ياسر عبد العزيز: الأموال المجهولة أغرقت “الإعلام” وممارساته شديدة السوء

11/11/2015 - 12:06:06

حوار: رانيا سالم

فى ظل الفوضى الإعلامية، التى تنتاب الشارع هذه الأيام، يظل السؤال الحائر: كيف نخرج من هذه الدائرة الجهنمية التى باتت الشغل الشاغل للناس؟. وحتى يكون الكلام فى محله، التقت “المصور” الخبير الإعلامى، ياسر عبد العزيز، الذى وضع مجموعة من الآليات يعتقد أنها تحدّ من هذه الفوضى.


كيف تقيم الإعلام المصرى المسموع والمرئى؟


الإعلام المصرى يعانى أزمة حقيقية، تتفاقم فى الممارسات الإعلامية الحادة والسيئة، كما تبرز بشكل كبير فى بعض المعالجات التى تلقى نقدا ونفورا جماعيا من قبل المشاهدين، وتارة أخرى تختفى خلف كم القضايا والمشاكل اليومية التى تبعد الجماهير عن سوء الممارسة الإعلامية.


وما طبيعة الأزمة التى يعانى منها الإعلام المصرى؟


الأزمة أننا لا نملك معايير حاكمة للأداء تضبط الممارسات الإعلامية التى تقدم عبر شاشات التليفزيون أو المحطات الإذاعية، فرغم أن الدستور يتضمن أكثر من مادة عن الإعلام كمواد ٦٨ الخاصة بتداول المعلومات و٧٠ التى تتناول عقوبات الإعلام العام، و٧١ الخاصة بالحياد الإعلامى، لكن هذه المواد لم تنعكس أو تترجم فى قوانين وتشريعات تنظم الأداء الإعلامى وتبقى بعض مواد قانون العقوبات الخاصة بالسب والقذف وانتهاك الحياة الخاصة، وهى فى الغالب غير مفعلة، ولا تطبق وغير مجدية، وفى الغالب تكون البراءة هى الحكم الأخير لمثل هذه القضايا.


والحل؟


وضع قانون تنظيمى يحكم آلية الممارسة الإعلامية ويضبط أداءها، يحدد على سبيل المثال ملكية الوسيلة الإعلامية، العاملين بها، الممارسات الإعلامية، عقوبات الخروج عن آليات القانون المنظم، وفى جزئية الملكية نجد على سبيل المثال أن الإعلام الحكومى هو الإعلام الوحيد الذى نعرف مصادر تمويله، أما وسائل الإعلام الخاصة فهناك مزج بين نسب المساهمين الاسمية وبين النسب الفعلية لأسهمهم.


تقصد مصادر تمويل الإعلام الخاص؟


بالتأكيد، فمصادر صياغة وتمويل الإعلام بعد ثورة ٢٥ يناير أصبحت غير معلومة المصدر، فالأموال أغرقت صناعة الإعلام داخل مصر، وهذا الإغراق هو ما ندفع ثمنه فى صورة ممارسات شديدة السوء وحادة، فهذا الإعلام يبحث عن الحقائق السوداء وأقمشة شرعية لتغطية مصالح سياسية أو اجتماعية، فهى لا تبحث عن مضمون أو جدوى وإنما عن آلية للحشد والتعبئة، مثل هذا الإعلام الخاص يمثل إرهاقا لوسائل الإعلام الأخرى التى تقوم على أساس البحث عن الجدوى الإعلامية.


هل هذا يعنى أن عدم وجود قانون لتنظيم صناعة الإعلام هو المسئول الأوحد عن الأزمة؟


لا، هناك عناصر أخرى مجتمعة تضافرت جميعا ليصل الإعلام بهذا القدر من السوء والانفلات، منها سوء التغطيات الإعلامية وتدنى مستواها وتحولها إلى وسيلة للتعبئة أقرب لإعلام السبعينيات وهو ما تسبب فى غياب التعدد والتنوع فى التغطيات المقدمة.


