د.حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: لست مع فكرة وجود ظهير سياسى للرئيس .. و انخفاض المشاركة فى الانتخابات ينال من شرعية الب

11/11/2015 - 12:46:48

  د. حسن نافعة أثناء حواره مع طارق سعد الدين  عدسة: إبراهيم بشير د. حسن نافعة أثناء حواره مع طارق سعد الدين عدسة: إبراهيم بشير

حوار يكتبه: طارق سعدالدين

د.حسن نافعة ليس مجرد أستاذ للعلوم السياسية فى جامعة القاهرة يراقب ما يحدث على الساحة من برجه العاجى، ولكنه أيضاً صاحب دور بارز فى الحياة السياسية المصرية، فقد كان منسقاً عاماً للحملة المصرية ضد التوريث لمنع مبارك من تسليم البلد لنجله جمال، وعندما بدأت إرهاصات تعكس تململ الشعب من نظام حكم مبارك وبدأت الجهود الشعبية العلنية لإسقاط النظام وخلع مبارك كان حسن نافعة هو المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير، وبعد ثورة ٢٥ يناير تولى عضوية المجلس الاستشارى الذى قام المجلس العسكرى بتشكيله، وعندما بدأت التحركات لخلع الرئيس مرسى وقع على استمارة تمرد فى حفل عام نقله التليفزيون المصرى مع مجموعة من المثقفين والفنانين.


حصل د.حسن نافعة على دكتوراه الدولة فى العلوم السياسية من جامعة السوربون عام ١٩٧٧ ويعمل حاليا كأستاذ متفرغ للعلوم السياسية فى جامعة القاهرة، وقام بتدريس العلوم السياسية فى العديد من الجامعات الأمريكية والأوربية، وفى المعاهد الدبلوماسية فى مصر والدول العربية، والتى يتخرج منها أعضاء السلك الدبلوماسى فى هذه الدول، وأيضا فى أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية التى يتخرج منها قادة الجيش، من أجل كل ذلك تأتى أهمية تحليلاته السياسية ورؤيته للانتخابات البرلمانية وشكل البرلمان الذى ستفرزه، وفكرة وجود ظهير سياسى للرئيس، والتحركات المصرية على الساحة الدولية، وأخيراً شكل الشرق الأوسط الجديد الذى قال وزير خارجية فرنسا إن شكله القديم الذى نعرفه قد انتهى.


تباينت التفسيرات لأسباب عزوف الناس عن المشاركة فى انتخابات مجلس النواب كل حسب لونه السياسى، قال المعارضون إن الناس غير راضية عن العملية السياسية برمتها، وقال المؤيدون إن الناس لاتريد برلمانا يقيد حركة الرئيس السيسى ويعوقه، وفسر آخرون ذلك بالخوف من عودة رجال نظام مبارك للبرلمان، فما تفسيرك لأسباب هذا العزوف؟


