كيف ننقذ مصر؟ ٢-٤ وزير أجنبى للتعليم

18/11/2015 - 10:18:26

بقلم - عادل سعد

لا أعتقد أن هناك ملفا يرزح المصريون تحت عبئه ويشعرون بالذل، مثل ملف المدارس والجامعات والتعليم.


يسدد المصريون سنويا ٤٠ مليارا من الجنيهات للدروس الخصوصية، ويتذوقون المرار على أيدى مصاصي الدماء هؤلاء من الحضانة للجامعة ليتخرج فى النهاية شاب عاطل يبحث عن فرصة عمل.


شياطين الدروس الخصوصية، توغلوا داخل الوزارة، ومنعوا الدرس القائم على التحليل والبحث، واعتمدوا مناهج تعتمد على الحفظ والتلقين، وربحوا الملايين من أولياء أمور طفحوا الذل وصاروا من أكابر أصحاب العقارات والأطيان.


عند عودتى لبلدى البعيد أسيوط، عرفت أن ابنة إحدى العائلات المعروفة هربت مع مدرس، عمرها ٢٣ عاما زهرة جميلة، وتزوجت من مدرس عمره ٥٥ عاما، قضى معها شهر العسل بجزر الكاناريا وأهداها سيارة أحدث طراز.


دعونا نعترف بصراحة بأن بعض المدرسين يؤكدون يوما بعد يوم أنه لم يعد المدرس المصرى يستحق الاحترام، ولا حرف من بيت الشعر الشهير: « قف للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا» لأحمد شوقى، فالمعلم فى بلادنا بعد اختراع دواليب الدروس الخصوصية، لا يختلف عن بائع المخدرات فى الخسة للحصول على المال، وإفساد كل المعانى الجميلة فى عقول التلاميذ.


أتذكر أساتذتى الأجلاء فى المرحلة الابتدائية، معظمهم تخرج ودرس فى عهد الملك فاروق وأبيه فؤاد، وكان يحلو لهم جميعا الخروج عن النص، بالحديث عن الوطن وقيمة الإنسان، الآن مدرس الدروس الخصوصية لا يعنيه فى الدنيا سوى جنيهات حرام تدخل فى جيبه ومبيعات تتزايد لكراسات يبتدعها ويتفنن فيها لإغراء التلاميذ.


قبل الثورة كان يتنازع على عرش التعليم المصرى مدرستان الأولى فرنسية ويمثلها الدكتور طه حسين والثانية إنجليزية ويقودها إسماعيل قباني،لكنها ثورة يوليو، قامت، وأحالت الجميع للمعاش، وتعيّن الصاغ كمال الدين حسين وزيرا للتعليم، وكان الناصريون يتفاخرون بأنه يبنى كل يوم مدرسة، ونسى هؤلاء أن الأهم من الجدران والأسمنت، مناهج التعليم التى انهارت تدريجيا، حتى لم تقم لها قائمة الآن ولم يعد هناك تعليم.


وتوارد على وزارة التعليم – بعد أن أصبحت لا تهتم بالتربية – عشرات من المحاسيب، أحالوا الوزارة والمناهج والمدارس لمعمل للفئران، يجربون كل يوم فيها وفى الثانوية العامة ومكتب التنسيق والحصص والمناهج كالبهلوانات، حتى أصبح الاتفاق على الكتاب المدرسى معجزة، وفى النهاية لا يقرأه أحد.


وكل هذا يحدث بلا تخطيط.


ويكفى أن نعرف أن هناك الآن ٤ آلاف معهد أزهرى، نصفها الآن خاوية، ٢٠٠٠ معهد هجرها الطلاب لمدارس التعليم العام، أنفق عليها مليارات، والآن تفتح أبوابها وتغلقها كل يوم، وشيوخها المدرسون ونظّارها أوفياء ويتقاضون الراتب الميرى والجراية أول كل شهر.


