اقتصاديون عن ارتفاع الأسعار: محاربة «شبكة الفساد» والبداية مع التجار

11/11/2015 - 12:41:24

تقرير: أحمد جمعة

يرى اقتصاديون أن دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى لتخفيض الأسعار بنهاية شهر نوفمبر الجارى لن تتحقق إلا إذا تكاتفت جهود وزارة التموين باعتبارها المسئول الأول عن ضبط الأسواق مع الأجهزة الرقابية بمواجهة ما وصفوه بشبكات «الفساد وأصحاب المصالح» والتى تبدأ بمحاربة «جشع التجار» ورغبتهم فى تحقيق أكبر فائدة لهم دون النظر إلى الظروف الاقتصادية التى تعيشها البلاد.


وقال خبراء الاقتصاد إن الدولة عليها أن تتشاور مع اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات للضغط على التجار بضبط الأسعار، كما أوضحوا أن الغلاء لا يقف عند «الغذاء» فقط بل امتد ليشمل جميع النواحى سواء السكن أو الدواء والتعليم، رغم انخفاض الأسعار عالميًا بنسب تتراوح بين ٤٠ إلى ٤٥٪.


الدكتور فخرى الفقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والمستشار السابق لصندوق النقد الدولي، أوضح أن دعوة الرئيس تناولت تخفيض أسعار الغذاء فى المقام الأول باعتبارها تشمل نحو ٤٠٪ من إنفاق الأسرة المصرية شهريًا، لكنه لم يتطرق إلى الأمور الحياتية الأخرى التى ارتفعت فيها الأسعار بشكل مبالغ خلال السنوات الأخيرة مثل السكن والدواء والتعليم، والتى تدخل فى ميزانية الأسرة وتشكل عبئا كبيرا عليها.


وأكد الفقى أن تدخل الحكومة بشتى وزاراتها بالتعاون مع جهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة سيُساهم بشكل فعال فى تخفيض نسبى للأسعار التى ترتفع بشكل «غريب» فى مصر، من خلال «اللوجستيات» الموجودة لدى الجيش، وبالتالى فالجيش لديه فائض يعطيه للمدنيين بسعر أقل ٢٠٪ والأمر الذى يعود بزيادة المعروض من السلع فى الأسواق.


لكن أستاذ الاقتصاد يعتقد أن الدولة لن تستطيع بمفردها مواجهة هذا الغلاء مالم يكن للقطاع الخاص دور، مطالبًا الحكومة أن تُدخِل التجار ضمن منظومتها لخفض الأسعار وأن يكون هناك حوار جدى مع أحمد الوكيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية فى مصر، فمن الممكن أن يتخاذل التجار عن المشاركة فى خفض الأسعار على أساس تجاهل الدولة لهم ويتقاعسون عن التعاون معها وبالتالى لن تستطيع الحكومة خفض الأسعار، ومن هنا فلابد أن يشملهم طريق الحكومة ويكون هناك ٣ أبعاد للصورة «حكومة وجيش وتجار».


وأضاف: «ضبط الأسعار سيكون بشكل مؤقت ولن يستطيعوا الاستمرار فى تلك السياسة، وعلى البنك المركزى أن يلعب دورا هاما من خلال سياسات تدعم استقرار النقد الأجنبي، بخلاف أن تقوم الحكومة بدورها فى حل أزمة نحو ١٢٠٠ مصنع متوقف عن العمل، وتقدم البنوك تسهيلات تأمينية وإذا لم تكن هناك سيولة فالبنك المركزى هو الذى يحل مشاكل المتعثرين، الأمر الثانى نحتاج سياسة نقدية مقيدة على المستوى الاقتصادى الكلى بتقليل معدل النمو فى السياسة النقدية التى تضغط على الأسعار وهذا فى يد البنك المركزي».