الأسباب كثيرة جداً ولايمكن اختصارها فى سبب واحد، البعض يرجع هذا العزوف لأسباب ظرفية قاهرة فنية مثل سقوط الأمطار يوم التصويت فى جولة الإعادة، أو لأسباب فنية تتعلق بصعوبة استيعاب قانون الانتخابات من جانب الناخبين، فهناك دوائر يتم شغل المقاعد فيها بالنظام الفردى وقد تمثل بمقعد واحد أو بأكثر من مقعد لكنها لا تتجاوز فى جميع الحالات أربعة مقاعد، وهناك دوائر يتم شغل المقاعد فيها بنظام القوائم المطلقة وهى دوائر متسعة جدا بعضها يمثل بخمسة عشر مقعدا وبعضها الآخر بخمسة وأربعين مقعدًا، وفى هذه الدوائر يصعب على الناخب أن يتعرف على جميع المرشحين، وبالتالى ربما يكون هذا أحد أسباب عزوف الناخب عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، غير أن هذه الحجة سقطت تماما فى جولة الإعادة لأن انتخابات الإعادة تمت جميعها فى الدوائر الفردية الصغيرة حيث لا توجد صعوبة لدى الناخب فى التعرف على واحد أو أكثر من المرشحين لشغل المقاعد المطلوبة، لذا أظن أن صعوبة القانون لو بررت عزوف الناخبين فى الجولة الأولى فهى لن تبرر عزوفهم فى جولة الإعادة، أما بالنسبة لحجة غزارة الأمطار فهى حجة متهافتة أيضا لأن تأثير الأمطار مؤقت ولا يتجاوز ساعات محددة من اليوم بينما الانتخابات تجرى خلال يومين متتاليين، فلو كان لدى الناخب حافز للتوجه إلى صناديق الاقتراع فلن يمنعه شىء خصوصا إذا تولدت لديه قناعة أن مشاركته سوف تحدث فرقا أو تغييرا ماً، لذلك أنا لا أميل إلى تفسير عزوف الناخبين استناداً إلى هذا النوع من الأسباب الفنية أو شبه الفنية، ولدىَّ قناعة راسخة بأن هذه الأسباب سياسية وليست فنية، نعم قانون الانتخابات كان أحد أهم أسباب العزوف لكن من زاوية سياسية، فهذا القانون لم تصممه عقلية سياسية تريد أن تضمن أفضل تمثيل ممكن للقوى المتنافسة، ولكنه وضع بهدف استبعاد كل القوى السياسية التى قد يصعب السيطرة عليها سواء من اليسار أواليمين أوالوسط، فكل القوى السياسية الرئيسية فى مصر من مختلف الاتجاهات كانت تفضل قانون الانتخابات الذى يعتمد القوائم النسبية وليس القوائم المطلقة، أو تفضل قانونا يجمع بين القوائم النسبية والدوائر الفردية بحيث تخصص نصف مقاعد البرلمان للنظام الفردى والنصف الآخر للقوائم النسبية،لأنه كان يمكن أن يصبح أكثر عدالة ويتيح لعدد كبير من الأحزاب فرصة التمثيل النيابى وهو ما كان يمكن أن يشكل حافزا يدفعها لحشد أنصارها وإثارة حماسهم للتوجه إلى صناديق الاقتراع، فنحن جميعا ندرك أن أغلب الأحزاب ما تزال غضة وطرية وليس لها قدرة على تقديم مرشحين فى دوائر كبيرة مثل الدوائر المخصصة للقوائم المطلقة.


هل ضعف تمثيل البرلمان لمختلف القوى السياسية يطعن فى شرعيته؟


أكيد، فنسبة المشاركة فى هذه الانتخابات هى الأقل فى كل الاستحقاقات الانتخابية التى جرت بعد ثورة ٢٥ يناير، ويجب أن نستبعد أى مقارنة مع أى انتخابات جرت قبل ثورة يناير خصوصا فى عهد مبارك لأنها كانت جميعها إما مزورة بالكامل أو تدخلت فيها الأجهزة الأمنية بدرجة أو بأخرى، لذا لا يمكن الاعتداد بأى من الانتخابات التى جرت قبل ثورة يناير لمقارنة نسب المشاركة مع ما حدث فى المرحلة الأولى من الانتخابات الحالية، أما الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية أو الاستفتاءات التى جرت بعد ثورة يناير فكانت نسب المشاركة فيها مرتفعة نسبيا ولم تقل فى معظمها عن ٥٠٪، بل إن هذه النسبة وصلت إلى حدود ٦٢٪ فى انتخابات مجلس الشعب التى جرت فى نهاية عام ٢٠١١ وبداية ٢٠١٢. الاستثناء الوحيد لوحظ فى انتخابات مجلس الشورى عام ٢٠١٢، والتى جرت بعد أسابيع قليلة من انتخابات مجلس الشعب إذ لم يشارك فى هذه الانتخابات سوى حوالى ١٢٪ وكانت رسالة الناخب هنا سياسية بالدرجة الأولى وواضحة تماما ومفادها أن الناس غير مهتمة بمجلس الشورى ولا تراه ضروريا أو مفيدا فى مرحلة ما بعد الثورة.


