الدكتور جودة عبدالخالق فى حوار الأسبوع: أحذر من استنزاف قدرات الجيش فى توزيع السلع

11/11/2015 - 12:31:09

  الزميلان محمد حبيب ومحمد الحسينى فى حوارهما مع د. جودة عبدالخالق الزميلان محمد حبيب ومحمد الحسينى فى حوارهما مع د. جودة عبدالخالق

حوار يكتبه: محمد حبيب - محمد الحسينى

الدكتور جودة عبدالخالق المفكر الاقتصادى ووزير التموين الأسبق، ليس مجرد أستاذ أكاديمى متخصص فى الاقتصاد وله دراسات ومؤلفات كثيرة، إنما هو رجل يمتلك خبرة عملية واسعة اكتسبها من عمله ١٨ شهرا كوزير للتموين بعد ثورة ٢٥ يناير، وبالتالى فهو يقف على أرض صلبة ويتحدث بالتجارب والأمثلة والأدلة.


الدكتور جودة عبد الخالق حريص على تدقيق كل رقم، والتأكد من كافة المعلومات، يحلل المشهد الاقتصادى بنظرة شاملة، لذا فهو يرى أن قضية ضبط الأسعار تحتاج إلى ٤ محاور هى ضرب الاحتكارات، وضرورة الاهتمام بالإنتاج، وضبط الميزان التجارى وترشيد الاستيراد.


عبدالخالق يحذر من استنزاف الجيش وجرجرته فى مسألة الأسعار وغيرها من القضايا المدنية التى ليست من مهام عمله وقد تؤثر على وظيفة الجيش الأساسية فى حماية الوطن، ويؤكد أن التجارة والبيع والشراء أمور لايمكن حسمها بأدوات أمنية والأفضل أن يتم مواجهة الأسعار بالحلول السياسية من خلال السعر العادل وهى حلول لها مردود على المدى البعيد، أما الحلول الأمنية فلا تحقق شيئاً.. وإلى نص هذا الحوار.


لماذا ترتفع الأسعار فى مصر رغم انخفاضها حاليا فى باقى دول العالم؟


هناك عدة أسباب لارتفاع الأسعار فى مصر، فعلى الرغم من انخفاض أسعار مثل الحبوب والسكر فى الخارج إلا أنها فى مصر لم تنخفض، وهذا سببه طبيعة السوق، حيث يسيطر الاحتكار على السوق المصرى بشكل كبير، وذلك لأن القانون المنظم للأسواق فى مصر وهو قانون المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية قانون هزيل ومنزوع الأنياب، واثبات الاحتكار يتطلب إجراءات تستغرق وقتا طويلا جدا فى هذا القانون، فمثلا يجب تقديم شكوى ثم يقوم الجهاز بفحصها ويجب أن يجد مبرراً لرفع الدعوى، وفى كل الأحوال الدعوة مرهونة بقرار الوزير المختص وهو وزير الصناعة والتجارة، هنا ندخل فى تلافيف الوضع السياسى والاجتماعى، فهذا الموضوع جزء منه سياسى وجزء منه قانونى، ولكن بعد ثورتين الأمر لا يحتمل التعايش مع هذا الوضع، فلا يمكن إدارة الملف الاقتصادى الآن على طريقة نظام مبارك، ولذا يجب تغيير قانون المنافسة ومنع الاحتكار.


