د. حسن عماد مكاوى: ترهُّل ماسبيــــــــرو سبب انتشار وشهرة الفضائيـــــات

11/11/2015 - 12:15:31

حوار : سلوى عبد الرحمن

عانت مصر كثيراً من فوضى الإعلام الخاص وانفلات القنوات الفضائية التى يملكها رجال أعمال وتسعى لتحقيق أغراض سياسية ومنافع شخصية، الأمر الذى تسبب فى مزيد من الانحدار فى مستوى الأداء الإعلامى، الدكتور حسن عماد مكاوى، العميد السابق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، شرح تفاصيل الصورة القاتمة والمنفلتة للفضائيات المصرية الخاصة .


كيف ترى الوضع فى الفضائيات المصرية الخاصة؟


انفلات كبير، لكن قبل الحديث عنه، يجب أن نُرجع الظاهرة إلى أصولها، فالإعلام الفضائى فى مصر يخضع للقانون رقم ١٣ لسنة ١٩٧٩ وتعديلاته والذى ينص على أن (الترددات الإذاعية والتليفزيونية هى احتكار لاتحاد الإذاعة والتليفزيون) أى لا يجوز لأى جهة أخرى تقوم بإنشاء وتملك القنوات الإذاعية والتلفزيونية، ولكن منذ بداية التسعينيات من القرن الماضى بدأت كثير من الدول التى لديها قوانين مماثلة لمصر فى تغيير قوانينها وتعديلها لتفسح المجال أمام القطاع الخاص لإنشاء وتملك قنوات إذاعية والتليفزيونية، وهذا نتيجة أن الإنفاق فى الإذاعة والتليفزيون عال جداً ولم تعد الدول الفقيرة تتحمله، وبالتالى بدأت القنوات الرسمية تخرج من المنافسة على المستوى الدولى.


كما ساعد فى ذلك أن الإمكانيات التكنولوجية الجديدة من كاميرات وأجهزة إضاءة وفيديوهات أصبحت باهظة التكلفة فى السنوات الأخيرة ولا تقدر على تحملها الحكومات. بالإضافة إلى أنه بعد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية كقطب أوحد فى السياسة وتدهور الاتحاد السوفيتى، أصبح لدينا قطب واحد يتحكم. ما سمح للاقتصاد الرأسمالى الحر بالتوسع وامتلاك القنوات الإذاعية والتليفزيونية ومن هنا بدأت باقى الدول الكبرى اتباع هذا النهج، وسادت الفضائيات الخاصة فى معظم دول العالم.


مصر دولة لها عادات وتقاليد مغايرة للغرب، لماذا لم تضع تشريعات معينة تحميها من هذا التوسع الذى تحول إلى فوضى؟


الوضع فى مصر ليس صريحا، كان من الممكن وضع سطر واحد بقانون اتحاد الاذاعة والتليفزيون يتيح للقنوات الخاصة العمل بشكل قانونى ورسمى واضح، لكن ما تم أنهم أنشأوا مدينة الانتاج الإعلامى كمدينة حرة، أى لا تخضع للقوانين المصرية وبالتالى تم إفساح المجال للقنوات الخاصة فى هذه المنطقة الحرة، وبدأت قنوات مثل المحور ودريم، ثم جعلوا هيئة الاستثمار الجهة المسئولة لاعطاء التراخيص وهى ليس لديها أى دراية بالشأن الإعلامى وكان كل هدفها الحصول على الأموال من التراخيص وقيمة التردد من النايل سات، وبالتالى نشأت هذه القنوات دون قانون يحميها ودون أن يكون هناك إطار يمكن محاسبتها من خلاله اذا خرجت عن المعايير الأمنية. وفى العقد الأول من هذا القرن كانت هناك ضغوط من الحكومة التى تستخدم أساليب الترغيب احيانا والترهيب احيانا لكبح القنوات الفضائية.


أليس غريبًا أن المسيطر على الإعلام فى مصر رجال مال وأعمال وليسوا رجال إعلام؟


بالفعل رجال الاعمال هم من يسيطرون الآن على الفضائيات وهذا لأن لديهم مشروعات استثمارية كبرى ومن مصلحتهم الاساسية أن يكونوا على توافق مع السلطة الحاكمة. لقد أنشأوا هذه القنوات بهدف تمرير مصالحهم السياسية وليس بهدف تحقيق أى مكسب مادى، وحتى هذه اللحظة لم تحقق أى قناة فضائية مكسباً مادياً فالفرق بين فضائية وأخرى هو قيمة الخسائر التى تحققها فى نهاية العام.