ما الرسائل التى يرسلها ضعف المشاركة فى هذه الانتخابات البرلمانية؟


هى رسالة سياسية فى المقام الأول مفادها أن الشعب المصرى لا يثق فى أن الانتخابات الحالية ستؤدى لتمثيل حقيقى للقوى السياسية المصرية، كل حسب وزنه النسبى فى الحركة الوطنية، وبالتالى فالبرلمان الذى ستفرزه هذه الانتخابات سيكون مشكلا من لون سياسى واحد مهما اختلفت المسميات، كما سيكون مؤيداً للسلطة التنفيذية وامتداداً لها، وبالتالى فإن فكرة الفصل بين السلطات، وهى عماد أى ديمقراطية حقيقية، لن تكون قائمة أو متوفرة بالشكل الكافى وبما يضمن التوازن والرقابة المتبادلة بين المؤسسات، إذن نحن ندخل فى مرحلة جديدة من تطور النظام السياسى تشبه إلى حد كبير- وإن بصيغ مختلفة- نظام ماقبل ثورة يناير٢٠١١، أى أننا سنعود إلى شكل من أشكال النظام السياسى تختلط فيه السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية، ولايوجد فيه حدود أو معايير للفصل بين السلطات أوإمكانية حدوث أى نوع من الرقابة أوالتوازن المتبادل بين السلطات، وهى أحد أهم أسس وسمات الديمقراطية الفعالة، ففى أى نظام تختلط فيه السلطتان التشريعية والتنفيذية يستحيل ضمان استقلال القضاء، وإذا غابت السلطة القضائية المستقلة ينكسر العمود الفقرى للديمقراطية وتصاب الديمقراطية بالشلل، هذه هى المخاوف الأساسية، الشعب المصرى الذى رأى فى الرئيس السيسى منقذا، وهو على حق فى ذلك لأنه خلصه من حكم الإخوان، كان يريد من الرجل المنقذ أن يؤسس لنظام ديمقراطى تشارك فيه كل القوى السياسية، حتى ولو بدون الإخوان أو القوى السياسية التى تخلط السياسة بالدين، ولكن فى الانتخابات الأخيرة لو نظرت إلى أسماء المرشحين ستجدهم كلهم ينتمون إلى لون سياسى واحد بغض النظر عن اختلاف القوائم.


ولكن ما القوى السياسية غير الممثلة والتى لها مؤيدوها وأنصارها فحزب الوفد غارق فى الصراعات والتجمع انتهى من زمان؟


الأحزاب السياسية فى مصر ضعيفة، ولكن أى نظام سياسى لايمكن أن يعمل بدون أحزاب، إذن مهمة أى نظام سياسى فى مصر، خاصة إذا جاء بعد ثورتين وإذا كان يريد وضع شعارات ثورة يناير المطالبة بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية موضع التطبيق، فعليه أن يعمل على تقوية الأحزاب السياسية وتهيئة المناخ السياسى والاجتماعى الملائم لازدهار هذه الأحزاب، لكن ما يقوم به النظام السياسى الحالى يؤدى إلى خنق الأحزاب وليس إلى تقويتها أو مساعدتها على أن تنضج فى أجواء طبيعية.


ولكن أغلب الأحزاب الحالية ليس لها تواجد على الأرض؟


الحاكم لا يجب أن يتخذ من ضعف الأحزاب تكأة للانفراد بالسلطة وجمع كل السلطات فى يديه، ويجب أن يقتصر دوره فى هذا المجال على تنظيف البيئة السياسية وتشجيع كل القوى السياسية على الانخراط والمشاركة فى العملية السياسية طالما أنها لم تحمل السلاح ضد الدولة أو تحرض على الكراهية والطائفية، أما فى هذه الانتخابات فيلاحظ أن قوى سياسية كثيرة من اليسار ومن اليمين ومن الوسط أعلنت انها لن تشارك فيها لأنها لن تسفر عن برلمان يعبر عن كل المصريين، جماعة ٦ إبريل مثلاً ليست حزبا لكنها حركة لها تأثير كبير فى الأوساط الشبابية، وهى إحدى القوى التى ساهمت فى ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه، وكذلك الشباب الذين قادوا حملة التمرد على حكم مرسى وأسهموا بفاعلية فى ثورة ٣٠ يونيه.