تقاعس الأجهزة الرقابية


الدكتورة بسنت فهمي، استاذ الاقتصاد بالجامعة الفرنسية، أشارت إلى أن تقاعس الأجهزة الرقابية فى مصر عن أداء دورها جعل الغلاء يستشرى فى الأسواق خلال السنوات الماضية. وقالت: «لو قامت أجهزة الدولة بدورها فلن تكون هناك زيادة فى الأسعار، لدينا الكثير من الأجهزة الرقابية ولم تقم بدورها سواء حماية المستهلك أو حماية المنافسة ومنع الاحتكار، بجانب وزارة التموين المسئولة عن كل هذا وهيّ وزارة حرب».


وطالبت «فهمي» بضرورة الاستغناء عن «الوسطاء» فى تعاقد الحكومة على السلع؛ لأن ذلك يساهم فى زيادة سعر السلع بشكل أكبر، وعلى هيئة السلع التموينية أن تشترى بنفسها مستلزماتها، لأن زيادة الأسعار تتناسب طرديًا مع زيادة عدد «الوسطاء».


وأضافت: «لولا اقتصاد القوات المسلحة والاقتصاد غير الرسمى كان الاقتصاد وقع، لابد أن تقوم الحكومة بدورها. كيف تهبط كل السلع بالعالم بين ٤٠ إلى ٤٥٪ وترتفع فى مصر؟ هذا الأمر مستحيل ومرتبط بشبكة من الفساد والتهريب ولابد من تكسير حلقات هذا الفساد».


وفى هذا السياق، طالبت د. بسنت، بإعداد قائمة ببعض السلع غير الضرورية وتضع مصر عليها جمارك إضافية، وبالتالى هذا الإيراد تدعم به الفقراء، بجانب قائمة أخرى للسلع التى لا تُدعم على الإطلاق، وهذا من حقنا طبقا للقانون الدولى لتخفيض السحب المستمر من الدولار، فالبنك الدولى أعلن من يومين أن نزيف الدولار بدأ يتوقف، كما أن البنوك عليها دور أن تطرح منتجات بالعملة المصرية والدولار المحول لرفع الاحتياطي، على أن تقوم الأجهزة الرقابية بدورها.


ولا ترى استاذ الاقتصاد أن زيادة الأسعار تقف عند المواد الغذائية فقط، فهناك أسعار السكن المرتفعة، حيث اعتبرت أن مصر من أغلى مناطق العالم فى السكن وأرجعت ذلك إلى الاعتماد على البناء بالشكل التقليدى المعتمد على «الطوب والأسمنت والحديد»، فى حين أن أغلب بلاد العالم تعتمد على بيوت سابقة التجهيز وتكون تكلفتها منخفضة بالمقارنة بما يحدث فى مصر.


من جانبه، قال الدكتور صلاح جودة، مدير مركز الدراسات الاقتصادية: إن الشكوى القائمة حاليا من تضخم الأسعار والانفلات الاقتصادى فى جميع الأسعار وعدم قيام الحكومة على السيطرة على جميع السلع والخدمات والسوق السوداء، يعود إلى عدم كفاية الإنتاج، وعدم فاعلية نظام الرقابة على التوزيع، ووجود سعرين للسلعة الواحدة، بجانب عدم عقاب المسئولين المتسببين فى السوق السوداء.


تجربة فرنسا


وقدم جودة حلًا لعلاج الارتفاع المبالغ فى الأسعار يشمل؛ زيادة الإنتاج من السلع المعروضة، ووجود نظام آلى لتوزيع السلع، مع تغليظ العقوبة على الموظف المشارك فى خلق السوق السوداء، وتفعيل دور هيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين والتجارة فى القيام باستيراد السلع التى تحتاجها مصر كما كانت الوزارة تفعل من قبل بدلا من تكليف بعض رجال الأعمال من «المحاسيب» بالقيام بهذا العمل، نجد مثلا أن سعر طن الزيت كان بالأسواق العالمية (٩٠٠دولار)، وتم خفض السعر خاصة بعد أن أفرجت روسيا عن تصدير منتجاتها من الزيت منذ ٢٠١٢ بعد تحسين الأحوال الجوية أى أن الكيلو يكون فى حدود ٠.٩دولار أى ما كان يعادل ٦.٥٠جنيه فلماذا يتم بيعه بسعر ١٤جنيها أى أن المكسب يفوق بنسبة الــ (١٠٠٪) وإصدار قرار مُلزم بتحديد هامش الربح كما حدث فى فرنسا.


