العمل التنظيمى وتجيد العمل التثقيفى وتمارس العمل الجماهيرى هى أحزاب عائلية وشللية لا تملك مقرا ويافطة وكبيرة وجريدة تلمع رئيس الحزب وقياداته. هى أحزاب تحولت بأموال رجال الأعمال إلى مشاريع اقتصادية تدار بعقلية اقتصادية نفعية. فهل أحزاب بهذه الصورة وبهذا الشكل يمكن أن تفرز نخبة سياسية وحزبية يكون لها دور عام يضيف للسياسة وللأحزاب؟ ولذا فقد كان من الطبيعى أن تختطف هبة ٢٥ يناير وتذهب نتائجها للإخوان وتبقى خسائرها ومراراتها ونتائجها السلبية للمواطن الغلبان . وبالطبع فاختطاف يناير كان نتيجة لغياب هذه النخبة السياسية وعدم امتلاكها برنامجها وآلياتها ومناهجها الثورية والتى كان يجب أن تحول هذه الهبة إلى ثورة حقيقية تغير كل المجالات تغييراً جذرياً للأحسن.


أما ما يسمى بالنخبة الاقتصادية فحدث ولا حرج ولا نريد أن نقارن من قريب أو من بعيد بأمثال طلعت حرب، ذلك المصرى الاقتصادى الذى بنى صروحاً وأهرامات لازالت مصدر فخار لكل مصرى حتى الآن وفى كثير من المجالات، أما هؤلاء الآن لا يعرفون ولا يدركون ولا يسعون لغير مصالحهم. نعم وهذا حق مشروع لهم ولكن لا نقول مع هذه المصلحة يجب أن تكون هناك رؤية تضع المصلحة العامة فى الاعتبار ولكن نقول لا يجب أن تكون مصلحتهم الخاصة هذه على حساب الوطن والجماهير. نعم فهؤلاء يريدون نهب مقدرات الوطن وسلب المواطن الذى تحوطه المشاكل من كل ناحية. هؤلاء ينهبون أراضى الدولة بلا مقابل ويحصلون على الطاقة بأسعار تقل عما يحصل عليه الفقير ويطلبون تسهيلات وخدمات على مدار الساعة تحت بند مساعدة الاستثمار والمستثمرين، يريدون الحصول على السلطة مع الثروة ونحن نرى ذلك الآن فى انتخابات البرلمان جهاراً نهارا فمن يملك يحكم والانتخابات والمقاعد حصل عليها القادر مادياً وليس القادر سياسياً الأكفأ برلمانياً، فماذا قدمت هذه النخبة الاقتصادية للوطن وللمواطن؟ وما دورها فى مشكلة ارتفاع الأسعار والتى هى أحد أسبابها؟ وماذا قدم المليارديرات للوطن ولصندوق تحيا مصر؟ وأين فقراء الوطن من أجنداتهم التى تهتم بمهاجرى الدول وفقراء أندونيسيا؟


أما النخبة المهنية خاصة الأطباء لما للمرضى من حمل ثقيل على الفقراء قبل الأغنياء . فنجد الآن كبار النخبة من الأطباء وفى كل التخصصات قد تحولوا من ملائكة الرحمة لمهنة الإنسانية إلى جباة للأموال التى يستحلونها من الفقراء والمعدمين تحت بند ارتفاع قيمة الكشف الطبى والاتفاق مع معامل التحاليل والإشعاعات وشركات الأدوية ذات الأسعار العالمية وكله على حساب المريض غير القادر . إضافة إلى المبالغ الخرافية للعمليات الجراحية والإقامة فى المستشفيات التى أصبح يجبر على الدخول إليها متوسطو الحال والذين يدفعون كل ما يملكون منتجه لغياب الخدمة الطبية فى المستشفيات العامة، ومع كل ذلك فالأطباء هم الفئة الأولى التى لا تدفع ضرائب فى قطاع المهنيين من محامين ومهندسين وفنانين. (وتقولي نخبة).


أما النخبة الدينية من رجال دين والثقافية والاجتماعية من الذين كنا نطلق عليهم مصلحين اجتماعيين. فهؤلاء جعلونا نقول على الدنيا السلام. والدليل ما نراه من انحدار للقيم وسقوط للأخلاق وغياب للمبادئ وذلك لضياع القدوة الحسنة. فهؤلاء هم من لا تتطابق أقوالهم مع أفعالهم. هم من يتمسكون بالشكليات ويتناسون الموضوع. أما فى إطار عدم مصداقية هذه النخب جميعها هو القياس بمعايير متباينة والوزن بمكاييل متناقضة . والمثل هنا قضية صلاح دياب صاحب المصرى اليوم ورجل الأعمال الشهير الكبير بدايتة فنحن ولا أحد مع القهر وغياب الحرية . جميعنا مع حق المواطن فى ممارسة الحرية فى القول والرأى كما حدد ذلك الدستور . نحن مع حماية حق المواطن حتى ولو كان متهما حتى تثبت إدانته. نحن مع مساواة كل المواطنين الفقير قبل الغنى والضعيف قبل القوى وغير القادر قبل القادر فى حدود القانون الذى يحكم الجميع بلا استثناء فقامت القيامة بعد القبض عليه ووضع الحديد فى يديه وحضور قوة كبيرة فى الصباح الباكر للقبض عليه . لماذا ؟ لأنه صلاح صاحب المصرى اليوم فلذا لابد من أن يقيم الأرض ولا يقعدها كتاب الجريدة عند صلاح. أوهمونا أن القبض عليه سيسقط النظام وينهى الاستثمار ويكبل الاقتصاد ويلغى الحريات وأننا عدنا إلى نظام العادلى. فهل ما تم مع صلاح كان غير مكرر مع غيره؟ فماذا عن المواطن الغلبان الذى لا يملك نخبة وكتاباً يدافعون عنه بفلوسه؟ وهل رجل الأعمال الذى يخالف القانون ويستولى على أراضى الدولة ويغتنى بغير حق لا يتم تطبيق القانون عليه؟ ولماذا لم تثوروا على ممارسات الأمن مع المواطن العادى؟ هم تحدثوا عن الشكل وتناسوا الاتهامات المعلنة منذ ٢٠١١ . فهل القضية قد أصبحت خارج القانون ومن يملك المال والرجال يتصرف كيفما يريد؟ وهل تهديد الدولة قد أصبح مباحا بهذه الصورة؟ وما هى نتائج ذلك على المواطن المقهور والذى لا يجد من يدافع عنه؟ نحن لا نتدخل فى القضاء . ولكن لو لم يكن هو صلاح ولو لم تكن هذه الحملة التهديدية للنظام كمن يتم الإفراج بكفالة بعد السجن ١٥ يوماً ؟


كفى انحيازاً. وكفى تناقضاً فالمبدأ لا يجزأ فنحن نريد القانون على الجميع والعدل للجميع يانخبتنا المحترمة صاحبة المبادئ.