ولكن محمود بدر مؤسس تمرد مرشح فى القليوبية؟


لا أريد أن أتحدث عن أسماء بعينها لكن ليس بوسع أحد أن يدعى أنه الزعيم الأوحد أو القائد الملهم لثورة ٣٠ يونيه، فتمرد كانت تعبيرا عن حالة شعبية عفوية لها  رموز عديدة ولكن ليس لها زعماء أو هيكل تنظيمي، تماماً كثورة ٢٥ يناير التى فجرتها رموز شبابية لم تكن منظمة داخل الأحزاب القائمة وتفاعلت معها الجماهير  بشكل تلقائى فخلقت حالة شعبية دافعة للثورة، تماماً مثل ٣٠ يونيه كانت هناك حالة شعبية دافعة للتمرد على حكم الإخوان المسلمين، وأذكر أننى شخصيا كنت من أوائل من كتبوا دفاعا عن تمرد وترحيبا بها وقمت بالتوقيع على الاستمارة التى تضمنت مطالبها مع رموز الفن والثقافة فى حفل عام بثه التليفزيون أثناء حكم مرسى، لذا أرجوك لا تقل لى إن سين أو صاد هو زعيم تمرد فبه أو بدونه كانت هذه الحالة الشعبية ستتحول حتما إلى حالة دافعة للثورة على حكم الإخوان، ومن هنا يمكن الجزم بأن كل القوى التى لعبت الدور الرئيسى فى تفجير ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه لم تشارك فى الانتخابات البرلمانية التى تجرى حاليا فى مصر، ولم تقدم على الترشح، باستثناء رموز قليلة جداً فضلت المشاركة على المقاطعة رغم تضييق الخناق عليها، الدور الأكبر فى اختيار المرشحين، خصوصا بالنسبة للقوائم، كان للأجهزة الأمنية ولبعض الأوساط السياسية المرتبطة برجال المال والأعمال، افحص قوائم المرشحين واستعرض أسماء الأحزاب والقوى السياسية التى قررت مقاطعة هذه الانتخابات، وحاول قياس درجة حماس  الأحزاب والقوى السياسية للترشح وخوض هذه الانتخابات، وستصل بسهولة إلى نتيجة مفادها أن مصر ليست متحمسة كثيرا لهذه الانتخابات رغم إدراكها لأهميتها القصوى، حتى حزب النور الذى من المفترض أن تكون له قواعد شعبية وهو أحد الأحزاب التى قررت نزول الانتخابات، يلاحظ أن قواعده التقليدية لم تتوجه بكثافة فيما يبدو لصناديق الاقتراع، على الأقل فى المرحلة الأولى.


ما تفسيرك لتمرد قواعد حزب النور الشعبية على قياداتها؟


تفسير بسيط، فحزب النور لم يكن له وجود سياسى أو هيكل تنظيمى واضح قبل ثورة يناير التى اعترض عليها التيار السلفى ووقف ضدها فى البداية، وبالتالى هو ظهر فى لحظة استثنائية و حصل على نسبة ٢٢ فى المائة من مقاعد البرلمان فى انتخابات ٢٠١١م التى جرت فى لحظة استثنائية أيضا، لذا لم تختبر قواعده فى ظروف عادية لأن انتخابات ٢٠١١ هى الانتخابات الوحيدة التى خاضها ولا يمكن الحكم عليه من خلال انتخابات واحدة،حزب النور كان يتصور أنه الحزب المرشح لوراثة الدور السياسى لجماعة الإخوان المسلين وكان يسعى إلى تحقيق هذا الهدف، ولكن مواقفه السياسية فى الفترة الأخيرة، خاصة قبيل وبعد ثورة ٣٠ يونيه، أدت الى تمرد قواعده عليه، ولأنه حزب يشكل الدعاة وخطباء المساجد أهم كوادره السياسية وليست له هياكل تنظيمية على نفس درجة ترابط وقوة جماعة الإخوان المسلمين القادرة على العمل فى كل الظروف سواء فوق الأرض أو تحتها، فمن الصعب قياس قوته الانتخابية فى الظروف الحالية، ومن المتوقع أن تتأرجح قوته صعودا أو هبوطا حسب الظروف والأوضاع السياسية فى البلاد، خصوصا أن الانطباع العام السائد عنه أنه حزب مخترق أمنياً ويعمل بالتنسيق الكامل مع أجهزة الأمن التى ترسم له أدواره، ومن المعروف ايضا أن القواعد الشعبية لحزب النور تؤمن بتطبيق الشريعة الإسلامية وسوف تسير خلف كل من تقتنع أنه مخلص فى دعوته لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأظن أن الحزب فقد بعض قواعده الانتخابية بسبب مواقفه السياسية الأخيرة التى رأى فيها البعض مواقف انتهازية تبتغى إرضاء الحاكم بأكثر مما تبتغى مرضاة الله وتجرى وراء المغانم والمطالب المادية.


