حكاية داليا التى فتحت جرح الأطباء جميعا

11/11/2015 - 11:38:56

داليا محرز داليا محرز

تقرير تكتبه: نجوان عبداللطيف

أهم حكاية بفكر فيها.. أني أبعد ابنى لما يكبر عن سكة الطب.. مش عايزه يتبهدل ويضيع عمره زيى من غير مقابل ولا حتى شهادة شكر وعرفان.


يكمل المهندس هشام سعيد زوج د. داليا محرز طبيبة الإسماعيلية: أحمد ابنى “سنة و٩ أشهر” لم تفطمه أمه من الرضاعة بعد عندما غابت ظل يناديها ويبحث عنها فى كل ركن فى البيت.. ولكنها ذهبت. فهي التى دفعت حياتها ثمناً لانهيار المنظومة الصحية، ولعدم تحقق أبسط حقوق الأطباء بتوفير وسائل حمايتهم من العدوى ولا حتى علاجهم حين يمرضون.


د. داليا ذهبت لعملها يوم ٢٦ أكتوبر الماضى فى الصباح الباكر، لم تعتذر عن العمل رغم أن زوجها المهندس هشام وصل فى إجازه من عمله من شرم الشيخ قبل مغادرتها المنزل بدقائق، كانت تستعد للذهاب للوحدة الصحية، ولكن غيرت توجهها إلى القافلة العلاجية المتجهة إلى القنطرة غرب، استجابة لطلب زملائها لعدم توفر الأعداد المطلوبة من الأطباء للقافلة التى تقوم بتطعيم الأطفال ضد مرض الحصبة، الساعة ١١ صباحاً اتصلت بى وقالت إنها عائدة للمنزل وبعد ساعة اتصلت بى إحدى زميلاتها وأبلغتنى أن داليا مريضة حرارتها مرتفعة وتتقيأ، وتم نقلها للمستشفى الإسماعيلى العام، وفى المستشفى كشفوا عليها وأعطوها علاجاً، وعدنا للمنزل حيث لا توجد رعاية طبية حقيقية، بالمستشفى.


إزدادت الحالة سوءاً وتكررت التشنجات، ذهبنا للمستشفى الجامعى( جامعة قناة السويس) يوم ٢٨، قرر الأطباء ضرورة احتجازها في الرعاية دون تشخيص ولكن لا يوجد مكان لديها، أخذتها وذهبنا إلى المستشفى الجامعى التخصصى طلبوا فى الطوارئ تسديد مبلغ ٥٠٠ جنيه تحت الحساب، ثم قرروا دخولها للرعاية المركزة شريطة تسديد مبلغ ٥ آلاف جنيه وقد كان، وأخذوا عينة من النخاع الشوكى لأن هناك اشتباها فى الإصابة بالحمى الشوكية، في هذه اللحظة فقط تم تشخيص الحالة، وبناءً عليه نقلوا داليا إلى غرفة العزل فى العناية المركزة، وطالبونا بعزل أنفسنا وتناول المضاد الحيوى المخصص لعلاج هذه الحالة، وهو غير متوفر بالمستشفى، لايوجد الدواء المخصص لعلاج الالتهاب السحائى ولا التطعيم ضده لا في المستشفى ولا فى الإسماعيلية كلها، ولكن استطعنا الحصول عليه من خارج الإسماعيلية وحصلنا على كمية تكفى المريضة وأهلها المخالطين لها والدكاترة والممرضين المتعاملين مع حالتها.


يستكمل المهندس هشام.. هذه التفاصيل تؤكد أن تشخيص حالة د. داليا التهاب سحائى وتم علاجها على هذا الأساس، والتقرير الطبى للمستشفى قال إن التحاليل أظهرت وجود التهاب بكتيرى بأغشية المخ وحددت نوع البكتيريا بما يجزم أنه التهاب سحائى ولكن الحالة تدهورت ولقيت ربها يوم ٥ نوفمبر.


لم أفكر طوال مرضها إلا في شيء واحد.. إن ربنا يشفيها لكن بعد وفاتها أفكار كثيرة تسيطر على ذهنى، لماذا لا يتم توفير علاج للأطباء عندما يمرضون، أنا أعرف مسبقاً المستشفيات التى يمكن أن أتلقى فيها العلاج عن طريق عملى..


لماذا لا تقوم وزارة الصحة برعاية أطبائها وحمايتهم من العدوى؟ لم أسمع يوماً زوجتى تقول إنه تم تطعيمهم ضد أى مرض، رغم أنهم معرضون فى كل لحظة للإصابة بالعدوى من أمراض كثيرة، لماذا يضيع النبهاء والأذكياء وقتهم، ويهلكون أنفسهم فى دراسة الثانوية العامة ليحصلوا على أعلى المجاميع، ثم يهلكون أنفسهم ويخسرون حياتهم لدراسة الطب الصعبة لسبع سنوات كاملة..