وهناك الآن كتب تطبعها الوزارة سنويا بمليارات، ولا يقرؤها أحد، ومدارس تنفق الدولة على أبنيتها وأدراجها مليارات ولايدخلها أحد، ومدرسون لا يدخلون الفصل ولا يشرحون ويتقاضون أول كل شهر ما يقرب من ثلاثة مليارات جنيه لا يستحقها منهم أحد.


وفى بلادنا سوق للكتب الخارجية، ومذكرات للطلبة تباع بالمليارات، تطيح بكل جهود الوزارة فى التربية والتعليم، وتحقق أرباحا بالملايين، والمليارات، فى جيوب من لا يسددون الضرائب ويتاجرون بعقول التلاميذ.


السؤال الأهم من يوقف هؤلاء؟


وهل الدولة عاجزة عن استصدار قانون يجرم الدروس الخصوصية، كأن يصدر قانون بأن يعاقب بالسجن عشر سنوات مع الشغل كل من يمارس الدروس الخصوصية؟ ويفصل من عمله كمدرس؟


طوابير من شباب المدرسين، عاطلين تنتظر الفرصة، ويمكننا إحلالهم مكان هؤلاء الديناصورات، الذين انتفخت بطونهم من الفلوس الحرام.


وفى الجامعات كارثة أخرى لا تقل هولا.


جامعات خاصة تنتمى لدول أجنبية، تستنزف مواردنا، وتسحب الأموال من جيوبنا وترسلها للخارج.


تلك الجامعات الكارثة، لم تكتف فقط باعتبار كل من يدخلها من الناجحين ويحصل على شهادة مختومة بأنه طبيب أو مهندس، وهو ما حدا ببعض النقابات بعدم الاعتراف بتلك الشهادات، بل تمادى دورها ليهدم أساس السلام الاجتماعى فى هذا البلد بعد أن أصبح ابن الفقير محروما من الالتحاق بالجامعة أو على الأقل يلتحق بكلية حكومية وفقا لمجموعه، بينما ابن الغنى يختار أى كلية ويدخلها بفلوسه ويضمن النجاح خلال الأربع سنوات.


الغريب أن بعض المؤسسات القومية والحكومية تضافرت مع تلك الجامعات، التى تنزح أموالنا للخارج لتنال من الحب جانبا، وأصبحت تدافع عن التعليم الجامعى الخاص، الذى نما سرطانيا وترعرع، برغم أن حسنى مبارك لم يدفع طوال حياته مليما فى التعليم، فإذا به هو وأولاده يتنكرون لكل أنواع التعليم الحكومى ويبتكرون هذا النظام الأعرج.


أخيرا عندى حل لكل ما يحدث.


لكن هل تجرؤ الدولة على ذلك؟


أنا شخصيا أقترح أن نستورد وزيرا أجنبيا للتعليم من اليابان أو فرنسا أو الصين


وهذا ليس عيبا، تماما كما نفعل مع منتخبنا القومى لكرة القدم، وكما فعل محمد على باشا قديما عندما استعان بكلوت بك لتطوير نظام الطب فى مصر وسليمان باشا الفرنساوى لتأسيس الجيش المصرى العظيم.


وزير من خارج الساحة، بلا حسابات، يدرس كل هذه العشوائيات، ويضع لها قانونا صارما للتنفيذ، يقضى على الدروس الخصوصية ويعيد للمدارس مكانتها ودورها التربوى الغائب، ويوفر سنويا ٤٠ مليارا من الجنيهات من الدروس الخصوصية وحدها، لتضخ فى السوق المصرى وتحدث رواجا وانتعاشا فى كل مكان.


مصر لا تمتلك غير أبنائها، وأفكارهم، وبدلا من أن تتحول الثروة البشرية إلى نقمة، علينا أن نحولها لنعمة باستعادة السيطرة على سوق التعليم، بتطبيق نظام دراسى محكم، يطبقه خبير أجنبى.


وما أقول ليس بدعة، ولا ينتقص من أقدرانا، وأرجو من الذين يتنطعون بعظمة المناهج المصرية، والمدارس المصرية، أن يعترفوا بأننا أصبحنا خارج الزمن، وتلك أول خطوة فى وقوفنا على الطريق الصحيح.