النقطة الثانية أن الأسعار فى السوق هى عبارة عن عرض وطلب، إذا نحينا موضوع الاحتكار فإذا اختل التوازن وقل العرض وزاد الطلب ترتفع الأسعار،والنقطة الجوهرية هنا من أين يأتى الطلب من الإنتاج المحلى والاستيراد والإنتاج فى مصر قضية منسية، لا أحد يتحدث عنها، فمثلا برامج التليفزيون لاتتحدث عن الإنتاج، تتحدث كثيرا عن جذب الاستثمار،أما الانتاج فلا تتحدث عنه، واذا حللنا حلقات تداول السلع نجد أن المزارع يحصل على ٢٠ فى المئة من سعر السلعة، فمثلا الطماطم أقصى سعر يحصل عليه المزارع منها جنيهان بينما سعرها للمستهلك حاليا يتراوح بين ٥ إلى ٦ جنيهات، قس على ذلك كل السلع، الفرق هنا يذهب إلى القبضايات من التجار فى أسواق الجملة، فى العبور و٦ أكتوبر والإسكندرية،والمزارع يحصل على عائد قليل من السلعة رغم أن سعر تكلفة الإنتاج عالية جدا لارتفاع أسعار كل المدخلات، وهذا يدخل تحت عنوان واحد لقد أهملنا الزراعة وندفع نحن ثمن هذا الإهمال الآن، فمثلا بنك التنمية والائتمان الزراعى المفروض أن يكون نصير الفلاح لكنه تحول إلى بنك تجارى ليس له علاقة بالفلاح، ونحن نحتاج لتعديل هذا الأمر، والاهتمام بالعملية الإنتاجية فى الزراعة بداية من الرى والصرف الزراعى، ونحن شاهدنا ما حدث فى البحيرة من ارتفاع منسوب مياه الصرف الزراعى ما أدى لاغراق بعض القرى، وهذا يدل على أن بنية الصرف الزراعى متهالكة، ولذلك قلنا كثيرا بدلا من مشروع العاصمة الإدارية الجديدة نتجه إلى تحديث شبكة الصرف المغطى فى الأراضى الزراعية فى الدلتا والوادى،وإذا تم ذلك فمن الممكن رفع الإنتاجية الزراعية بنسبة ٢٠ فى المئة، وبالتالى زيادة الإنتاج، والمعروض مما يسهم فى تخفيض السعر.


ويجب تنشيط دور الجمعيات الزراعية فى مساعدة الفلاح فى التسويق، حيث إن الفلاح لا يستطيع بمفرده تسويق المحصول، لسطوة التجار، ولذا يجب أن تدخل الدولة هنا بذكاء لضبط إيقاع السوق حتى لا تسوده العشوائية.


وماذا عن الاستيراد؟


الاستيراد يتحكم فيه شىء مهم جدا وهو سعر الصرف الخاص بالجنيه أمام الدولار، وكلنا نعلم ما حدث للجنيه، واذا لم ننتبه لحل هذه المعضلة فلن يحدث أى تغيير، فمصر تستورد نحو ٦٠ فى المئة من احتياجتها الغذائية، ويتم هذا الاستيراد بالدولار، فإذا كانت قيمة الجنيه متراجعة أمام الدولار كما هو الآن، فلا يمكن تخفيض الأسعار، وهذه مشكلة ليست قدرا محتوما ولكن يمكن حلها، فمثلا الجنيه منخفض هكذا؛ لأنه يتعرض لضغوط لها سببان بشكل رئيسى وهما العجز فى الميزان التجارى، وهذا حله أن تستخدم الدولة حقها طبقا لاتفاقية» الجات» وكعضو فى منظمة التجارة العالمية والتفاهم مع الشركاء التجاريين الخارجين لاتخاذ تدابير لضبط الواردات من بنود معينة وليس كل الواردات ولمدة معينة، فوزير المالية نفسه يصرخ من عجز الموازنة، حيث قال: «إن هناك تحديات كبيرة تواجه الاقتصاد المصرى وأكد على حتمية إجراء إصلاحات لابد منها، حتى يستقيم الاقتصاد على مسار آمن ومستدام ويتم توليد الموارد المطلوبة للوفاء بالاحتياجات المتزايدة، وبعد ذلك قال إن هذا الأمر محورى»، وهذا الكلام لوزير المالية معناه أن هناك خللاً جسيما بين الإنتاج والاستهلاك، بين الادخار والاستثمار، والادخار قضية منسية أيضا، فمعدل الادخار المحلى لم يصل ١٥ فى المئة من الناتج والنوايا الحسنة للرئيس ووزير التموين فى خفض الأسعار سوف تصطدم مع هذا الواقع.


