زيارة الرئيس إلى عاصمة الضباب والحادث البشع

11/11/2015 - 1:07:42

بقلم - السفير د.عزمى خليفة

عاد الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى القاهرة، بعد أن زار المملكة المتحدة لمدة ثلاثة أيام وهى أول زيارة لرئيس مصرى، بعد أن زارها الرئيس الأسبق حسنى مبارك عام ٢٠٠٦ مرورا، ونجحت الزيارة فى توطيد العلاقات بين الدولتين فى مجالات الاستثمار فى مصر، وفى مجال مكافحة الإرهاب، وفى مجال التعاون الاقتصادى والتعليمى، فقد أكد رئيس الوزراء البريطانى دافيد كاميرون أن مصر شريك حيوى للمملكة المتحدة


وقال كاميرون أيضا أن هناك العديد من الموضوعات المشتركة التى تجمع بين البلدين، وأعرب عن استعداد بلاده لتقديم جميع أشكال الدعم لمساندة مسيرة التحول السياسى، التى ينشدها الشعب المصرى والعمل على تحقيق التقدم والرخاء فى مصر كركيزة أساسية للأمن والاستقرار داخل محيطها الإقليمى، مثمنا ما حققته مصر من تقدم على الصعيد الاقتصادي، فيما أوضح الرئيس السيسى أن مصر ماضية بخطى ثابتة على مسار التحول الديمقراطى وعازمة على بناء دولة القانون التى تصون الحقوق والحريات».


وقد ركز اللقاء على سبل التعامل مع ظاهرة الإرهاب والارتباط الوثيق بين أفكار التطرف والكراهية وبين الإرهاب وكان اجتماع الرئيس السيسى برئيس الوزراء البريطانى دافيد كاميرون من أهم الاجتماعات العشرة، التى تضمنتها الزيارة لأنه، «تناول الإرهاب فى الشرق الأوسط ومجمل تطورات الأوضاع فى المنطقة، وخاصة فى سوريا وليبيا وتداعيات أزمةاللاجئين، وقد اتفق الجانبان على أهمية الحل الأمنى كما اتفقا على عدم كفايته لدحر الإرهاب، وأهمية وجود توجه عام اقتصادى واجتماعى وسياسى لحكم الظاهرة، وهو ما سبق وأكده الرئيس السيسى فى خطابه الهام، الذى سبق وألقاه أمام مؤتمر حوار المنامة المنعقد بالبحرين قبل الزيارة بعدة أيام.


ومن ثم فقد كانت الزيارة استمرارا لما بدأه الرئيس مع الدول الأوربية المحورية التى سبق وزارها فكانت الزيارة مقدمة لتغيير مواقف هذه الدول من التحولات فى مصر، ومن ثورة ٣٠ يونيه وفى مقدمة هذه الدول إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا، التى امتد إليها التعاون العسكرى بشراء حاملتى الطائرات الفرنسية «ميسترال».


ولكن كما كانت الزيارة امتدادا لنجاحات سابقة للرئيس السيسى ولسياسة مصر الخارجية، فالزيارة فى يومها الأخير أثارت موضوعا خلافيا، فقد أعلنت بريطانيا أنه توافرت لديها معلومات استخباراتية أن الطائرة الروسية، التى سقطت فى سيناء بعد إقلاعها بعشرين دقيقة سقطت بفعل عمل إرهابى تصديق لمقولة لتنظيم الدولة الإسلامية فى سوريا والعراق، الذى سبق وتبنى فكرة إسقاطها بصاروخ مضاد للطائرات، وهو ما استبعده معظم المراقبين فى حينه لأن الطائرة كانت على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، وأعقب ذلك ألقى الرئيس الأمريكى باراك أوباما بدلوه فى الأمر، مؤكدا أنه استنادا إلى معلومات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فإن الطائرة انفجرت إثر عمل إرهابى.


وقد أثارت هذه التصريحات حالة من الاضطراب فى بعض الدول فور أن أعلنت بريطانيا وأمريكا تعليق الرحلات الجوية مع مصر وسحب رعاياهم منها فى مشهد كان لابد أن يثير المزيد من التساؤلات فقد أدى القرار إلى اتخاذ مواقف مشابهة لعشرة دول أخرى، وانضمت إليهم روسيا «لحين الانتهاء من التحقيقات، وأكد الرئيس بوتين أن القرار لا يعنى بحال من الأحوال أن الطائرة سقطت بعمل إرهابى.


