فروق كثيرة بين «سيخ الحديد» و «مهام الحكم»: حين يحلم «أبوهشيمة» برئاسة مصر!

11/11/2015 - 12:57:43

  فى صحبة محمد فودة وعمرو دياب فى صحبة محمد فودة وعمرو دياب

كتب - أحمد النجمى

يمكنك أن تتاجر فى «حديد التسليح»، ويمكنك- إن كنت نابهاً- أن تصبح مليونيراً فى سنتين أو ثلاث، ويمكنك- إن كنت صاحب عبقرية- أن تصبح مليارديراً من تجارة الحديد.. لكن أن تحلم بمنصب سياسى، وزير مثلاً وأنت تاجر حديد، فهذه مسألة «فيها قولان» كما كان العرب يقولون قديماً.. أما أن تحلم بأن تصبح رئيساً للجمهورية- وأنت تاجر حديد أيضاً- فهذه مسألة تدفع من أمامك للتفكير جيداً فى قواك العقلية، لاسيما فى بلد كمصر، الديمقراطية فيه لاتزال فى أول عهدها، والشعب المصرى- الناخبون- مفرطو الحساسية تجاه من يتولى هذا المنصب، لا ينتخبون له إلا أعظم من يتقدمون لشغله، لكن هكذا أراد «أحمد أبوهشيمة» تاجر الحديد المشهور، أن يصبح هدفاً للكتابة فيما يبدو، على ضوء تصريحاته الأخيرة، التى أعلن فيها حلمه برئاسة مصر!


مصر حديثة العهد بالديمقراطية، لكنها- فى ذات التوقيت- عريقة العهد بالحضارة، ومن أهم العبارات التى يمكن أن نوردها فى هذا السياق، أن مصر أولى دول العالم فى فكرة «قيام الدولة المركزية» وصاحبة أول تشكيل حكومى، وأول جيش نظامى، وأول.. وأول..، ما يهمنا هنا، أن من يتقدم لشغل منصب رئيس الجمهورية، أو من يحلم بشغله ذات يوم، ينبغى له أن يكون مؤهلاً فكرياً وسياسياً لهذا المنصب، أما أصحاب المليارات.. كـ «أبوهشيمة» وغيره، فعليهم أن يظلوا فى ملياراتهم، وهنا نصل إلى صلب الموضوع!


حوار فى الزميلة «المصرى اليوم»، نشر قبل أيام.. أجرته الصحيفة مع رجل الأعمال «أحمد أبوهشيمة»، الذى وصفته فى السطر الأول من المقدمة التى سبقت الحوار بأنه «رئيس مجلس إدارة مجموعة حديد المصريين» ومالك جريدة «اليوم السابع» الحوار معظمه سياسى، قائم على فكرة أساسية :اقتراب «أبوهشيمة» للنظام.. والتعبير من الحوار، حين سأله الزميل «هل تصنيف أبوهشيمة كمقرب للنظام سيجعلك فى موقع تنفيذى داخل أجهزة الدولة؟» السؤال غريب، والرد أغرب، إذ قال أبوهشيمة: لا أعتبر نفسى مقرباً من النظام الحالى لكن نقدر نقول ان النظام أو الدولة تحترمنى! الأغرب على الإطلاق هو الجملة التى قالها أبوهشيمة بعد ذلك».. اتهامى بالقرب شبيه بتهمة التعاون مع الإخوان خلال فترة حكمهم بسبب جهودى المستمرة فى عملية البناء لصالح الدولة وعدم اكتراثى بالسلطة الحاكمة !» أى تناقض صارخ فى هذه العبارات؟ هل يعتز أبوهشيمة بالتعاون مع الدولة أم يستهجنه؟ هل يفرق بين «الدولة» فى عصر المحظورة والدولة الآن أم لا يعرف الفرق؟ وهل دعم أبوهشيمة الدولة فى عصر المحظورة بنفس الدرجة التى يقول أنه يدعم بها الدولة الآن؟


تناقض ثان فى نفس الحوار.. ففى الأسئلة الأولى يقول له المحرر: كيف يستقيم حديثك بضرورة ابتعاد رجال الأعمال عن السياسة مع تمويلك لحزب سياسى «مستقبل وطن»؟ ثم فى نفس الحوار يقول أبوهشيمة رداً على سؤال غريب من الزميل المحرر :إلى أى مدى تعتقد أن قبولك لتحمل أى مسئولية يجعلك تترشح لمنصب رئيس الجمهورية؟»، والرد أغرب، إذ يقول أبوهشيمة «فى هذا الوقت مستحيل، لكن لو قدرنى ربنا إنى أتواصل مع الناس بشكل يساهم فى تخفيف مشاكلهم انطلاقاً من الواجب الوطنى تجاه بلدى وحسيت من الشعب والناس الغلابة دول أن فيه قابلية لفكرة زى دى ممكن أعملها..»!