وهل الهدف السياسى يستحق إنفاق هذه المبالغ الطائلة.. وما المردود؟


بالطبع يستحق، فعندما يكون رجل الأعمال لديه استثمار بمليارات ويحصل من الحكومة على أراض بأسعار زهيدة جدا لمجرد أنه يمتلك قناة فضائية، فالأمر يستحق. واذا قمنا بحساب مايحصل عليه رجل الاعمال مقابل الانفاق على القنوات سنجد أن هذه القنوات بمثابة ادارة علاقات عامة للشركات الاستثمارية التى يملكها وترعى مصالحه وتعادى من يعادوه سواء كان وزيرا أو رئيس وزراء.


رجال الأعمال، ملاك الفضائيات يطلقون رجالهم المذيعين على المسئول أو الشخص المغضوب عليه. وفى نفس الوقت يقوم المذيعون بتلميع صاحب القناة لتسهيل دخوله البرلمان. ويجب الاشارة إلى أن أحد الاسباب الرئيسية لسقوط نظام مبارك هو تحالف رأس المال مع السلطة الحاكمة.


بما تفسر اكتساب هذه القنوات شهرة كبيرة بين الجمهور؟


يرجع ذلك الى أسباب عديدة أهمها ترهل قطاع الإذاعة والتليفزيون، وزيادة عدد العاملين فيه من خلال الوساطة والمحسوبية دون أى خبرات وتدريب يكفل لهم العمل فى هذا المجال الحيوى، إلى جانب ديون الاتحاد المتراكمة التى كانت ٧مليارات وأصبحت الآن ٢٣مليار جنيه.


المسئولية مشتركة بين الحكومة والاتحاد نفسه، فالحكومة أحيانا كانت تجبر اتحاد الاذاعة والتليفزيون أن يحصل على قروض من أجل إنشاء مدينة الانتاج الإعلامى رغم رفض الاتحاد وجعلته مساهما فى المدينة بـ٥١٪، كذلك إنشاء النايل سات مقابل نسبة معينة ضئيلة جدا. فتراكم فوائد الديون جعل النسبة التى ياخذها الاتحاد تزيد من الديون عليه لان معظمها خاسر.


والسبب فى تراكم الديون بهذا الشكل هو الاتحاد الذى لم يسدد فى الاوقات المناسبة، والحكومة التى لم تكن تطالبه بهذه الديون وتكتفى بوضعها على الاوراق. هناك تآمر مشترك لان هذه الديون لصالح بنك الاستثمار وهو حكومى.


ويجب أن نشير إلى التدهور المالى والادارى فى اتحاد الاذاعة والتليفزيون وهو ما أفسح المجال للقنوات الفضائية كى تبدع وتتطرق الى موضوعات كان مسكوتاً عنها فى الإعلام الرسمى، ومن هنا زادت مصداقية هذه القنوات عن تليفزيون الدولة، وحققت نسب المشاهدة عالية، وبالتالى استحوذت على النصيب الأكبر من حصة الإعلانات.


لماذا لم يتم تطوير التليفزيون نفسه، بدلا من الشكاوى الدائمة من الفضائيات؟


الأفكار المتطورة موجودة ولكن التطوير ككل يحتاج انفاقا لإحداث إحلال وتجديد ومواكبة ماهو حديث. إمكانيات التليفزيون الحالية فى أغلبها لا تناسب هذا العصر. وهناك فرق ملحوظ عند مشاهدة فضائية خاصة وقناة تابعة للتليفزيون المصرى بسبب التقنيات والكاميرات وغيرها.


ويجب أن أشير إلى أن الدولة تقدم للتليفزيون المصرى شهريا ٢٢٠ مليون جنيه تنفق على الأجور والحوافز والمرتبات الخاصة بالعاملين. لكن السؤال: أين الاموال التى يمكن أن أنفق منها على التجديد أو انتاج مسلسلات وبرامج جديدة واجتذاب كبار الفنانين والمخرجين؟.. الميزانية هنا تتحكم.


لكن هذا الوضع المزرى لتليفزيون الدولة ألم يستفز أحدا من العاملين أو المسئولين؟


حالة الترهل والتراجع أصبحت سمة غالبة فى التليفزيون، لايوجد ثواب وعقاب، ومن يعمل كمن لايعمل، وبالتالى نجد الكوادر المبدعة والتى لديها قدرة على التجديد بدأت تشعر بالاحباط وخيبة الأمل لان القيادات لاتفسح لها المجال.


وفى المقابل فإن القطاع الخاص يفتح لها أذرعه لكى يستقطبها برواتب وحوافز وعروض أعلى بكثير، لذلك سُلب من التليفزيون أفضل ما فيه من كفاءات ولم يتبق إلا القليل من الكفاءات والكثير من العمالة الزائدة.