وبشكل عام يمكن القول إن الانتخابات البرلمانية الحالية جرت فى أجواء استثنائية ولم تجر فى فى أجواء طبيعية أو تنافسية حقيقية. وحين تجرى أى انتخابات فى أجواء استثنائية ودون أن تكفل مستوى عالٍ من التنافسية، يصعب قياس الأوزان النسبية  الحقيقية للقوى السياسية، سواء كان حزب النور او غيره من الأحزاب والقوى السياسية، لذا من الصعب الحكم على ما إذا كانت خسارة حزب النور فى المرحلة الأولى تعبر عن اتجاه عام يؤكد خروجه من حلبة المنافسة على قمة النظام السياسى فى مصر.


ما رأيك فى نوعية النواب التى نجحت فى دخول البرلمان فى المرحلة الأولى للانتخابات؟


أغلبية من دخلوا البرلمان مؤيدون للرئيس السيسى، بل إن بعضهم يزايدون عليه فى مسألة تعديل الدستور، ويريدون إدخال تعديلات دستورية تزيد من صلاحيات السلطة التنفيذية وتقلص من صلاحيات السلطة التشريعية، وهو توجه خطير جداً، وأنا أعتقد أن من يؤيدون هذا الاتجاه لم يقرأوا الدستور وربما يدفعون مصر للدخول فى منطقة الدوامات التى كانت قد انزلقت إليها قبل ثورة يناير، فخلال فترة حكم مبارك كان لدينا نظريا دستور جيد يؤكد على الحريات الفردية والعامة ولكنه لم يوضع موضع التطبيق بسبب وجود حزب مهيمن على البرلمان أتاح للسلطة التنفيذية أن تهيمن على السلطة التشريعية وتلغى دورها تماما، لذا لم تكن هناك فرصة لوجود برلمان منتخب يمثل الشعب ويقوم بدوره التشريعى والرقابى بشكل صحيح، وإذا سارت المرحلة الثانية من الانتخابات الحالية على نفس الوتيرة والمنوال  والآليات وجاءت بنواب من نفس النوعية فسنكون أمام برلمان تابع للرئيس السيسى ويريد تعديل الدستور لترجيح كفة السلطة التنفيذية ولن يتخذ اى مبادرات لإحكام الرقابة على أداء الحكومة، لذا أظن أن البرلمان القادم لن يكون قادراً على القيام بوظائفه التشريعية والرقابية على الوجه الأكمل، لكنه لن يكون فى نفس الوقت محكوماً بنفس الآليات التى كانت تحكم البرلمان قبل ثورة ٢٥يناير، ففى تلك الفترة كان هناك حزب يقود العمل السياسى هو الحزب الوطنى وكان لهذا الحزب قواعد تشكلها شبكة مترابطة ومتماسكة من المصالح وكان للحزب كوادر تستطيع ضبط إيقاع العمل داخل البرلمان، وتلك كلها عوامل لا تبدو متوافرة الآن، ومن ثم فمصر تدخل مرحلة جديدة غامضة ولن يكون بمقدور الرئيس أن يدير البرلمان كما يريد.


فالبرلمان القادم سيكون مؤيدا للرئيس وللسلطة التنفيذية بشكل عام، ولكن قدرة الرئيس على إدارة البرلمان من الداخل لا تزال غامضة ولن تحكمها قواعد أو آليات واضحة فى المرحلة الأولى على الأقل، وهو مايعيدنا مرة أخرى إلى أحد أهم أسباب العزوف عن المشاركة فى الانتخابات، فلسان حال الشعب يقول إذا كان البرلمان القادم سيكون مؤيدا للرئيس ولن يستطيع أن يقوم بدوره الرقابى والتشريعى على الوجه الأكمل، فليكن السيسى صاحب القرار وليتحمل وحده المسئولية بالكامل وعلى الشعب أن يراقبه ويحاسبه من خارج البرلمان، وهذا خطر حقيقى، ففى كل نظام ديمقراطى يتسع لاستيعاب كل القوى السياسية فى البرلمان تكون الأغلبية والمعارضة ممثلة فى البرلمان، لكن حين تجرى انتخابات لا يشارك فيها سوى ٢٦ ٪ من الناخبين وتقاطعها قوى سياسية رئيسية، فمن الطبيعى أن ينتقص هذا الوضع من شرعية البرلمان، وهنا سيصبح الشعب، وليس البرلمان، هو المراقب لأداء السلطة التنفيذية، وسيكون الحساب فى مواجهة السيسى شخصياً.