يا سلام.. تخيلوا هذا المشهد معى.. ربما أكون مخطئاً فى هواجسى، لو أحس أبوهشيمة من المصريين- الغلابة تحديداً- أنهم يقبلون فكرة ترشحه فسوف يترشح! طبعاً ضع تحت كلمة «الغلابة» هذه مائة خط أحمر، فالملياردير الأمثل سيحنو عليهم كأصوات انتخابية، إذا وجد منهم ميلاً.. وكيف سيجد الملياردير الكبير تواصلاً مع الغلابة، أى «كوبرى» سيصل بين هذين التناقضين على مابينهما من مسافة شاسعة؟ أن ينزل إليهم، وبالطبع.. سيأخذ الملياردير الكبير فى «رش» الأموال على هؤلاء الغلابة، ورش الوعود الانتخابية كذلك، والغلابة- ياعينى على حالهم- كثيرون فى بلدنا الحبيب، وهم فى عرض عشرة جنيهات، لا «ألف جنيه» مثلاً، ثمناً لصوتهم الانتخابى، بعضهم إذا رأى الألف جنيه سقط مغشياً عليه، وهذه الجنيهات الألف.. لا تعدو ثمن ١٥ فى المائة من طن حديد تسليح واحد يبيعه «الباشا» فى السوق، والذى يبلغ سعره- فى المتوسط- حوالى ٥٥٠٠ جنيه، ثمن الطن الواحد يشترى ستة أصوات انتخابية، وأبوهشيمة - باشا- ينتج من مصانعه الأربعة ما يعادل مليونى طن سنوياً، يقول- فى نفس الحوار- إنها سترتفع إلى ٣.٥ مليون طن فى العام المقبل..! فكم من الأصوات يستطيع أبوهشيمة شراءها فى عام ٢٠١٨، العام الذى سيكون فيه الاستحقاق الرئاسى المقبل؟!


عن الغلابة يتحدث أبوهشيمة.. الغلابة هم رهانه القادم وحلمه «المستخبى»، الحلم الذى يصل به إلى سدة الرئاسة.. بعد أن تمكن من حلم الجاه والمال يصبو إلى حلم السلطة، وقد يعلو صوت متسائلاً: أليس من حقه كمواطن مصرى أن يحلم بالمنصب؟ وأجيب عليه: كمواطن نعم.. دستورياً يحق له أن يحلم وأن يترشح، لكن من الناحية الواقعية.. فلا، وألف لا.. ليس من حقه ولا من حق بعض رجال الأعمال أن يترشحوا، فنحن- أولا- ضد سيطرة «رأس المال» على السلطة، فما بالنا لو صارت هذه السيطرة زواجاً كاثوليكياً؟ ونحن ثانياً- ضد استغلال الفقراء وأحلامهم البسيطة فى الستر والصحة للوصول إلى السلطة، وماذا يملك أبوهشيمة ونظراؤه غير هذا الاستغلال المقيت؟ ونحن - ثالثاً- ضد أن يصل إلى الحكم شخص لا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد.. وأبوهشيمة فى حدود علمنا لا علاقة له بالسياسة، إلا إذا كانت السياسة هى مجاراة التيارات الغالبة على السلطة، مثلما جارى من قبل حسن مالك.. ملياردير الجماعة المحظورة الذى كان يتولى شبكة تمويلها لسنوات طويلة، وقد كان أبوهشيمة على علاقة وثيقة بمالك- المحبوس حالياً- وبالجماعة المحظورة حين كانت تحكم مصر فى العام الأسود للمعزول «مرسى» مهما حاول أبوهشيمة نفى هذه الصلة فى حوار المصرى اليوم، إذ قال مبرراً هذه العلاقة: «..أعظم تجار مصر كانوا فى جمعية «ابدأ» التى أسسها حسن مالك، ولم تجمعنى به أى شراكة من أى نوع، كما أننى خلال فترة حكم الإخوان لم أنضم مطلقاً لهم، كما أن امتداحى لشخص حسن مالك مرتين، ليس معناه أننى تجمعنى علاقة معه..»! يا أستاذ أبوهشيمة، أنت التقيت مع حسن مالك- المسجون الآن بتهمة تورطه فى دعم الإرهاب- أكثر من مرتين بكثير، وامتداحك لشخصه يعنى- وفق قوانين عالم البيزنس- أنك كنت توشك على التعاون معه، وربما لو تأخرت ثورة ٣٠/٦ المجيدة بضعة أشهر، لكنت واحداً من أهم شركائه..! بل إنك طلقت زوجتك المغنية اللبنانية الشهيرة «هيفاء وهبى» بعد أن حذرتك «المحظورة» من أنه لايمكن التعاون معك طالما هى فى عصمتك!


