«عيشة سودا»

18/11/2015 - 10:09:41

  طه فرغلى طه فرغلى

بقلم - طه فرغلى

يستيقظ من نومه خاملا يفرك عينيه من آثار سهرة أمس أمام الفضائيات.. ذهنه مجهد، يحاول أن يجمع شتات نفسه، ويتهيأ لبدء يوم جديد فى الساقية التى لا تتوقف عن الدوران، ينهض متمايلا يمينا ويسارا يحاول أن يفيق من جرعة المخدر الفضائى، التى شاهدها قبل أن يذهب إلى سريره يتذكر هذا المذيع الذى يرفع صوته ناعقا شاتما.


وهذا الضيف صاحب وصلات الردح المتتالية، وهذا الذى يرتدى ثوب المناضل دائما أبدا، وعندما يحين الجد يبيع أبوه، يحاول أن يتذكر نهاية حلقة المسلسل التافه الذى يتابعه، يريد أن يخلص إلى نتيجة محددة من المحتوى، الذى شاهده، لكنه فى النهاية «قبض الريح» لا يتذكر شيئا إطلاقا، يقسم فى صمت وهو يتخلص من فضلات ليلة أمس أنه سيقاطع هذه الفضائيات، ولكنه يعلم فى قرارة نفسه أنه غير صادق، وأن يده لن تترك الريموت كنترول عندما يحين موعد عودته إلى منزله مساء.


يرتدى ملابسه على عجل ويدرك أنه تأخر عن موعده، ينسى إفطاره، ويجرى مسرعا، يتخبط فى شارع مكسر تغطيه القمامة والأتربة، يقف منتظرا توصيلة، الزحام يخنقه من كل جانب، ينظر بعيدا يرى « توك توك « يجرى نحوه مسرعا وورائه عشرات، يحمد ربه أن لحق مكانا، ينزل من التوك توك ليجاهد مرة أخرى باحثا عن ميكروباص متهالك يقله إلى مكان عمله، وبعد خناق وشد وجذب وزق، وشتايم وبهدلة يجد نفسه محشورا، وسط رفقاء الرحلة.


كالعادة يصل إلى عمله متأخرا مجهدا متعبا، يسب ويلعن، وروحه فى أنفه، ينتظر أول من يدخل عليه حتى يفرغ شحنة الغضب، يجلس فى عمل مجبرا عليه «أكل عيش والسلام»، الدقائق تمر ببطء، يحسبها ثانية وراء ثانية حتى يحين موعد الإنصراف، يركب الهواء وينطلق من أجل سبوبته الأخرى، وهو يتنقل بين العملين لا ينسى أن يلعن العيشة واللى عايشينها.


بنصف مجهود وربع ذهن يحاول أن ينهى العمل الثانى، مجبر عليه لا بطل ولا سوبر مان خارق ينتقل من عمل إلى عمل، يدعو الله أن يستره ويرزقه جنيهات معدودة تقيم أوده وأسرته.


فى عمله الثانى لا يستطيع أن يقول «بم» رتب حياته على مرتبه الثانى، يرفع شعار الرضا وهو ساخط، لكن ما باليد حيلة.


ينهى عمله بعد أن يكون قد انتهى، وطلعت روحه، يحاول أن يتذكر طلبات البيت والمدام مش ناقص عكننه، يشترى ما تيسر، ويجاهد فى رحلة العودة، يصل البيت ممنيا نفسه بالراحة ولكن من أين تأتيه، حتما عليه أن يستمع لنشرة أخبار البيت ومشاكل العيال وطلبات المدرسة.


يتناول وجبته الوحيدة اليومية فى البيت، ينسى قسمه الصباحى بعدم مشاهدة الفضائيات، يمسك الريموت يبدأ جولة التقليب، وجلسة المخدر المسائى، تثقل رأسه، وتحمر عيناه، ويشاهد الصور أمامه مهزوزة، لا يستطيع أن يميز الكلام، يخلد إلى النوم، والكوابيس تطارده حتى الصباح.


هذا الكائن حير العلماء كيف يستطيع الاستمرار فى الحياة ويحافظ على نوعه من الانقراض، يشعر بالرضا، ويفاجئك بنكتة وضحكة، وبعد أن يقول عيشة سودا، يتمتم «الحمد لله»؟!