مؤامرة الطائرة الروسية!

11/11/2015 - 1:10:15

عبد القادر شهيب

هى مؤامرة بالفعل مكتملة الأركان وكبيرة وضخمة.. ولا تتمثل المؤامرة هنا فى إسقاط الطائرة بشكل متعمد، فهذا أمر موضع التحقيق، الذى يجرى الآن وتشارك فيه معنا دول أخرى، ولايصح استباق التحقيق، كما فعل البريطانيون والأمريكان، بالحديث عن احتمال تفجير الطائرة بقنبلة وضعت فى مخزن العفش قبل إقلاعها من مطار شرم الشيخ.. ولكن المؤامرة تكمن فى استغلال حادث سقوط الطائرة الروسية فى تحقيق مجموعة من الأهداف، كلها تمثل خطورة علينا وتحديدًا على أمننا القومى.


والهدف الواضح لنا الآن للاستغلال السياسى لحادث سقوط الطائرة الروسية يتمثل فى الإضرار بنا اقتصاديا من خلال منعنا من استعادة حركة السياحة الأجنبية، والتى تمثل لنا موردًا أساسيًا للنقد الأجنبى، مما يؤدى فى النهاية إلى زيادة واستمرار النقص فى مواردنا من النقد الأجنبى، وبالتالى يستمر الانخفاض فى قيمة الجنيه، والزيادة فى معدل التضخم، مع عثر مشروعاتنا القومية الأساسية، التى تحتاج لتمويل من النقد الأجنبى، بالإضافة إلى عدم توفر النقد الأجنبى الذى يمول وارداتنا الأساسية من الخارج.. باختصار هى محاولة لخنقنا اقتصاديا لإرغامنا على القبول بعدد من الإملاءات السياسية والقبول بتغيير مواقفنا وتحديدا تجاه الإخوان بالتوقف عن محاسبتهم عن جرائم العنف، التى ارتكبوها وإعادة إدماجهم فى العملية السياسية مجددًا، مما يتيح لهم الفرصة للعودة إلى الحكم مرة أخرى، وأيضا تجاه علاقاتنا مع روسيا بالتراجع سواء من قبلنا أو من قبل الروس عن تنمية وتقوية هذه العلاقات ودق أسفين فيها أو تخريبها، حتى نظل أسرى علاقاتنا بالغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص.


هذا عن الهدف المباشر والواضح لنا حتى الآن لعملية الاستثمار السياسى لحادث سقوط الطائرة الروسية من قبل الغرب والمتمثل فى مسارعة رئيس الوزراء البريطانى بالإعلان عن حصوله على معلومات تفيد تفجير الطائرة بقنبلة وضعت بمطار شرم الشيخ فى مخزن الحقائب بالطائرة.. أما الهدف غير المباشر والبعيد فإنه يتمثل فى محاولة افتقاد مصر سيطرتها على سيناء من خلال الإلحاح على ضرورة زيادة أعداد القوات الدولية الموجودة فيها ونشرها فى مواقع أخرى داخل سيناء غير المواقع الحدودية الموجود فيها بعض هذه القوات بحكم المعاهدة المصرية الإسرائيلية، بل وتواجد هذه القوات بعد زيادة عددها حتى تصل إلى ضفاف قناة السويس، وهو الحلم القديم للأمريكان وحلف الناتو، الذى سبق له أن طلب ذلك من مصر فى التسعينيات ورفضت طلبه.. ويعزز استنتاج هذا الهدف البعيد لعملية الاستثمار السياسى لحادث سقوط الطائرة الروسية ما روجته صحف أوربية وأمريكية من أخبار ومعلومات عن طلب غربى جديد سيطرح على مصر لزيادة أعداد القوات الدولية الموجودة فى سيناء.


وهكذا.. المؤامرة على مصر كبيرة وضخمة وهذا ماكشفت عنه تداعيات حادث سقوط الطائرة الروسية.. ولعل بعض الغافلين أو المستهترين يتنبهون لخطورة هذه المؤامرة.. وإذا كان هناك شىء إيجابى يمكن استخلاصه من كل السلبيات، التى تكمن فى حادث سقوط الطائرة الروسية فإنه هو تنبيهنا مجددا لخطورة المؤامرة التى أعدت لمصر.. وتنبيهنا إلى أن هذه المؤامرة مازالت مستمرة ولم تتوقف بعد ٣٠ يونيه والإطاحة بحكم الإخوان.. صحيح أن أساليب وآليات المؤامرة تغيرت مراعاة للتطورات والتغيرات، التى شهدتها مصر، لكن الأحداث لم تتغير ومازالت قائمة وتتمثل فى تحجيم مصر اقتصاديا، وبالتالى استراتيجيًا ومنع تحولها إلى قوة مؤثرة وبارزة وقيادية فى محيطها الإقليمى مع سلخ سيناء منها، وإضعاف قواتها المسلحة، مع فرض حكم عليها موال للغرب وطيع للأمريكان وقابل للرضوخ للإملاءات السياسية الخارجية وقائع بأن تكون مصر دولة ضعيفة مهيضة الجناح تمد يدها دوما طلبًا للمساعدة من الخارج، وتعتمد على المعونات الأجنبية ولاتقدر على الاعتماد على الذات.


لكن.. الذى أستطيع أن أؤكده أن القيادة السياسية واعية تماما لحجم وخطورة هذه المؤامرة ومدركة لأهدافها المباشرة وغير المباشرة، الواضحة والمستترة.. وقد بدأت بالفعل العمل على إحباط هذه المؤامرة وإفساد أهدافها وحماية البلاد من أخطارها.