وأضاف :»هناك أساليب للسيطرة على الغلاء فى حالة القيام باستيراد أى سلع من الخارج يقوم (الجهاز المصرفي) بتوفير العملة لفتح الاعتمادات المستندية دون إجبار على المستورد بأن يقوم بشراء العملة من السوق السوداء مع التفرقة بين السلع الاستراتيجية والسلع الكمالية والاستفزازية، وفى الحالة الأولى يتم احتساب الدولار بالسعر المقرر بالبنك، وفى الحالة الثانيه يتم احتساب الدولار بمبلغ ١٥ جنيهًا على أساس أن الفرق هو مصاريف توفير العملة».


ويرى جودة أن الدولة عليها أن تتدخل فى حل ارتفاع الأسعار بشكل عام، ولا يقتصر الأمر على المواد الغذائية، فأزمة الدولار الأخيرة تسببت فى ارتفاع سعر الدواء نظرًا لاستيراد أغلبه من الخارج بالعملة الصعبة، بجانب وضع حد للزيادة المطردة فى أسعار مواد البناء.


وأكد جودة أن تدخل الدولة سيكون محاطًا بظروف اقتصادية صعبة، منها زيادة حجم الواردات خلال عام (٢٠١٤) وبدايات عام (٢٠١٥ ) لتصل إلى حوالى ٧٥ مليار دولار سنويا، مع انخفاض خفض قيمة الصادرات ليصل إلى (١٨ مليار دولار) خلال تلك الفترة، وعجز ميزان المدفوعات ليصل إلى حوالى ٢٣ مليار دولار، مع انخفاض إيراد السياحة.


وفى ذات السياق، قال الخبير الاقتصادى رشاد عبده: إن زيادة الأسعار بشكل عام يعود إلى الاستغلال من جانب المستوردين والتجار الجشعين الذين وجدوا أن هناك تهاونا من الحكومة فى التصدى لهم، وأنها لا تفعل شيئا تجاه الأسعار التى زادت مؤخرا، وبالتالى رفعوا الأسعار بشكل يحقق لهم أكبر قدر من الربح.


وأوضح أن الأجهزة الأمنية رفعت تقارير للرئيس السيسى بوجود غضب شعبى من ارتفاع الأسعار فى الأسواق، ومن هنا تدخل الرئيس لتخفيض الأسعار معتمدا على تدخل الجيش والذى بدوره سيلغى دور الوساطة التى تستحوذ على النسبة الأكبر من الربح بالنسبة للخضار والفاكهة؛ بناء على تعاقد الجيش مع الفلاحين بشكل مباشر من خلال أسطول السيارات الخاص به ثم يعرض هذه المنتجات فى منافذه المختلفة وإقامة سيارات متنقلة.


ماذا عن السلع المستوردة؟


«وزارة التموين كانت من الممكن أن تقوم بهذا الدور من البداية لكنها كانت مقصرة فى القيام بدورها، وهيّ تمتلك الأسطول والمنافذ وتؤكد أن زيادة الأسعار ليس من اختصاصها».. هذا ما أكد عليه عبده، مؤكدًا أن الجيش لن يستطيع التدخل فى السلع المستوردة، وهنا تتدخل وزارة التموين باستيراد السلع من الخارج وتحصل على هامش ربح يغطى المصاريف الإدارية فقط وتتم إتاحة هذه السلع للجماهير بهامش ربح ١٥٪ وبالتالى تكون متاحة أمام الجميع.