أثارت هذه التصريحات غضب الشعب المصرى، الذى طالب الرئيس السيسى بقطع الزيارة والعودة للقاهرة، مؤكدا أن الزيارة لم تكن تحمل من جانب بريطانيا إلا سوء نية للرئيس السيسى، وأن مثل هذه التصريحات ليست سوى استكمال للحرب الاقتصادية، التى تتعرض لها مصر منذ أخذت قيمة الجنيه المصرى فى التدهور أمام الدولار، وانتشر هذا التفسير لتلك التصريحات، كما تسرى النار فى الهشيم، ووصل الأمر إلى تبادل أبناء الشعب المصرى لرسائل تليفونية تدعو الشعب المصرى للصلاة من أجل مصر، ولم يقتصر الأمر على وسائل التواصل الاجتماعى، وإنما امتد لقادة الرأى العام من بعض معدى البرامج الأخبارية والبرامج الحوارية بالتليفزيون المصرى.


هنا لابد من وقفة لما حدث، فالحادث الذى تعرضت له الطائرة الروسية بكل تأكيد حادث مؤلم ودام على المستوى الإنسانى ويتطلب لبشاعته عدم استبعاد أى احتمال لسقوط الطائرة، ولكنه فى نفس الوقت حادث فنى تعرضت له عدة طائرات أخرى من قبل، فقد سبق وانطلقت خمس طائرات فى سماء الولايات المتحدة وتم تفجيرها عمدا بهدف إحداث أكبر خسائر ممكنة وهو الحادث المعروف بحادث ١١ سبتمبر، والذى أدى إلى سقوط هيبة القوة الأعظم فى العالم بسقوط برجى مركز التجارة العالمى ومهاجمة مقر وزارة الدفاع الأمريكية فى وقت واحد، ومثل حادث طائرة لوكيربى وغيرها، ورغم الإجراءات الأمنية المشددة، التى اتبعتها جميع المطارات فى العالم إلا أن فكرة تعليق الرحلات الجوية لم تكن من بين هذه الإجراءات، كذلك فقد فاجأ رئيس الوزراء البريطانى الرئيس السيسى بهذه المعلومات الاستخباراتية بصورة علنية، ما جعل صحيفة التايمز اللندنية تؤكد أن» كاميرون ارتكب خطأ بعدم مشاركة الجانب المصرى المعلومات، التى وصلته من الاستخبارات البريطانية بترجيح تعرض الطائرة لعمل إرهابى وزرع قنبلة على متنها، مؤكدة أن الرئيس المصرى تقبل الأمر بأعصاب هادئة».


المهم أنه إذا كان الحادث فنيا وتكرر من قبل بصور مختلفة بعضها بعضها عمدى وبعضها الآخر ليس عمديًا، فإن أى تكهنات قبل انتهاء التحقيقات عن أسباب سقوط الطائرة لا معنى لها، خاصة أن السلطات البريطانية على علم تام بالإجراءات الأمنية فى المطارات المصرية، كما أوضح الرئيس السيسى، ويزيد الموقف تعقيدا وجود تباين فى أسباب السقوط للطائرة مع ما سبق وأعلنه تنظيم الدولة الإسلامية فى سوريا والعراق، فبالرغم من ادعائه فى البداية أن الطائرة قد أسقطت بصاروخ مضاد للطائرات رغم تأكيد الخبراء استحالة ذلك، إلا أن رئيس الوزراء البريطانى أشار إلى زرع قنبلة على متن الطائرة، وهو ما علمته المخابرات من التقاط اتصالات بالأقمار الصناعية بين أعضاء داعش تؤكد صحة هذه المعلومات وزاد الأمر تعقيدا أن محطة ان.بي.سى نقلا عن مسئولين أمريكيين أشارت إلى أن اتصالات بين زعماء تنظيم الدولة الإسلامية فى الرقة فى سوريا وأشخاص فى شبه جزيرة سيناء تضمنت المباهاة بإسقاط طائرة ركاب روسية فوق المنطقة وطريقة إسقاطها، وأضافت المحطة أن المخابرات الأمريكية التقطت رسالة من جماعة فى سيناء مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية حذرت من «شيء كبير فى المنطقة» قبل تحطم الطائرة، والغريب أن يحدث ذلك فى الوقت الذى تخطئ فيه الطائرات الأمريكية عدة مرات مواقع داعش فتلقى إليهم بالأسلحة والذخيرة أثناء حربها ضد التنظيم.


أن الإدراك المصرى بوجود مؤامرة ضد مصر له ما يبرره، ولكنه أيضا هو الآخر استبق الأحداث واستبق نتائج التحقيقات، التى أعلنت مساء السبت على لسان الطيار أيمن المقدم، رئيس الإدارة المركزية لتحليل حوادث الطيران، ورئيس لجنة التحقيق فى حادث الطائرة، وأهم ماذكره «أن حطام الطائرة تناثر على مساحة واسعة قطرها أكثر من ١٣ كم، وهذا ما تمكنا من تغطيته حتى الآن، وهو ما يتسق مع احتمالية وجود تفكك فى جسم الطائرة، بالإضافة إلى أن الملاحظات الأولية لا تحدد حتى الآن أصل هذا التفكك وأضاف مجددا أنه «تم تفريغ مسجل صوت غرفة بنجاح، وتم الاستماع له بشكل مبدئي.


