د. فاروق أبو زيد: «الحرية العرفية» حوّلت «الميديا» إلى فوضى

11/11/2015 - 1:42:34

  د. فاروق أبوزيد فى حواره مع محرر «المصور» عدسة: ناجى فرح د. فاروق أبوزيد فى حواره مع محرر «المصور» عدسة: ناجى فرح

حوار: محمود أيوب

الدكتور فاروق أبو زيد العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، ونائب رئيس جامعة مصر الحديثة كشف فى هذا الحوار عن الأسباب الرئيسية وراء الانفلات الاخلاقى والمهنى فى وسائل الإعلام وتحديداً الفضائيات الخاصة وكيفية معالجتها كما فعلت بعض الدول المتقدمة، فإلى نص الحوار :


ما تقييمك للإعلام منذ ثورة يناير وحتى الآن؟


بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ارتفع سقف الحرية فى الصحافة والإعلام إلى أبعد الحدود، ولم تكن هناك أية قيود على الإعلامى سواء كان صحفيا أو إذاعيا أو تليفزيونيا أو فضائيا أو حتى فى وسائل التواصل الاجتماعى “فيسبوك” و”تويتر”، فأصبح الجميع يعبر عن وجهة نظره كما يشاء. والمشكلة أن الحرية تعانى من مأزقين تاريخيين الأول، أنها حرية عرفية حتى هذه اللحظة، وعرفيه بمعنى أنها لم يسندها تشريع قانونى يؤكدها أو يثبتها، بحيث يكون حماية لهذه الحرية ولا يستطيع أى مسئول أو سلطة أن تلغيها فى لحظة، وهذا ما وجدناه وقت حكم جماعة الإخوان الإرهابية عندما بدأوا فى تقييد حرية الصحافة، وبالتالى فإن عيب الحرية العرفية أنها من الممكن أن تزال ويعتدى عليها، لأنه لا يوجد قانون يحميها.


وماذا عن المأزق الثاني؟


المأزق التاريخى الثانى لهذه الحرية التى تمتع بها الإعلام بعد “٢٥ يناير” أنها إذا أخذت وحدها فى النظام الإعلامى الديمقراطى تتحول إلى الفوضى، لذا لابد للحرية أن يواجهها فى التشريع مسئولية.. تعطى للإعلامى كل حقوق الحرية وفى نفس الوقت توفر الحماية للمواطن سواء كان رئيسا للجمهورية أو خفيرا من تغول الإعلام على حياته وحقوقه ومسئولياته، لأن المثل الأعلى الديمقراطى أو الليبرالى الذى يسمح بالحرية كاملة تفعل ما تشاء يوقف هذه الحرية عندما تمس حياة الآخرين.. وبالتالى فإن الفترة من ٢٠١١ إلى الآن أراها حرية عرفية مست حقوق الآخرين وشكلت اعتداء على حرياتهم وهذا غير مقبول، فمثلا أن تقتحم مذيعة حياة طالبة جامعية وتكشف أسرارها بدون موافقتها، وحالة التلاسن بين الصحفيين والإعلاميين والتى وصلت حد الشتائم، وكلها غير مقبولة اجتماعيا ولا أخلاقيا ولا قانونيا، والخروج من هذا المأزق صعب حاليا لأن القضاء لدينا مشغول بقضايا الإرهاب، وبالتالى فإن قضايا الإعلام تأخذ وقتاً طويلاً، وعندما يُعتدى على المواطن من قبل الإعلام يتحرج فى أن يرفع دعوى قضائية على الصحفى أو الإعلامى، لأن الإعلام بدأ يدمر حياته بل يتعمد تدميرها لعلمه أن القضاء “حباله طويلة”.


من وجهة نظرك.. لماذا لم تفكر الدولة فى عمل تشريع يقضى على الانفلات الإعلامى ويصون الحرية؟


هذا السؤال يمكن أن يوجه للدولة، خاصة أن الدستور أكد حرية الإعلام ومثاليته، ومن ضمن ما أقره الدستور هو إنشاء هيئة وطنية للإعلام تصدر تصاريح الصحف والقنوات والإذاعات وتضع الضوابط لهذه المسئولية، فضلا عن تأسيس هيئة وطنية للصحافة تدير الصحافة القومية وهيئة وطنية للإذاعة تدير اتحاد الإذاعة والتليفزيون، ومنذ أن تم الاستفتاء على الدستور لم تتحول هذه المبادئ إلى قوانين. والحكومة قدمت قانوناً بمشاركة الجماعة الإعلامية الممثلة فى المجلس العلى للصحافة ومجموعة الإعلاميين القائمين على مشروع نقابة الإعلاميين وعدد من الخبراء وحتى الآن لم يصدر، فالجماعة الإعلامية بذلت جهداً وحاولت، وباقى دور الدولة فى التصديق على هذا القانون، وحالة الإنفلات ستستمر حتى تصدر هذه القوانين عن طريق مجلس النواب أو يصدرها رئيس عبد الفتاح السيسي.