وطالب عبده الحكومة بضرورة فتح حوار جاد مع اتحاد الغرف التجارية واتحاد المستوردين واتحاد الصناعات للاتفاق على هامش ربح لا يتجاوز ٢٠٪، وهذا موجود فى دول الخليج بدليل أن التضخم فى الأسعار فى السعودية والتى هيّ أغنى دولة عربية ٢.١٪، أما مصر فـ١١٪، لكن الحكومة تتصور أن هذه الاتحادات أقوى منها دائما، بجانب أن يقوم البنك المركزى بتخفيض كمية السيولة فى السوق ويكون الطلب على المنتجات أقل، وطالما الطلب أقل تنخفض الأسعار وينخفض التخضم.


الدواء والسكن


يقول د. رشاد عبده: إن النسبة الأكبر من إنفاق المواطن المصرى تتجه إلى المواد الغذائية، وبالتالى فإن الحد من المصروف على هذا الإنفاق سيجعل الأمر هينًا عليه فى باقى الأمور الأخرى، يأتى بعد ذلك فى الإنفاق التعليم بما يشمله من دروس خصوصية، ثم الإنفاق على الكماليات مثل المحمول، وإن نجحت التجربة التى دعا إليها السيسى سنطالبه بتطبيقها على باقى الخدمات، مشددا على ضرورة تدخل الدولة فى فرض تسعيرة جبرية على الدواء إن لم تلتزم الشركات بسعر مناسب.


الأسعار لم تنخفض


وطرحت وزارة التموين سيارت متنقلة لبيع السلع الغذائية تنفيذًا لدعوة الرئيس السيسى بخفض الأسعار بنهاية الشهر الجاري. وتشهد هذه السيارات إقبالا خاصة فى المناطق الشعبية مثل السيدة زينب فى القاهرة، حيث تتواجد إحدى السيارات والتى تشهد إقبالًا كثيفًا خاصة فى أوقات الذروة ومع خروج الموظفين من عملهم حيث يكون الطلب أكبر على شراء منتجات مثل اللحوم المجمدة والمواد الغذائية الأخرى، حسبما قال مدبولى سعد، العامل بإحدى السيارات، والذى أشار إلى أن السيارة الواحدة تتنقل بين عدة مناطق حيث تواجدوا فى “إمبابة والسيدة زينب والعبور”؛ وهذا يعود لنقص أعداد السيارات التابعة للوزارة ورغبتها فى تحقيق أكبر قدر من الانتشار بالمحافظات.


وتنخفض الأسعار بنسبة تقترب من ١٥٪ عن مثيلاتها بالأسواق والمحال، فى الوقت الذى أكدت فيه “التموين” ان الانخفاض يتراوح بين ٢٠ و٢٥٪.


وأوضح “مدبولي” أن الوزارة أمدتهم بالعديد من السلع التى تهم المواطن مثل “اللحوم والسكر والأرز والزيت والدقيق والأسماك والدواجن المجمدة والصلصة والبقوليات والخضار والفاكهة، وغيرها من السلع الأساسية”.


وعن الأسعار، قال صبحى محمد، بائع بإحدى سيارات وزارة التموين المتواجدة بوسط البلد، إن “كيلو الفراخ يتم بيعه بـ ١٩ جنيها بسعر أقل من المتواجد فى السوبر ماركت التى تبيعه بـ ٢٢ جنيها، بخلاف المنتجات الأخرى، والمواطن يتجه لشراء السلع الرخيصة وبالتالى نشهد إقبالًا كبيرا”.


ورغم مرور ما يزيد على أسبوع على دعوة الرئيس لتخفيض الأسعار، إلا أن الأسعار بالأسواق استقرت عند معدلاتها الطبيعية، حيث قال محمد مصطفى “فكهاني” بسوق سعد زغلول إن أسعار الفاكهة لم تنخفض رغم حملات الحكومة وطرحها لمنتجات فاكهة بالسيارات الخاصة بها، مضيفًا: “أسعار الفاكهة ترتبط بالعرض والطلب والحكومة قد لا تستطيع التحكم بالأسعار لفترة طويلة”.


 



آخر الأخبار