ومن فاسد الإخوان «حسن مالك»، إلى فاسد الفلول «محمد فودة».. الذى جمعتك به- يا أستاذ أبوهشيمة- مناسبات شتى، وصور كثيرة.. فوجئت أنا شخصياً بعددها وأنا أتصفح الإنترنت، وأنت تقول: علاقتى به مقصورة على المعرفة العادية كأى إنسان أعرفه..!


ومن فاسدى الإخوان والفلول إلى قطر أفسد بلدان العالم العربى.. وإذا كنت لا تعرف أيها القارئ الكريم، فإن أبوهشيمة شريك مع «محمد بن سحيم آل ثان» فى شركة «حديد المصريين»، وهو حر فى هذه الشراكة، «ربنا يوفق الجميع».. لكن أبوهشيمة ذهب فى الحوار إياه يقول: أعتقد أن الأزمة بين البلدين ستنفرج، لأن كليهما «ملهمش غير بعض»!.


هذا- إذن- هو البرنامج الرئاسى للمرشح «أبوهشيمة - ٤٠ عاماً - الذى يريد أن ينتصر للغلابة! سيعقد صداقة مصرية قطرية كالتى عقدها المعزول «مرسى»، وسيوثق علاقته بالفلول من أشباه محمد فودة، وسيعقد الصفقات مع رجال الأعمال «الإخوان» أمثال حسن مالك، وسيقوم بعمل «انفتاح اقتصادى» على غرار الذى قام به السادات فى منتصف السبعينيات فأغرق البلاد فى الديون والعجز وأغرق المصريين فى الفقر إلى يومنا هذا، وسيضيف أبوهشيمة لمأساة الانفتاح أبعاداً جديدة.. أهمها عودة الإخوان إلى المشهد السياسى من «بوابة البيزنس»!


كان بمقدور «أبوهشيمة» أن يقصر حواره هذا على ما يفيد أعماله كرجل بيزنس، وأن يدلى بآرائه السياسية، حتى لو بلغ بها أقصى درجات التأييد أو درجات المعارضة.. لكنه لا يحق له الحديث عن الناخب الغلبان، واستهدافه لهذا الناخب، أو رغبة بداخله فى الترشح للرئاسة إذا رحب به هذا الغلبان..!


رائحة الأموال العفنة لاتزال تفوح فى شوارعنا وحاراتنا، تنبعث من «مطبخ الانتخابات البرلمانية» التى لم تضع أوزارها بعد.. الرشاوى الانتخابية- مع الأسف- لاتزال سارية، بعض الدوائر حدثت فيها رشاوى «الصوت وصل لألف جنيه..»، كل هذا مما لا يمكن أن تضبطه الدولة أو أن تتحكم فيه الشرطة، هناك ألف طريقة للرشوة الانتخابية، التى لا تراها عيون الناس.. والمصريون لديهم خبرات واسعة فى هذا السياق- الرشوة الانتخابية- سواء الراشى أو المرتشى.. فهل يراهن أبوهشيمة على سوء حالة المصريين الاقتصادية فى حلمه.


لو كان أبوهشيمة يستهدف حقاً مصلحة الغلابة، لسعى إلى تخفيض أسعار حديد التسليح- ولو بنسبة ١٪- بدلاً من أن يشارك فى مضمار الاحتكارات التى تحكم هذه السوق، فيسيطر عليها مع أحمد عز، رجل المخلوع «مبارك»، وعين أعيان تجار الحديد فى مصر المنكوبة بمثل هؤلاء..!