مؤكدا أنه بالرغم من أن فريق العمل لا يزال فى مرحلة كتابة النص المسجل، والذى سوف يستغرق بعض الوقت، فقد سمع صوت فى الثانية الأخيرة من التسجيل يستلزم إجراء تحليل طيفى له فى مختبرات متخصصة من أجل تحديد طبيعة هذا الصوت.


ونفى رئيس لجنة التحقيقات هذه المعلومات الاستخبارية، مشيرا إلى أن « اللجنة لاحظت تداول تقارير وتحليلات بوسائل الإعلام، بعضها يدعى أنه يستند إلى معلومات استخبارية رسمية ترجح أحد السيناريوهات الخاصة بأسباب الحادث، وتؤكد اللجنة أنها لم تتلق أية معلومات أو أدلة فى هذا الصدد.


وحث رئيس اللجنة مصادر تلك التقارير بموافاتها بكافة البيانات، التى يمكن أن تساعدها على إتمام مهمتها، وقال تدرس اللجنة باهتمام كبير جميع السيناريوهات المحتملة لمعرفة سبب الحادث، ولم تصل اللجنة حتى هذه اللحظة إلى أية استنتاجات فى هذا الصدد.


بالرغم من كل هذا فمازالت بعض المواقع وبعض وسائل الإعلام تحشد فى الشعب عبر المطالبة بتنظيم حشود لدعم الرئيس لأنهم أدركوا أن هناك حملة دولية ضد مصر تستهدف إسقاطها، وزاد من سخونة الموقف تغريدة لأحد أقطاب جماعة الإخوان يؤكد فيها أن حادث «إسقاط» الطائرة الروسية ينذر بتدخل عسكرى أجنبى فى سيناء ومنطقة القناة، وزاد الاستقطاب فى المجتمع بين «المؤيدين لوجود مؤامرة دولية» وبين «الشامتين فى إسقاط الطائرة»، وهذا الفريق وسع من مطالبه بصورة تؤكد اختلال مفهوم الوطن ومفهوم الانتماء لديه، فقد طالب بإلغاء الانتخابات وإقالة الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية بدلا منها وإيقاف الرئيس لرحلاته الخارجية واسترداد أموال مصر بالخارج، ومن رجال الأعمال الفاسدين المقيمين بالداخل.


ورغم أن هذه المطالب تبدو جيدة إلا أنها فى واقع الأمر لا تنطلق من منطق وطنى لأنها تنطلق من عناصر لا تؤمن أساسا بالوطن وتسعى إلى إثارة اضطرابات فى الداخل تسمح بالإفراج عن الإخوان ومشاركتهم فى الحكم، وهو مربط الفرس فى مصر، فكما اختطف الإخوان ثورة ٢٥ يناير، وكما حاول الحزب الوطنى ورجال الأعمال اختطاف ٣٠ يونيه فإن أنصار الثورة المضادة: الإخوان والحزب الوطنى ورجال الأعمال يسعون لإعادة عقارب الساعة للوراء.


لذلك فإن حادث سقوط الطائرة الروسيه سيؤثر سلبا على الحركة السياحية فى مصر وليس سيناء فقط ولذا قد يكون من المفيد التفكير فى بعض المقترحات، كما قد تكون «المؤامرة» حقيقة بهدف الإساءة للعلاقات المصرية الروسية المتميزة، وبهدف إخراج روسيا من سوريا استمرارا للرغبة الأمريكية فى تفتيتها إلى ثلاث دول مع إهداء الجولان لإسرائيل، تنفيذا لمشروع الشرق الأوسط الموسع وفى هذا الإطار اقترح تنشيط السياحة الداخلية مع توفير تخفيض ٤٠٪، كما كان الأمر منذ عشر سنوات ففى ذلك إنعاش للسياحة وانعاشا للاقتصاد المصرى ككل، وذلك فى ظل اليقظة ورصد أى تصريحات أو تحركات قد تبدو موجهة ضد مصرولو أننى استبعد – فى ظل الظروف الحالية – مثل هذه الأفكار والسلوكيات المتطرفة، وأن نستفيد من الحماس الشعبى فى دفع عجلة الإنتاج فلا يمكن إحلال الجيش محل البيروقراطية المصرية خشية إنهاكه فى ظل التحديات التى تواجهها مصر، ولكن يمكن دفع البيروقراطية إلى العمل الجاد من خلال القضاء على الفساد، الذى أضحى مطلبا شعبيا عاجلا من خلال مراجعة وزارة العدل للقوانين التى تستهدف تقنين الفساد فى حالات ومنع إصدار قوانين محاسبة كبار موظفى الدولة.


حادث الطائرة له مساره وله أبعاده المعروفة، أما حالة الفوران الشعبى فيمكن توجيهها بأسلوب يخدم مصر فى هذه المرحلة لنضع شعار تحيا مصر موضع التنفيذ العملي.