ما رأيك فى فكرة الظهير السياسى للرئيس السيسى خاصة أنه ليس له حزب سياسى لأنه جاء فى ظروف استثنائية؟


إذا أسس الرئيس حزباً وهو فى السلطة فسينضم له كل المنافقين والمطبلين والمزمرين، وسنعود لأوضاع ماقبل ثورة ٢٥ يناير، والشعب عندما اختار السيسى رأى فيه منقذاً من حكم الإخوان وكان يريد منه تأسيس نظام ديمقراطى قابل للاستمرار فى نهاية فترتيه الرئاسيتين، وهو ما يعنى إشراك كل القوى السياسية فيه بما فيها الإسلاميين الذين لم يحملوا السلاح أو يحرضوا على الكراهية أو العنف، ويستطيع الرئيس السيسى أن يقدم خدمة جليلة لمصر وشعبها إذا اكتفى بدوره كحكم فوق السلطات وأدار الدولة بعقلية سياسية وليس أمنية، وأتاح حرية العمل وممارسة النشاط لكل القوى السياسية، فيما عدا القوى التى تمارس الإرهاب أو تحرض على الكراهية والفتنة الطائفية، بحيث تصبح مصر مستعدة وقادرة فى نهاية فترة ولايته أو ولايتيه على اختيار رئيس وانتخاب برلمان يمثل كل المصريين ويصبح هناك نظام سياسى قادر على تأمين عملية التداول السلمى للسلطة دون الحاجة إلى هبات شعبية أو انقلابات عسكرية.


ما رأيك فى أداء السياسة الخارجية المصرية فى هذه المرحلة؟ وهل نحن مع أمريكا أم مع روسيا أم نتعامل مع المواقف بالقطعة؟


نحن لسنا مع أمريكا أو مع روسيا وعلى السلطة المسئولة عن إدارة الدولة المصرية أن تنحاز فقط للمصالح الوطنية المصرية، ولاشك أن تنويع مصادر السلاح مطلوب والسعى لاستعادة مصر لأدوارها العربية والإقليمية مهم، ولكن مازالت القيادة السياسية تفتقر إلى رؤية سياسية شاملة تعبر عن مشروع وطنى واضح الأركان وتتحرك السياسة الخارجية فى إطاره ولخدمة أهدافه، وقد بات واضحا أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس دور القيادة فى النظام العالمى الراهن لكنها ليست قادرة على أن تهيمن منفردة على هذا النظام، وهناك إرهاصات على قيام نظام عالمى متعدد الأقطاب ما زال قيد التشكل ولم تتضح كامل معالمه بعد، فالصين قوة اقتصادية عظمى ولكن مازال أمامها عشرون أو ثلاثون سنة أخرى قبل أن يصبح بمقدورها أن تنافس فعليا على قيادة النظام الدولي، وروسيا قوة عظمى ولكنها لا تستطيع أن تمارس فى النظام الدولى الحالى دورا شبيها بالدور الذى كان يلعبه الاتحاد السوفييتى فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أو أيام الحرب الباردة، والاتحاد الأوربى لم يتحول بعد إلى قوة سياسية موحدة ويواجه تحديات كبيرة تعرقل مسيرته نحو الوحدة، وهناك قوى إقليمية بازغة مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا لكن الطريق ما زال طويلا أمامها قبل أن تتحول إلى قوى مؤثرة بفاعلية على تحولات النظام الدولي.


لكن بالعودة إلى سؤالك عن أداء السياسة الخارجية المصرية، فرغم ترحيبى بالجهد الذى بذلته الدبلوماسية المصرية لفك الحصار الدولى الذى ضرب حول النظام بعد ثورة ٣٠ يونيه ولتأمين انتخاب مصر كعضو غير دائم فى مجلس الأمن، إلا أن النجاحات التى تحققت حتى الآن ستظل هشة وغير مثمرة على المدى الطويل إذا لم تتواكب مع عملية سياسية على الصعيد الداخلى تضمن الاستقرار السياسى للدولة وللمجتمع وليس فقط للنظام، فعلى الصعيدين الإقليمى والعالمى لن يأخذ أحد النظام الحاكم على محمل الجد ويقبل التعامل معه كند أو كشريك ما لم يكن واثقا أنه نظام يرتكز على قواعد شعبية راسخة وتتسع لمشاركة القوى السياسية الرئيسية المعبرة عن طموحات وآمال الشعب المصرى بكل فئاته وقواه الاجتماعية وتياراته الفكرية، وهذا هو الضلع الذى لا يزال الأكثر هشاشة فى النظام الحاكم فى مصر الآن.


