خراب داعش لا يجرؤ علي الاقتراب من مصر المستحيلة

12/08/2014 - 9:58:31

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : يوسف القعيد

هذه المرة لم يطاوعني قلمي في الكتابة. لم أجده سيالاً يوشك أن يتحرك من تلقاء نفسه لسبب مهم وربما كان خطيراً. سألت نفسي عند الحرف الأول من الجملة الأولي من السطر الأول من هذا المقال: عندما تقف المهنية في مواجهة ثوابت الوطن لأي من الأمرين ينحاز الكاتب ويتحرك القلم في يده ويكتب؟.


الكتابة مسألة آنية. قد يكتب الإنسان ولا يكتب. وقد لا تضيف الكتابة أي شيء لما سبق أن كتبه. لكن الوطن من ثوابت العمر الكبري. ومصالحه العليا تعلو علي الأفراد مهما كان شأنهم. ومهما قدموا للوطن من خدمات وتضحيات كبري. وبالتالي فإن كل ما يتناقض مع مصالح مصر يجب ألا نقترب منه.


لا يحسب الأمر بحسابات الربح والخسارة. فالوطن لا يقارن إلا بالوطن. ومصر لا يمكن أن تقارن إلا بمصر. وبالتالي من يتحدث عن سبق صحفي يؤدي إلي هدم ولو طوبة ضئيلة من أصغر مدماك يكون كيان مصر. هذا الحديث لا يخرج عن كونه نوعاً من الجنون.


قرأت صحف الأيام الأخيرة. وهالني التضخيم غير العادي من أخبار داعش. وبالتحديد داعش الموجودة علي أرض مصر. وقد رأيت في إحدي الصحف ثاني أيام عيد الفطر المبارك صورة لعدد من الرجال يؤدون الصلاة. قيل أسفل الصورة انها سيناء. وانهم أدوا الصلاة في سيناء من أجل نشر الصورة فقط.


لست في حاجة للقول أنه لا توجد أي ملامح في الصورة توحي أنها سيناء أو أي مكان آخر. سديم صحراوي لا ملامح له ولا عنوان فيه. لكنه الادعاء. وعندما نتذكر أن داعش كانت تسمي نفسها في البداية: تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. ثم بعد ما حققته أضافت في بعض البيانات وبلاد الكنانة. وهي تقصد طبعاً مصر.


ليست لدي معلومات. وكل ما تدعيه داعش لا يقابل بتكذيبات محددة من جهات مصرية. ولكني سألت باعتباري مهموماً بمستقبل هذه البلاد ومصيرها. سألت أهل الاختصاص الذين يدرسون هذه الحركات المتطرفة. فقيل لي عدد من المعلومات المهمة أوردها. مع أنني لست أهل اختصاص في الأمر.


قيل لي والعهدة علي الرواه أن هذه الحركة أسستها المخابرات الأمريكية المركزية لكي تلعب الدور الأساسي في تقسيم الدول العربية المعروفة. التي يري العدو الإسرائيلي فيها دولاً قومية قائمة علي فكرة العداء معها. كما أن بعض هذه الدول - وبالتحديد مصر - فإن وجودها واستمرارها يحول دون المشروع الصهيوني القائم علي ابتلاع المنطقة وتحويلها إلي مستهلك ومستورد لكل ما ينتجه العدو الصهيوني.


بعيداً عما يقوله الخبراء والرواه. فإن ما شهدته من أسلحة بيدي داعش. سواء في العراق أو سوريا يؤكد أن من يقف وراءهم دولة متقدمة جداً في صنع السلاح. فهي أسلحة لا تحملها سوي الجيوش النظامية. وجيوش الدول المتقدمة فقط. ولا يمكن لأي حركة مهما كان الهدف منها ابتداء من الجهاد وانتهاء عن السرقة والترويع والتدمير. لا يمكن أن تضع يدها علي مثل هذه الأسلحة المتقدمة. أسلحة الجيوش.


ستقول لي وما هي مصلحة أمريكا في هذا السياق؟ وأرد عليك علي الفور أن أمريكا كانت تتصور أن ما قيل عنه الإسلام السياسي ربما كان التيار الوحيد الذي لم يجربوه ولم يتعاملوا معه. ثم إن هذا التيار لو آلت إليه الأمور في مصر. فمن المؤكد أنه سيسود في الوطن العربي كله. وهم بذلك يشكلون أكبر خدمة يقدمونها للعدو الإسرائيلي. لأن هذا التيار سيأخذ الوطن العربي ويعود إلي العصور الوسطي بكل قيمها وتخلفها وهمجيتها وبربريتها. والمستفيد في المدي المنظور هو العدو الصهيوني.


أما المستفيد علي المدي البعيد فهو الشيطان الأمريكي الذي يتصور أن الإسلام السياسي أسلس قياداً من القيادات الوطنية. وهم يعلمون جيداً في واشنطن أن كلمة الوطن لا وجود لها في قواميس تيارات الإسلام السياسي. وأن إيمانهم الأول والأخير بوهم يطلقون عليه الخلافة الإسلامية. التي تخترق الحدود والبلدان. وتنشئ كياناً علي أطلال الإمبراطورية العثمانية التي تسببت في تخلف العرب قروناً طويلة.


أيضاً هذا الإسلام السياسي كان يشكل اصطفافاً سنياً يتواطأ مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما لو اضطرت لعمل عسكري كبير ضد إيران. ولأن التقديرات العسكرية الأمريكية خشيت من الدخول في هذا الموضوع. ثم إن التغيير الذي جري في إيران كان حاسماً علي طريق التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك أصبح الهلال السني الذي شكل حلماً أمريكياً لسنوات طويلة. أصبح هذا الهلال وجوده مثل عدمه تماماً. باعتبار أن الحرب مع إيران قد أصبحت مؤجلة لسنوات.