فعلى المستود الاقتصادى ومع الجهود التى تبذل الآن وسوف تستمر مستقبلا لإنقاذ السياحة الأجنبية لمصر فإن ثمة تفكيرًا جديدًا الآن يذهب إلى عدم المراهنة حاليًا على السياحة الأجنبية كمصدر سريع وعاجل لموارد النقد الأجنبى فى ظل الاستهداف الغربى والأمريكى الواضح للسياحة الأجنبية لمصر، وهو ما يقتضى البحث فورا عن مصادر أخرى بديلة للنقد الأجنبى تعوضنا نقصا متوقعًا فى موارد السياحة من النقد الأجنبى لن نستطيع تجاوزه بشكل فورى.. ولعل الاهتمام بزيادة الصادرات وبتحويلات المصريين العاملين فى الخارج سيكون ضروريًا فى هذا الاتجاه جنبًا إلى جنب مع القرار الجديد، الذى اتخذه طارق عامر محافظ البنك المركزى الجديد بزيادة معدل الفائدة على شهادات الاستثمار لدى البنوك العامة لتصل إلى ٥،١٢٪، وهو معدل فائدة يتجاوز معدل الفائدة على الشهادات الخاصة بمشروع قناة السويس، وسوف يساعد ذلك على وقف ظاهرة الدولرة وتجميع موارد للنقد الأجنبى فى الجهاز المصرفى كانت محبوسة خارجه.. ويقترن بذلك إجراءات سوف يتم اتخاذها لترشيد استخدامنا من النقد الأجنبى وتحديدا ماننفقه منه فى استيراد من الخارج يمكن تخفيفه أو الاستغناء عنه، مع وضع جدول أولويات لاستخداماتنا من النقد الأجنبى وإنفاقنا له سواء لتمويل الواردات أو لتمويل الاستثمارات.


وبالنسبة لعلاقاتنا مع روسيا فإن هناك حرصًا مصريًا شديدًا عليها وعلى تقويتها وتنميتها، ويقابل هذا الحرص المصرى حرص روسيا أيضا.. وفى هذا الإطار تفهمت مصر قرار الرئيس الروسى بوتين بوقف قدوم الطائرات الروسية المحملة بالسياح الروس إلى مدينة شرم الشيخ مؤقنًا لحين التأكد من إحكام عملية تأمين هذه الطائرات، خاصة أن عدد ضحايا حادث الطائرة الروسية، لم يكن قليلا، والرأى العام الروسى أفزعته كارثة سقوط الطائرة.. وقد كان أمرا له مغزاه أن يعلن فى موسكو عزم روسيا تزويد مصر بصواريخ دفاع جوى جديدة ومتقدمة.. وفى هذا الإطار ليس مقبولا ولامستساغًا اندفاع بعض الصحفيين والإعلاميين فى عتاب خشن للرئيس الروسى لقراره إجلاء السياح الروس من شرم الشيخ، وعدم التقدير لكونه رئيسًا لديه رأى عام داخل بلاده، هو ملتزم بمراعاة مشاعره، وهذا أمر تتفهمه القيادة السياسية المصرية.


أما بالنسبة لما ترمى إليه دوائر غربية لزيادة القوات الدولية فى سيناء فإننى أستطيع التأكيد أن ذلك لن يحدث.. القيادة السياسية متنبهة لذلك، ولا تقبل ومعها كل القوات المسلحة أن تنسلخ سيناء العزيزة من السيطرة المصرية عليها، وأن يسيطر عليها لا الإرهاب ولا أية قوات أجنبية.. وهذا سوف يترجم فى أمرين متلازمين.. الأول هو استمرار عملية حق الشهيد لاقتلاع كل جذور الإرهاب وتصفية كل الجماعات والمجموعات الإرهابية والتكفيرية فيها وإعادة الأمن كاملا وشاملا فى كل ربوع سيناء وفرض سيطرة قواتنا المسلحة عليها.. والثانى المضى قدمًا وبخطى أكثر ثقة وأسرع فى عملية تنمية سيناء، خاصة أن الحضارات الخاصة، بحفر الأنفاق تحت قناة السويس سوف تبدأ العمل قريبا بعد وصولها من الخارج.


وهكذا رب ضاربة نافعة لقد كشف لنا حادث سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء أن هذا التآمر الغربى ضدنا كبير وضخم ونبهنا إلى أن هذا التآمر مستمر ولم يتوقف وأعادنا إلى حالة اليقظة، التى كانت مع الأسف قد غلب عليها بعض الغيوم بسبب إعلام نسى سريعا أننا نخوض حالة حرب لا نواجه فيها فقط إرهابًا أكثر عنفا وأكثر شراسة وأكثر وحشية وإنما نواجه مؤامرات خارجية تستهدف تقويض كيان دولتنا الوطنية والنيل من أمننا القومى وتركيعنا اقتصادينا وإضعاف جيشنا وفرض التبعية الخارجية علينا من خلال فرض حكم فاش مستبد علينا.. وتخريب علاقاتنا الاستراتيجية مع دول كبرى صديقة فى مقدمتها روسيا ودول عربية شقيقة على رأسها السعودية.


مصر لن تسلم ولن تركع ولن تخضع فى ظل قيادة وطنية فاهمة وواعية ومدركة لما يهددنا اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا، ومعها رأى عام يشاركها هذا الفهم والوعى والإدراك.. هذه وحدها هى تميمة النصر فى الحرب التى نخوضها وهزيمة من يتآمرون علينا.