ومعالجة الإعلام المصرى سواء الحكومى أو الخاص لحملات التشويه المتعمدة لمصر خير دليل، فعندما نتعرض لهجمات حادة من دول إقليمية ودولية يتم خلالها التربص واستهداف كل مواقف الدولة المصرية، هذه الهجمات أخذت طابعاً إعلامياً، كما شاهدنا فى تغطية قناة الجزيرة وبعض وسائل الإعلام الدولية، نجد فى المقابل الإعلام المصرى وبعض الإعلاميين غير المهنيين يتعاملون بحس شعبى مع الحملة وبقدر من التعبئة والحشد والتهكم قد تصل إلى السباب والشتائم، ليغيب عن هذه المعالجات التغطيات الإعلامية التنوع والتعدد.


ويتحول الإعلامى أو المذيع إلى الأكثر شهرة عندما يكون هو الأكثر تقديما لممارسات إعلامية حادة “الأكثر فرقعة” ليكون برنامجه صاحب أعلى نسب مشاهدة والأكثر مشاركة من قبل الجمهور.


لكن هؤلاء الإعلاميين لديهم معرفة بآليات ضبط العمل الإعلامى، فعدد كبير منهم امتهن الصحافة فى الأساس؟


هناك عدد ممن يظهرون على شاشات التليفزيون عمل فى الصحافة لا يمكننا أن ننكر ذلك، لكن هل لديهم علم بمعايير وآليات ضبط الممارسات الإعلامية؟، من وجهة نظرى لا، لأنهم يطبقون باحترافية بالغة الوصف كل الآليات والممارسات الإعلامية السيئة الحادة، فاعتبارات أخرى تحكمهم كالانتهازية والمصلحة والرغبة فى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة حتى على حساب ما يقدموه.


وهناك آخرون ممن عملوا فى المجال الإعلامى دون تدريب أو تأهيل ودراسة، وبالتالى ليس لديهم فهم لمثل هذه المعايير والإرشادات التى يجب أن تطبق فى الممارسة الإعلامية، فالبعض يخلط ما بين المهنية والوطنية ويعتبر نفسه جنديا عن كونه صحفيا أو إعلاميا يمارس مهنته بقدر من الموضوعية، وهناك من يرون أنفسهم فلاسفة وقادة سياسيين.


وماذا عن دور المنظومة الإعلانية؟


الإعلان أحد أهم العناصر المسئولة عن أزمة الإعلام المصرى، بل انها الآفة التى أصابتها وتحولت إلى عنصر متحكم وقوى فيما يقدم خلال السنوات الماضية.


كيف؟


عندما يتم وضع آليات إدارة المنظومة الإعلامية فى قبضة ٥ شركات إعلانية، تبلغ عائدات الإعلانات السنوية فى مجال الإعلام ما بين ٤ إلى ٥ مليارات جنيه، والأكثر أن هذه الإعلانات أصبحت تمتلك وسائلها الإعلامية وبالتالى أصبحت هى المتحكمة فى توجه ومضمون المقدم لخدمة مصالحها، فهى لم تعد تتصارع فقط على كعكة الإعلانات، بل إنها أصبحت مالكة لقنوات بأكملها.


والمتلقى ..هل لايزال سلبيا فيما يقدم على وسائل الإعلام؟


يجب الاعتراف بأننا نعانى من أزمة فى التلقى، فالجمهور المصرى ليس بريئا من أزمة الإعلام، أو ضحية له، فلم يعد الجمهور متلقيا سلبيا، بل أصبح أحد المشاركين أو المسئولين عما وصلت إليه الممارسات الإعلامية من سوء وحدة، فقطاعات كبيرة من الجمهور بالتأكيد - لا يمكننا التعميم- تغذى مثل هذه الممارسات السيئة.


نسب المشاهدة الأعلى وأوقات الذروة لمثل هذه الممارسات والأخبار الأكثر قراءة أو مشاهدة هى الأخبار الحادة والمثيرة هى خير دليل، فالقارئ يدعم هذه الممارسات بغير مهنية ويعطيها سبباً للبقاء والاستمرار وهناك عدد من البرامج خير دليل على ذلك، فالجمهور لم يعد يدعم الممارسات المسئولة، فلم يعد يقرأ مقالا ويتدبر معانيه ويناقشه مع الآخرين، بل أصبح يهتم أكثر باللقطة المقدمة وتفاصيلها بكل ما فيها من حدة وتجاوز للأعراف.