أقرأ وأُذهل من كل هذا الترديد لأخبار داعش. منذ يومين قرأت أنهم يبحثون عن نساء لتجنيدهن في داعش حتي يشاركن في الأعمال التي لا تجيدها إلا المرأة. ولا يستطيع الرجل القيام بها في معسكرات داعش. وأن الهدف من النساء في هذه المعسكرات المترامية في الصحاري البعيدة أن يشكلن ترفيهاً يطلق عليه إعلامنا: جهاد النكاح. وأن ينجبن أجيالاً جديدة من مقاتلي داعش.


لم يكن ينقص الخبر المنشور في الصفحات الأولي من صحفنا إلا أن يدون أرقام التليفونات ويكتب الإيميلات التي تسهل لمن تريد اللحاق بالمقاتلين في الأماكن التي يتواجدون فيها. ثمة فارق بين خبر يكتب من أجل الترويج. وإشاعة الحلم عند اليائسين. وخبر من يكتبه يدرك خطورة ما يكتبه ويحذر منه قبل الكتابة.


هل تابعتم ما قامت به داعش في الموصل العراقية؟ لقد خيروا المسيحيين في الموصل بين أربعة احتمالات: إشهار إسلامهم، أو دفع الجزية، أو مغادرة البلاد، أو القتل علي الهوية. بمجرد التأكد من أن هذا الإنسان مسيحي ولم ينفذ أياً من الاحتمالات الثلاثة السابقة. وقد تم ترحيل عدد كبير من مسيحي الموصل تحت سمعنا وأبصارنا.


بل إن أوربا بكل خيبتها بعد أن أصبحت حديقة خلفية للولايات المتحدة الأمريكية. خرجت دولها المتقدمة والتي تملك عتاداً عسكرياً غير عادي لتعلن أنها يمكن أن تستقبل الذين سيرحلون من الموصل في بلادها. وتسهل لهم الوصول إليها وتمنحهم الجنسية.


وما قدم للمرحلين مطلوب. وهو أقرب للعلاج الوقتي. لكن الأهم كان مواجهة داعش في عقر دارها. لقد أعلنت أمريكا أنها ستقدم للحكم في بغداد كل الدعم الممكن حتي يواجه داعش. ولم تفكر أمريكا في لوم نفسها. ولا مراجعة خطواتها. عندما تنظر للمشهد في سوريا وفي اليمن وفي ليبيا وفي العراق.


إن كل هذه الدماء التي تسيل في كل لحظة تمر بنا لا تسأل عنها سوي الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الذي يتبعها خطوة خطوة. ويجري وراءها دون حتي تفكير. ليس في هذا الكلام أي دفاع عن الأنظمة الاستبدادية التي كانت موجودة. لكنه كلام محدد عن أن البيت الأبيض أخذ من الوطن العربي الممكن الذي كان بيديه وأسلمه لمستحيل من المستحيل عليه التعامل معه.


لا أعتقد أن داعش يمكن أن يكون لها أي وجود في مصر. مع أن الخطر كامن. الخطر يقف وراء حدود مصر الشرقية. وحدودها الغربية. وحدودها الجنوبية. وفي تصوري أنه لا بد من تأسيس كتائب من الشباب أو قوات من متوسطي العمر لترابط علي حدودنا وتساعد سلاح الحدود في هذه المهمة الخطيرة الملقاه علي عاتقه الآن لتأمين حدودنا.


ولا يجب أن ننسي أن تونس شريكتنا في الربيع العربي. بل الدولة التي سبقتنا إليه. وإن كان هذا الربيع لم يكتسب وجوده القومي العربي إلا عندما انطلق من القاهرة. أقول إن تونس اتخذت قراراً بإغلاق الحدود مع ليبيا. وأنا لا أذكر هذا لأنني أريد أن ألمح للقيادة المصرية أن تفعل نفس الشئ. ولكني أقول فقط أن الأمر عندما يتصل بالمصلحة العليا للبلاد وبأمنها القومي. لا مجال للنقاش.


آخر أخبار إعلامنا مع داعش ما كتبته صحفنا عن أن داعش هددت بيوت الدعارة والخمارات بتدميرها. وأنها ستصور عملية التدمير بالصوت والصورة لتعلنها علي الدنيا كلها. وكأن الهدف هو ترويع الآمنين. كما أن قوانين مصر منذ أربعينيات القرن الماضي تعتبر الدعارة فعلاً مجرماً ومن يضبط يقوم به يخضع لطائلة القانون.


فكيف نروج لهذا الكلام؟ خاصة أن داعش أصبحت تعتبر أن كل ما تقوم به في الوطن العربي لا قيمة له. ما لم تحقق إنجازاً ما علي أرض مصر؟ وما زلت أذكر أنهم عندما بدأوا تهجير المسيحيين من الموصل قالوا إن هذه التجربة قابلة للتكرار في صعيد مصر. وأنهم بعد أن ينتهوا من الموصل يفكرون جدياً في الانتقال إلي الصعيد في مصر لتنفيذ ما قاموا به في الموصل.


ماذا أنجزت داعش وغيرها من التيارات المماثلة لها؟ لقد أساءوا إلي الإسلام إساءات لم تحدث منذ الرسالة السماوية وحتي الآن. وأعتقد أن حملات الحروب الصليبية في العصور الوسطي لم تسئ إلي الإسلام مثلما أسأنا له نحن. آسف لاستخدام كلمة نحن عندما أساء له البعض منا. وما تقوم به داعش يشكل الحلقة الأخيرة والتي أرجو ان تكون أخيرة هو المسلسل الذي بدا سنة 1928 بتأسيس جماعة الاخوان الارهابية في مصر.