ذكرت أن ما يحدث فى الإعلام حاليا سيزداد سوءًا اكثر مما هو عليه.. لماذا؟


طالما أنه ليس هناك قانون ستزداد الفوضى، بالفعل تحول بعض هذه الحرية إلى شكل من أشكال الفوضى والألفاظ غير اللائقة من “شتائم” واتهامات وتدخل فى الحياة الخاصة للمواطنين، حتى وسائل الإعلام تهاجم بعضها البعض ولا يوجد احترام لأى تقاليد مهنية وأخلاقية والأمر الثانى أنه ليس هناك تدخل تشريعى حتى الآن لتنظيم هذه العملية.. ومن وجهة نظرى أن تحويل هذا التشريع لمجلس النواب الذى يعبر عن قوة اجتماعية مختلفة وله وجهات نظر لن يدافع عن حرية الإعلام ؛ بل بالعكس سيسعى إلى تقييد حرية الإعلام، لأن المشهد الذى رآه فى الخمس سنوات السابقة من تغول فى الحريات تحول إلى فوضى جعله مُعقداً من الحرية، ولهذا أتوقع أن يكون أغلب أعضاء مجلس النواب ضد حرية الإعلام، وستكون هناك معركة صعبة جدا. فليس الرأى العام فقط هو من غضب من الإعلام؛ لكن الرئيس والسلطة لديهم موقف من الإعلام نتيجة لممارساته.


هل من الممكن أن يدخل الرئيس السيسى فى مواجهة مع الإعلاميين والصحفيين كما حدث من بعض الرؤساء من قبل؟


لا أتوقع هذا لأن العالم تغير ووسائل الإعلام تغيرت والتكنولوجيا فى وسائل الاتصال اليوم لا توجد سلطة فى العالم استطاعت أن تعمل “كنترول” عليها فهى وسيلة إعلام متكاملة وجديدة مثلها مثل باقى وسائل الإعلام، وأصبح كل مواطن إعلاميا، وبالتالى لا توجد وسيلة تقاوم هذا، وحتى هذه اللحظة لم تستطع أى دولة أن تعمل ميثاقا لأخلاقيات الإعلام التكنولوجى أو تضبطه.. ونحن كأساتذة إعلام بدأنا عمل علم جديد اسمه “التربية الإعلامية” بعد أن فشلنا فى مواجهة الإعلام التكنولوجى، وهدفنا أن المواطن هو الذى يختار الإعلام بنفسه عن طريقة التربية فى المدارس والجامعات على كيفية التعامل مع الإعلام.. والرئيس السيسى يعلم جيدًا أن عالم الإعلام التكنولوجى تقدم وأنه لا أحد يستطيع أن يضع كنترولا عليه أو يقهره، لأن هذا أصبح مستحيلا عمليا.. فالرئيس السيسى لا يمكن أن يفعل ذلك لأنه متبنى ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يوينو ومصالح الشعب ومدرك أنه حقق أكبر شعبية فى تاريخ مصر بعد عبد الناصر وهو حريص على هذه الشعبية، وبالتالى لا يمكن أن يمنع الحرية، وهو حريص عليها ولديه طموح أن يحدث تغيرا جذريا فى مصر ويفكر أن يفعل مثل ما فعل محمد على وجمال عبد الناصر حتى تكون دولة زراعية وصناعية.


فى رأيك.. ما الذى يمنع وضع ميثاق شرف للإعلاميين؟


لا يمكن أن يكون هناك ميثاق شرف للإعلاميين بدون عمل نقابة لهم تدافع عن مصالحهم وفى نفس الوقت تحاسب المتجاوزين منهم، لكن الحكومة لا تريد عمل النقابة، أما أخطر تنظيم حاليا هو ما أسسه ملاك القنوات والمسمى بـ”غرفة صناعة الإعلام” وهو من أصدر حكماً بمعاقبة رئيس نادى الزمالك المستشار مرتضى منصور” بعد التجاوز.. وهذا ليس من حق هؤلاء لأنهم ملاك لقنوات والمفترض أن من يقوم بذلك “نقابة الإعلاميين”.