هل نحتاج لقوانين ضابطة لهذا التدهور فى وضع تليفزيون الدولة؟


بالتأكيد القوانين الحالية عفى عليها الزمن، وعلى سبيل المثال لدينا قانون المطبوعات لسنة ١٩٣٤ وقانون سلطة الصحافة وقانون اتحاد الاذاعة والتليفزيون، ومعظمها مؤيدة للحرية ومكبلة للعمل. وفى نفس الوقت القنوات الفضائية الخاصة ليس لها قانون حاكم، وبالتالى تفعل ما تشاء، لان التعاقد فى البداية مع هيئة الاستثمار لم يكن به أى شروط واذا كانت هناك شروط فكتبت بعبارات مطاطة غير مفعلة وغير عملية.


هل تؤيد وضع قانون ينظم العمل على وسائل التواصل الاجتماعى كموقعى «فيس بوك وتويتر»؟


نحتاج قانونا ينظم التعامل مع القنوات والاذاعات والصحف الالكترونية، أما الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعى فلا يمكن أن يتم التحكم فيها. وقد بدأت الدولة تفكر فى صياغة مشروع قانون موحد ينظم كل وسائل الإعلام فى مصر.


الكثير من القنوات المصرية تقلد نظيرتها الغربية، لماذا لا نستعين بقوانين شبيهة بالقوانين الغربية لحكم هذه القنوات؟


الدستور الجديد الذى تم التصويت عليه وإقراره فى عام ٢٠١٤ يضم عددا من النصوص التى تتيح اكبر قدر من الحرية لجميع وسائل الإعلام ولا تقارن باى دستور آخر. وهناك مادة تنص على أن وسائل الإعلام حرة والرقابة محظورة ولا يجوز وقفها لاى سبب من الاسباب حتى الاغلاق وان كان بحكم قضائى، ولكن هذه الحرية لابد أن يقابلها مسئولية والتزامات، لذلك نص الدستور فى المادة ٢١١ على أن إنشاء المجلس الأعلى للتنظيم الإعلامى وهو المختص بتنظيم وسائل الإعلام ومنح التراخيص للصحف والقنوات الاذاعية والتليفزيونية والمواقع الالكترونية سواء كانت رسمية أو خاصة الى جانب تنظيم وسائل الشبكات الالكترونية.


كما أن المادة ٢١٢ من الدستور تنص على إنشاء هيئة وطنية تسمى الهيئة الوطنية للصحافة وهذه ستكون بديلا عن المجلس الاعلى للصحافة، والمجلس دوره ينتهى وهذه الهيئة يكون دورها للادارة لان المؤسسات الصحفية الحكومية هى مؤسسات مملوكة للدولة ملكية خاصة أى للشعب، ولكن دائما ماكانت ادارتها ضعيفة ومهترئة وغير منصفة. كما أن المادة ٢١٣ من الدستور تنص على إنشاء الهيئة الوطنية للإعلام والتى ستكون بديلا لاتحاد الاذاعة والتليفزيون، وستقوم بنفس الدور الذى ستقوم به الهيئة الخاصة بالصحافة ولكن هنا ستدار ايضا القنوات والاذاعات المملوكة للحكومة بادارة رشيدة تحقق لها الربحية باعتبارها خدمة عامة تنشىء شركات تحقق ارباحا.


القنوات الفضائية باتت مليئة بمذيعين يسبون الجمهور ليل نهار. هل المشكلة فى التدريب وعمل غير المؤهلين فيها؟


من المفترض أن يتم التأهيل والتدريب، بعد أن أصبح كل من هب ودب يعمل فى هذه القنوات من لاعب كرة، لممثل، وعارضة أزياء. أما من درسوا المهنة وأتقنوها لا يجدون عملا. الأمر يجب ألا يطول بعد صدور القوانين المنظمة للعمل الإعلامى.


ماذا عن ميثاق الشرف الإعلامى وتطبيقه فى هذه القنوات؟


فى البداية لابد أن نعرف ميثاق الشرف الإعلامى (هو مجموعة من المبادئ والمعايير الاخلاقية التى تجعل من يعملون بمهنة معينة يلتزمون بهذه المبادئ التزاما طوعيا وليس اجباريا) فاذا افترضنا وجود نقابة للإعلاميين فالنقابة هى المكلفة بوضع ميثاق الشرف، لذلك تستطيع أن تحاسب من يخرج عن القواعد وليس جهة أخرى. والنقابة هى من تحدد من هو الإعلامى ومن الذى يحق له العمل فى مجال الإعلام.


ما رأيك فى رفض بعض العاملين بالفضائيات وجود نقابة للإعلاميين؟


هناك خلاف داخل الفضائيات سببه أن صاحب المنصب فى فضائية ما يخشى أن يحصل على لقب عضو نقابة، مثله مثل الفنى أو التقنى، وهذا الأمر لن يكون فوضويا فالمادة الاولى فى مشروع نقابة الإعلاميين تنص على أنه لابد أن يكون العضو حاصلا على دورات تؤهله وتقرها النقابة ثم تعطيه رخصة بأنه إعلامى.