والسبب الرابع لارتفاع الأسعار هو عجز الموازنة العامة الذى يتولد نتيجة الفرق بين الإيرادات العامة والإنفاق العام على الصحة والتعليم والأجور والدعم ومواكب المسئولين..، فالمصروفات العامة قيمتها ٨٥٠ مليار جنيه والإيرادات العامة ٦٢٠ ملياراً، فلدينا عجز كلى حوالى ٢٣٠ مليار جنيه، يصل إلى ٥٩ فى المئة من إجمالى الناتج المحلى هذا لو صدقت التوقعات الخاصة بالإيرادات.


وكيف يتم تمويل هذا العجز؟


هذه قضية خطيرة، فهذا العجز ليس كل التمويل المطلوب، ولكن هناك أقساطاً للدين العام المحلى والخارجى يجب دفعها وهذه الأقساط قيمتها ٢٥٨ مليار جنيه فالمطلوب ٥٠٩ مليارات وهذا التمويل تدبره الدولة من الموازنة العامة ويتم التمويل عن طريق القروض من الخارج أو الحصول على منح أو الاقتراض من الداخل وبسبب الظروف التى يمر بها العالم كله انخفض التمويل المتاح من المنح والقروض، وهذه أحد أسباب ضغط الوضع الاقتصادى، فالجزء الأكبر لتمويل العجز يتم من خلال طبع أوراق مالية واصدار سندات حكومية، وأذون خزانة وهذا معناه أن عرض النقود يزيد، حيث زاد المعروض النقدى بنسبة ١٦.٥٪ بينما معدل النمو لم يصل إلى ٥٪، وبالتالى المعروض من النقود أكثرمن ٣ أضعاف الناتج القومى والنتيجة هى زيادة التضخم، فالاقتصاد له قوانين حاكمة مثل قوانين الجاذبية فالعرض والطلب والتوازن الاقتصادى يشبه قانون الجاذبية، ولذلك لابد من العمل داخل هذه القوانين الحاكمة، وبالتالى لايمكن تخفيض الأسعار بقرار.


ولكن وزير التموين أعلن أنه ليس مجرد قرار وأن لدى الحكومة خطة لخفض الأسعار بنسبة ٣٠ فى المئة من خلال تقليل الوسطاء من التجار؟


أنا عملت سنة ونصف السنة وزيرا للتموين فى الحكومة، ومع احترامى الشديد لها فإن أدوات الحكومة لمواجهة الأسعار كسيحة، فالجهاز الإدارى فى الدولة «خوَّخ»، وبالتالى لا تستطيع شراء المنتج بصورة واسعة من الفلاحين، وقد قمت بتجريب هذه الآلية وأنا موجود بالوزارة وحدث انخفاض نسبى فى الأسعار، ولكن هذه قطرة فى المحيط فالمجمعات الاستهلاكية ليست فى كل مكان، ومعنى هذا أنه من ناحية العدالة الاجتماعية بعض المواطنين يستطيعون الحصول على هذه السلع لمجرد أنه لا يوجد لديهم مجمع استهلاكى.


كما أن الاستيراد سيتم عن طريق هيئة السلع التموينية وهى لا تستطيع القيام بهذا الدور لعدم امتلاكها القدرات الكافية سواء المكونات أو الكوادر أو التدريب، والهيئة لم يدخلها خريج جامعى على مستوى عال منذ عام ١٩٨٢.


كما أن الموظف يعمل حتى الساعة ٣ ثم يعود لبيته،أما شركات الاستيراد فهى تعمل باستمرار ٢٤ ساعة فى اليوم، وأنا هنا لا أعجز أحدا ولكن هذه هى الحقيقة.