ما رأيك فى تصويت مصر لصالح استخدام إسرائيل للفضاء فى الاستخدامات السلمية وبعكس كل الدول العربية بما فيها الأردن المرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل؟


أولاً مصر صوتت على قائمة تضم عددا من الدول بينها دول عربية وإسرائيل، وإذا كان هناك لوم يوجه فيجب توجيهه للدول العربية التى قبلت أن توضع فى قائمة انتخابية واحدة تضم إسرائيل، كما أن الكثير من الدول التى وجهت انتقادات إلى مصر بسبب تصويتها داخل الجمعية العامة تتعاون سرا مع إسرائيل ربما بدرجة أكبر من تعاون مصر مع إسرائيل، وهى لم تخدم القضية الفلسطينية كما فعلت مصر، لكن ذلك كله لا يبرر ما حدث مؤخرا فى الجمعية العامة، فقد ارتكبت مصر بتصويتها لصالح قائمة انتخابية تضم إسرائيل خطأ يصل إلى مرتبة الخطيئة وكان يتعين على مصر أن تتلافى الوقوع فى هذا الخطأ بالتنسيق مع المحموعة العربية والالتزام بقرار عربى موحد.


قال وزير خارجية فرنسا إن الشرق الأوسط بشكله المعروف انتهى؟ فما مدى صحة هذا الزعم؟


هو قول صحيح تماما للأسف، فسيناريو التفتيت فى الشرق الأوسط هو السيناريو الأرجح إذا ظلت الأمور والأوضاع تدار بنفس المنهج والآليات، ولاشك أن الأوضاع فى عدد كبير من الدول العربية لن تعود كما كانت عليه من قبل بعد التوقيع على اتفاقية سايكس بيكو إبان الحرب العالمية الأولى، فالأكراد فى العراق ينعمون حاليا بحكم ذاتى يجعلهم أقرب إلى شكل الدولة المستقلة، والشيعة لهم مناطقهم الطاردة للسنة وكذلك السنة، وسوريا وليبيا واليمن هى دول عربية فى طريقها إلى التفتيت، ويمكن أن يمتد هذا السيناريو إلى باقى دول الخليج بما فيها السعودية إذا سقط النظام السورى وأدى سقوطه إلى تفتيت الدولة السورية، ولن يستطيع أحد إيقاف هذا السيناريو إلا إذا حدث توافق مصرى سعودى حول رؤية لإنقاذ النظام العربى من الانهيار، فالتوافق المصرى السعودى هو وحده القادر على أن يقوم بدور الرافعة لإنقاذ النظام العربى ومنعه من السقوط والانهيار التام، وإنقاذ النظام العربى من الانهيار يجب أن يكون مجرد خطوة أولى على طريق حوار فعال مع القوى الإقليمية الكبرى كإيران وتركيا، ومن المعروف أن الاتحاد الأوربى نشأ فى البداية على أكتاف التوافق بين ألمانيا وفرنسا، وكانتا أعداء فى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبتوافقهما استطاعا أن يجمعا حولهما باقى الدول لتأسيس سوق أوربية مشتركة ثم سوق أوربية موحدة ثم اتحاد أوربى يطمح لتحقيق الوحدة الأوربية السياسية الكاملة، ومصر والسعودية هما القوتان الوحيدتان فى المنطقة اللتان يمكنهما إنقاذ النظام السياسى العربى من سيناريو التفتت، فقط علينا أن نعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية التى يتساوى فيها مواطنوها فى الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو العرق وتضمن حقوق الأقليات والطوائف الدينية والعرقية، سنة أو شيعة أو أكراد أو غيرهم من الأقليات التى تعيش فى الوطن العربى، وهذا هو الطريق الوحيد للنجاة من سيناريو التفتت والتقسيم للدول العربية كلها.