ولو كان أبوهشيمة يستهدف حقاً مصلحة الغلابة.. لخصص نسبة من أرباحه للأعمال الخيرية، والعشوائيات، والفقراء، واليتامى.. أو لدفع جزء من ديون الغارمات، اللائى خرجن من السجون مؤخراً بعد أن تبرع رجال الشرطة بجزء من رواتبهم لسد ديونهم..!


ولو كان أبوهشيمة يستهدف حقاً مصلحة الغلابة.. لكان قد أنشأ وحدات سكنية لمن سقطت منازلهم الهشة فى الأسابيع الماضية، أو لكان قد تبرع بتعويضات لمنكوبى سيول الإسكندرية، أو قرى البحيرة التى غرقت بالكامل تحت المطر، حتى خرج بعض سكانها يقطعون الطريق فى الأيام الماضية، مطالبين باستقالة محافظها وجهاز المحليات بها..!


لكن أبوهشيمة مضى يضخ «التمويل» لأحزاب وجبهات بعينها فى الانتخابات الأخيرة خشية عليهم- وفق أقواله- من «التمويل الأجنبى».. لا يدرى أبوهشيمة أنه بقوله هذا يسيئ إلى من مولهم، ويتهمهم بالغفلة والسذاجة.. يضع «أبوهشيمة» أمواله فى «استثمار مضمون» ليصبح قوة ضاغطة تحت قبة البرلمان القادم.. والحقيقة أنه ليس وحده الذى فعلها، بل سبقه إليها مليارديرات آخرون فى مقدمتهم «نجيب ساويرس» وحزبه «المصريون الأحرار»، وقد تكشف الأيام القادمة عن «فلوس» رجال أعمال آخرين دخلت كتمويل رئيسى فى الانتخابات التى تجرى حالياً..!


وعبثاً.. يحاول أبوهشيمة ربط اسمه باسم الرئيس «عبدالفتاح السيسى»، إنه العبث فى أسوأ عروض المسرحيات العبثية، والهزل.. فى غير موضع الهزل.. الأيام تكشف أن الرئيس لا يريد من المليارديرات سوى العمل، إنهاء البطالة، وضخ أموالهم فى عروق الاقتصاد الوطنى، رفع راية الصناعة المصرية، المشاركة الجادة فى كافة ملفات الاقتصاد الوطنى.. لا يحتاج الرئيس السيسى إلى ملياراتكم، ولا نفاقكم، ولا تزلفكم، وأنتم - يا من تتكلمون عن قربكم من الرئيس- لا تسيئون إليه، بل تسيئون إلى أنفسكم، لأن المصريين يكتشفون مع الأيام مدى الزيف فى كلامكم، وفى شخصياتكم!


الزيف.. هو الكلمة المناسبة، وهى مفتاح السر المغلق، إذ يتساءل المصريون: ما الذى أدخل هؤلاء المليارديرات الساحة السياسية ودفعهم إليها على هذا النحو غير المسبوق من الإقبال؟ إنها الصورة الجديدة من «الحزب الوطنى» المنحل، الذى لو كان استمر فى الحكم- لا قدر الله- لكنا وجدنا «أبوهشيمة» و»ساويرس» و»صلاح دياب» وغيرهم.. على رأس رموزه، فالأيام دول، وتغيير الأشكال والوجوه مع بقاء الأفكار العفنة على علاتها، هو المطلوب بعينه..!


ياعم أبوهشيمة.. احلم كيفما شئت، تاجر كيفما شئت، مارس الاحتكارات كيفما شئت، تحالف مع «عز» كيفما شئت، أو اضربه فى السوق.. إذا شئت، وموّل هذا أو ذاك من الأحزاب أو الشخصيات السياسية، لكن حذار من أن تفكر فى ترشيح نفسك للاستحقاق الرئاسى.. ليس لهذا خلقت، خلق الله عشرات الشخصيات فى مصر، تصلح لكى تترشح للرئاسة، لكنك- يقيناً- لست منهم، والمصريون لايزالون عقلاء، مهما أتعبهم الفقر، ومهما أتخمك الثراء..!