فهذه الألية كسيحة ويجب إدراك هذه الأمور لأننا سنكتشف بعد مرور الشهر أن شيئاً لم يحدث.


وبالتالى لابد أن ندرك الحدود التى تستطيع الدولة العمل فيها حتى مع وجود القوات المسلحة معها، فهناك عقبة الدولار وعقبة الروتين، وهناك مثال فمصر تنتج كميات كبيرة من الأرز يكفى الاحتياجات، بل يتم تصديره ولكن الاحتكار فيه كان يرفع أسعاره، فكان التجار يذهبون للفلاحين ويتعاقدون معهم على شراء الأرز ثم يدخلون مناقصة توريد الأرز ويقومون برفع الأسعار، فى البداية حاولنا التفاهم مع التجار لكنهم لم يستجيبوا وحاولنا إيجاد أداة بديلة وهى الشراء من المزارعين مباشرة من خلال هيئة السلع التموينية ووعدونى أن يجلبوا مليون طن أرز وفى نهاية الموسم لم يستطيعوا سوى شراء ٩٠ ألف طن أرز أى أقل من ١٠ فى المئة من المطلوب، فالمنافسة بين الحكومة والقطاع الخاص فى الشراء غير عادلة وفى صالح القطاع الخاص فى التعامل مع الفلاحين.


هل نحن نحتاج إلى انشاء بورصة سلعية؟


البورصة السلعية من الممكن أن تحل المشكلة جزئيا ولكن فى نهاية المطاف لابد من النظر إلى قضية الإنتاج وأنا أتمنى تخفيض الأسعار ٣٠ فى المئة نهاية الشهر وحينها نعطى نيشانا لوزير التموين؛ لأنه يستحقه، لكن أقول يجب التأمل فى الأمور المطلوبة لتحقيق هذا الانخفاض.


ماهو المطلوب لتحقيق هذا الهدف؟


تخفيض الأسعار ٣٠ فى المئة هدف بعيد المنال،لكن ممكن يحدث لبعض السلع لبعض الوقت ولكن هذا ليس معناه أن واجهنا مشكلة ارتفاع الأسعار لأنها مشكلة تخص كل السلع كل الوقت، فنار الأسعار المشتعلة تتم تغذيتها من خلال العجز فى الميزان التجارى للدولة وهذا يرجعنا لأهمية وجود ادارة مسئولة عن الاقتصاد، فلا توجد جهة فى مصر لإدارة الاقتصاد ولا أحد يدير الاقتصاد المصرى.


هل تطالب بعودة وزارة الاقتصاد؟


بالتأكيد يجب أن تكون هناك هيئة للاقتصاد، فالاقتصاد المصرى متفرق بين عدد من الوزارات فوزير المالية مثلا يكافح من أجل خفض عجز الموازنة، ولكن على وزارة الصناعة والتجارة القيام بدورها، فمثلا لو لدينا وزارة اقتصاد تتبعها التجارة الخارجية يمكن ضبط الأمور وتتفرغ وزارة الصناعة للمصانع وغيرها، فلابد من وجود جهة لإدارة الأمور الاقتصادية.


فهناك خلل جسيم فى تحصيل ضرائب الدولة فى ٧٪ من الضرائب العامة هى ضرائب الدولة والباقى تموله ضرائب هيئة قناة السويس وضرائب البنك المركزى وإذا نظرت إلى ضريبة القطاع الخاص تجدها “فكة” على الرغم من اعتراف الحكومة أن ٧٥٪ من الإنتاج يأتى من القطاع الخاص، فهناك خلل كبير جدا وبعدما قام الرئيس بوضع قانون الضريبة على الأرباح الرأسمالية للبورصة تم تجميده ٣سنوات وهو ما يدل على غياب الرؤية الاقتصادية، ولابد من إعادة تفعيل دور المجلس الأعلى للأجور لربط زيادة الأسعار بالأجور.