وإذا كانت النقابة غير موجودة فمن المسئول عن منع الظهور فى الإعلام؟


لا يوجد سوى القضاء، والنقابة المفترض أن تُنشأ لمواجهة “غرفة صناعة الإعلام”، لأن الغرفة هى المُلّاك، هى من يعينك ويفصلك، ودورى كنقابة أن أقف ضدها، الآن هناك أكثر من قناة تقوم بفصل أعداد كبيرة من العاملين بها وبعضها سيُغلق، من سيدافع عن هؤلاء؟، فالغرفة تعبر عن الملاك “الرأسماليين” لكن المخرجين والإعلاميين والمعدين من المسئول عن الدفاع عنهم “النقابة”؛ لكنها غير موجودة.


هل تعتقد أن الرقابة على الإعلام ستؤثر بالسلب كما يصوره لنا بعض الإعلاميين أم أن لها جوانب إيجابية؟


فى كل الدول الديمقراطية الرقابة “مُحرمة” بمعنى أنها جريمة، فالدولة التى تفرض رقابة على وسائل الإعلام مجرمة وكل منظمات حقوق الانسان على المستوى الدولى ومنظمة الأمم المتحدة تحاسبها والرأى العام الدولى يحاسبها ومن حقه أن يقاطعها، فجانب من الرفض أو من انتقادات المجتمع الدولى لإيران وبعض الدول الديكتاتورية كان جزءا من سبب انهيار صدام حسين ومعمر القذافى، فلم يجدا من يدافع عنهما نتيجة الرقابة التى فرضاها على الإعلام.. إذنا الرقابة على الإعلام جريمة لأنها من المفترض أن تكون ذاتية؛ ولكن متى تكون ذاتية عندما يكون الشعب مدرباً ومثقفاً وأن يكون لدى المواطن أدوات للضبط وليس للرقابة.


كيف يمكن أن نحمى قيم المجتمع وفى نفس الوقت نكفل حرية التعبير فى كافة وسائل الإعلام؟


حماية قيم المجتمع وحرية التعبير ليستا متعارضتين؛ ولكنهما متكاملتان فى المجتمع الطبيعى وليس المجتمع الاستثنائى، وكما تحدثت من قبل لابد أن يكون لدينا قانون إعلام يحدد حقوق الإعلامى وواجباته ولدينا نقابات مثل نقابة الصحفيين، ونقابة للإذاعة والتليفزيون، ونقابة لمن يعملون فى الإعلانات تفعل ميثاق شرف تحاسب به أعضاءها، ومن يخالف القانون يحاسبه القضاء ومن يخالف ميثاق الشرف تحاسبه النقابة.


ومتى يمكن للمجتمع أن يكون شريكا مع الدولة فى مواجهة الإنفلات الإعلامى؟


لهذا أشرت إلى العلم الجديد الذى نسميه “التربية الإعلامية” فالمجتمع يلعب دوره بأكثر من وسيلة ويمكن أن يستفيد من تجارب الدول الأخرى، وهذا العلم يجعل المجتمع يختار الميديا المناسبة لمشاهدتها عن طريق تعليم معايير يتلقاها فى المراحل التعليمية، وبالتالى لابد أن نعلم الشعب كيف يختار الإعلام سواء كان مسموعاً أو مرئياً أو مقروءاً، هناك أيضًا فى بعض الدول ما يسمى جمعيات المواطنين مثلها مثل الجمعيات الأهلية تتابع التجاوزات التى تحدث فى الميديا، ولدينا مثل هذه الجمعيات؛ لكنها غير مفعلة، فضلا عن وجود وسيلة إعلام متاحة وسهلة وهى “الفيسبوك”، وأيضًا هناك قوة أخرى وهى الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية فمن حقهم أن يرفعوا قضايا على القنوات والصحف التى تتجاوز حدودها وتخرج عن ميثاق الشرف الإعلامى.


كيف ترى علاقة المال بالإعلام؟


من يتحدث عن أن المال هو السبب الرئيسى فى انفلات الإعلام غير صحيح بالمرة، لأن المال هو روح الحياة للإعلام فمن غير المال تغلق الصحف والقنوات، وكلما صرفت على الوسيلة الإعلامية أكثر كانت بجودة عالية، إنما المال له ضوابط؛ لكن متى يصبح المال خطراً عندما يقوم رجل أعمال بعمل وسيلة إعلامية من أجل منحه نفوذاً ومركز قوة لتسيير مشروعاته، ولو لدينا فى القوانين الإعلامية ما يحدد ضوابط للحرية والمسئولية نستطيع منع رأس المال من السيطرة على القنوات الفضائية، لأن أغلبية رجال الأعمال فى مصر يقومون بعمل وسيلة إعلامية من أجل النفوذ.