على ذكر الضرائب هل من اللائق والحكومة تتحدث عن خفض الأسعار أن تعد قانون ضريبة القيمة المضافة التى سوف ترفع الأسعار باعتراف وزير المالية نفسه؟


هذه الضريبة سوف تؤدى إلى زيادة حصيلة الضرائب بحوالى ٣٠مليار جنيه كما قال وزير المالية، وهذا المبلغ يأتى من تحصيل ضريبة على السلعة فى كل مراحل إنتاجها، وهذا بالتأكيد سيؤدى إلى زيادة الأسعار ولكن وزير المالية يريد تعويض عجزالموازنة بأى شكل وهذا أمر سيئ لأننا فى جوهر الأمر نتجاهل قضية أن أى اقتصاد يسير فى مسار آمن ومستدام لابد أن تكون قضية الإنتاج هى محور الارتكاز لتحقيق العدالة الاجتماعية والتى تعتبر الصيحة الكبرى لثورة ٢٥ يناير ولكى تقنع المواطنين أن ما يتم هو فى صالحهم لابد من وجود العدالة الاجتماعية.


هل الدعم يؤثر على الموازنة العامة للدولة؟


أنا لن أتحدث عن أى أرقام للدعم فى الموازنة، أنا سأتحدث عن رقمين فقط وهما دعم تنمية الصعيد ودعم الصادرات، فالصعيد به ٤٠ مليون شخص ويحصلون على ٢٠٠ مليون جنيه دعم، يعنى كل شخص نصيبه ٥جنيهات، فى حين أن دعم تنمية الصادرات وصل ٢.٦مليار جنيه، يتم توزيعه على أشخاص يعدون على أصابع اليدين.


البعض يرى أن خفض دعم الصادرات من ٤ مليارات جنيه إلى ٢.٦ ملياراً ..أحد الأسباب التى أدت إلى تراجع الصادرات المصرية؟


هذا كلام غير صحيح فاذا نظرنا إلى آلية دعم الصادرات نجد أن هناك تلاعب كثير يتم، و بعض الشركات تصدر منتجات بأسعار أقل من تكاليف الإنتاج وعينه على دعم الصادرات؛ لأنه يحصل على مبلغ مقطوع، فدعم الصادرات لا علاقة له بخفض التصدير، ودعم الصادرات يكون عن طريق ضبط السوق من خلال مكونات الإنتاج وضرب عناصر الاحتكار المتركزة به.


هل يمكن أن يتم تخفيض الأسعار بقرار فوقى من دون الجلوس والتفاوض مع التجار؟


بالطبع لابد من الجلوس مع التجار والغرف التجارية، وحينما كنت وزيرا طالب الكثيرون أن أحدد تسعيرة جبرية، وهذا عبث لأنه لا توجد آليات لفرض تسعيرة جبرية فما حدث للحكومات منذ عهد السادات وحتى الآن جعل فرض تسعيرة جبرية نكتة سخيفة.


والحكومة ليست اللاعب الوحيد، ولكن اللاعب الأهم، فقمت بالاجتماع مع اتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية وكانوا متخوفين منى جدا، ولكنى أقنعتهم بأهمية التعاون لمصلحة البلد وقلت لهم لا يوجد تسعيرة جبرية ولكن يجب أن يكون هناك سعر عادل للمنتجات والسلع ووافقوا على هذا الأمر، فالسعر العادل مبنى على تقدير للتكلفة بالإضافة لهامش ربح معقول ويكون السعر فى متناول المواطن العادى يستطيع تحمله .


لذا يجب الا تتجاهل الجكومة الصناع والتجار، فأنا معترض على هذا المنطق؛ لأن هذه ليست سياسة والسياسة هى التحدث مع كل الأطراف والتواصل مع الجميع؛ لأنه فى لحظة ما من الممكن أن يحدث لأحد الأطراف مشاكل،وبالتالى لابد من الاتفاق على سعر عادل لكل الأطراف من خلال آليات محددة وبالتفاوض.


ما هى الآلية لإلزام التجار بالسعر العادل؟


الآلية هى أنى أضمن لهم ربحاً عادلاً ولا أحاربهم فى رزقهم وإلا فإن المركب ستغرق بالجميع .


فإذا قام التجار بزيادة الأسعار فالمواطنون لديهم ميزانية محدودة، وبالتالى «هيبدى حاجات على حاجات» أخرى وهنا يخسر التاجر جزءاً من السوق، من ناحية أخرى وأيضا التعامل مع كل المتغيرات والمعادلات فى السوق مثل الاحتكار وتنظيم السوق وتنظيم العملية الإنتاجية وضبط سعر الصرف والتعامل مع عجز الموازنة، فهذه أربعة محاور يجب أن تعمل عليها الحكومة لضبط الأسعار.


كيف ترى تدخل الجيش فى عملية ضبط الأسعار؟


أنا شخصيا أثمن قدرة وتفانى القوات المسلحة لأنى تعاملت معهم وهذا واقع بدليل إنجاز مشروع قناة السويس الجديدة فى وقت قياسى كما أذكر بالتقدير والعرفان مساعدتهم لنا فى وزارة التموين فى حل مشاكل عويصة عندما كنت وزيرا للتموين فى الفترة من فبراير ٢٠١١ إلى أغسطس ٢٠١٢ فكان من الممكن حدوث مجاعة فى بعض الأماكن لولا تدخل القوات المسلحة.


ولكن هنا أقول إن الوضوح والشفافية من أساسيات الحكم الرشيد، وأى إسناد للقوات المسلحة يتم بالأمر المباشر وبالتالى شكوك حول الشفافية وهذا يؤثر على المؤشرات الدولية لمصر من جانب المؤسسات الدولية التى تراقب الشفافية، والحكم الرشيد، وأعرف أن هذه قضية حساسة ولكنى أعرف أن مصلحة القوات المسلحة ومصلحة الشعب المصرى والحكومة المصرية تستدعى مراجعة مثل هذه الممارسات وهذا كلام واضح لابد أن يعلن وأسأل عنه.


وأنا بكل كيانى مع القوات المسلحة وحزين جداً لأنه لم يتح لى أداء الخدمة العسكرية ولكن كل فرصة لخدمة مصر أنتهزها لتعويض عدم اداء الخدمة العسكرية.


والجيش له هيكلية مبنية على التراتبية، وهذا أمر مختلف تماما عن العملية السياسية،وميزانية القوات المسلحة هى ميزانية السطر الواحد مكتفين ببند أمن وعدالة ودفاع ولا يوجد تفاصيل وأنا لا أشكك فى ذمم الجيش وأنا تعاملت مع المشير طنطاوى وهو رجل محترم جدا وهذه شهادة للتاريخ ولكن هذه قصة أخرى فنحن هنا نتحدث فى السياسة وأمر آخر أن إدخال القوات المسلحة فى أمور كثيرة من الممكن أن يؤدى إلى استنزاف القوات المسلحة فى أمور ليست من مهامها الأساسية فإدخالها فى مسألة جلب سلع تموينية من الخارج وشفط المياه من الشوارع وجرجرتهم لمثل هذه الأمور يؤدى لهدر طاقتهم ولكن قيامهم بتوزيع الفائض الإنتاجى لديهم للشعب أمر عادى ولكن أرى فى التصريحات الأخيرة المتعلقة بخفض الأسعار أمراً أكبر من هذا وأنا أحذر من استنزاف القوات المسلحة،كما أن التوسع فى الاعتماد على الجيش سيؤدى إلى إزاحة كيانات مدنية من المفروض أن تقوم بهذا العمل سواء حكومة أو شركات، وأطالب بمنتهى الوضوح أن نتجنب جر القوات المسلحةإلى العمل المدنى.


وحرصا على القوات المسلحة وعلى الشعب والدولة أن نجد الحلول بدلا من الاستسهال والاعتماد على القوات المسلحة وهذا له ضريبة وهى أن الكيانات المدنية التى لا تعمل ستكون غير جاهزة ويصيبها الضعف.


وزير الداخلية اجتمع مع التجار وقرروا تخفيض الأسعار ١٠ بالمئة هل من الممكن أن يساعد ذلك فى حل الأزمة؟


كنت أتمنى أن يقوم بالاجتماع مع التجار وزير التموين وما أخشاه هو إضعاف مناعة الجسم المدنى للدولة، فالفكرة كلها أن التجارة والبيع والشراء لايمكن حسمها بالأمن هناك إدارة اسمها الإدارة العامة لمباحث التموين أكذب عليك لو قلت لك من خلال التجربة أن هذه الإدارة استطاعت كشف كل شىء أو أن تضع حدا لما يجرى من وراء القانون، لأننا نتحدث عن سوق سوداء فى الظلام وما يتم اكتشافه هو جزء صغير جدا وأنا أفضل أن يتم العمل بالسياسة من خلال السعر العادل،والتى لها مردود على المدى البعيد، أما الحلول الأمنية فلا تفعل شيئاً،الأداة الأمنية قاصرة وغير سياسية المطلوب تنمية الآليات المدنية فى المجتمع وتنشيط العملية السياسية باستمرار والتحدث مع جميع الأطراف ولايتم أخذ قرارات فوقية يفاجأ بها الناس.


وتدخل وزير الداخلية هو تعامل أمنى وأنا أريد ترغيب التجار لخفض الأسعار وأحذر من التعامل الأمنى فى ملف الاقتصاد ولكن لابد من تفعيل القانون وضبط قواعد الأسواق.


وأن يكون تدخل «الداخلية» فى إطارمواجهة الانحراف والجريمة الاقتصادية وأن يكون الوازع بالضمير هو الأساس فى منع الجرائم الاقتصادية.


تحدث الجميع عن أسعار السلع فماذا عن ارتفاع أسعار الخدمات ومواجهته؟


بالفعل أسعار الخدمات فى مصر مرتفعة للغاية خاصة بعد تحويل الجهات المقدمة للخدمات من هيئات إلى شركات وهذه الشركات تبالغ فى الربح ولا يوجد رقابة عليها وهو ما يزيد معاناة المواطنين، لذا يجب مواجهة ذلك.


هل اختيار طارق عامر محافظا للبنك المركزى سوف يؤدى إلى خفض الدولار وبالتالى يساهم فى ضبط الأسعار؟


طارق عامر قادم على خلفية واضحة أن هشام رامز محافظ البنك المركزى قد استقال أو أقيل، بسبب ارتفاع سعر الدولار وبالتالى يجب على عامر ضبط سعر الصرف وأن عليه التنسيق مع الحكومة وأعتقد أنه يستطيع القيام بهذا وهو يمتلك خبرات كبيرة فى القطاع المصرفى وكنت أتمنى أن يكون محافظ البنك المركزىاقتصادياً. لأأن البنك المركزى هو قدس الاقداس بالنسبة للاقتصاد، ومن ثم يحتاج الى اقتصادى على دراية شاملة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى مصر.


ما رأيك فى تبعية الشركة القابضة للصناعات الغذائية إلى وزارة التموين؟


عندما كنت وزيرا رفضت ضم الشركة القابضة الغذائية الى وزارة التموين، فأنا مقتنع أن الحكومة لا تستطيع ادارة شركات، هذه ليست مهمتها ولا دورها، كما أن هذه الشركات لها قانون خاص تعمل من خلاله مختلف عما يطبق فى الحكومة وكان من الأفضل أن تظل بعيدة عن وزارة التموين.