ثم بعد ذلك يعملون في مهنة كلها شقاء، يتعاملون مع المرض والمرضى وأخطار الإصابة بالأمراض، وظروف عمل غير إنسانية، من مستشفيات ووحدات طالتها يد الإهمال لسنوات وسنوات وعمل مضن، داليا كانت امرأة شديدة الذكاء والانضباط، حصلت فى الثانوية العامة على مجموع فوق الـ ١٠٠٪، تحب عملها رغم أعبائه الكثيرة، لا تتأخر عن نوبتجية أو قافلة، كانت تقول أنا أعمل للفقراء، ولايهمنى أى مقابل آخر، بدأت حياتها العملية بـ ٩٠٠ جنيه مرتب وقبل وفاتها لم يكمل راتبها ألفي جنيه! ومع ذلك أصرت على عدم أخذ إجازة لرعاية الطفل، وكانت لديها قدرة فريدة على تنظيم وقتها بين البيت والابن والعمل، ست بيت بمعنى الكلمة كلها نشاط وحيوية، ولم تطلب منى يوما كبعض النساء أن تشترى ذهبا أو أى شىء خاص بها، كانت دائماً تقول تكفينى الكلمة الحلوة.. كانت كتلة عطاء لكل من حولها، أكثر ما آلمنا نحن أسرتها ما صدر عن بعض المسئولين فى وزارة الصحة أن داليا لم تمت بالالتهاب السحائى وأن الوفاة من جراء حادث سير منذ عامين.. الهدف إبعاد المسؤلية عنهم بدلاً من أن يحاولوا إصلاح الأخطاء، حتى لا تموت داليا أخرى.. لزوجتى حق أنها ماتت شهيدة الواجب مثلها مثل ضابط الشرطة وضابط الجيش.. والمفترض معاملتها مثلهم.. من حقها معاش استثنائى لابنها وتعويض عن وفاتها نتيجة إصابة عمل.. أكثر ما آلمنى حكاية داليا أن والدتها هالة مدكور معلمة الأحياء التى أنجبت طبيبة هى داليا وصيدلانية هى شقيقتها فقدت عام ٢٠٠٧ زوجها وابنها الوحيد فى حادث سيارة، واليوم فقدت ابنتها المتفوقة الذكية البارة بسبب الإهمال، ولكنها حزينة أكثر لإنكار مسئولى وزارة الصحة. الحقيقة، تقول: لا أريد أن يفقد أطباء مثل داليا حياتهم ولتكن داليا سبباً فى إنقاذ الآخرين.


«الحكاية مش حكاية داليا» حكاية المنظومة الصحية بالكامل تكمل د. منى مينا وكيل مجلس نقابة الأطباء، وفاة داليا جاء كاشفاً لخلل المنظومة الصحية الذى تحدثنا عنه كثيراً كنقابة أطباء، وطالبنا بالعمل على إصلاح هذه المنظومة مراراً وتكراراً، ولكن للأسف تعاملوا معنا على أساس أن مطالبنا هى مطالب فئوية، وهذا إخفاء للحقائق.


أول شىء أوضحته مآساة د. داليا، أنه لا حماية من العدوى ليس فقط للأطباء والعاملين بالمستشفيات، ولكن للمرضى أيضاً، الثابت علمياً أن الأطباء والعاملين معرضون لأمراض الجهاز التنفسى وأمراض الدم ضعف البشر العاديين، ومع هذا لا تتوفر لهم أدوات الحماية فى حدها الأدنى.. الماسكات والقفازات المطهرات.


الأمر الثانى د. داليا توجهت لطوارئ المستشفى الجامعى قناة السويس الذى حصل على ٥٠٠ جنيه فى البداية تحت الحساب ثم تم رفعها إلى ٥ آلاف جنيه حين تقرر دخولها الرعاية المركزة، هذا الأمر مرفوض.. المفترض أن أى مريض أيا كان يتلقى العالج فى الطوارئ مجاناً لـ٤٨ ساعة ، كثير من الأهالى يغضبون من الأطباء إذا أبلغوهم بضرورة دفع مبالغ فى الحسابات؛ لأنها تعليمات الإدارة.. لا يدركون أن الأطباء مغلوبون على أمرهم، والأطباء يشربون معهم من ذات الكأس.


ثالثاً: د. داليا ذهبت إلى مستشفيين لم يستطع «الدكاترة» فيها تشخيص المرض!


مريضة تشتكى من غياب الوعى والإغماء المتكرر وحرارة مرتفعة وتقيئ- كلها أعراض تدعو للتشكك فى الإصابة بأمراض على رأسها الالتهاب السحائى، هذا يؤكد غياب خطوط علاجية إلزامية للأطباء.. بمعنى أن الأعراض هذه تستلزم مثلاً قياس الحرارة- إجراء تحليل معين، عندما يكون المريض المتجه للطوارئ مصابا بألم في الصدر، يجب أن يتم التعامل معه وفق خطوات محددة، لا تختلف بين مستشفى خاص أو عام فى أقاصى الصعيد.


ربما لاتسمح الإمكانيات مثلا فى الوحدة الصحية بإجراء كل الخطوات، فى هذه الحالة يقوم بتمويل المريض على المستشفى العام الأكبر .


المنظومة الصحية كلها فى أزمة والأطباء والمرضى فى مربع واحد، البعض يحاول تصوير الأمر على أنهما طرفان متضادان، وهذا مخالف للحقيقة والواقع العدوى فى المستشفيات تصيب الأطباء والعاملين والمرضى .. وحماية الأطباء من العدوى حماية للمرضى.


المعروف أن عددا كبيرا من الجراحين وأطباء أمراض النساء والعظام الأعلى إصابة بالفيروسات تصل نسبتهم من ٣ إلى ٤٪ فى العالم المتقدم وتصل عندنا فى مصر ٣٠٪ تقريباً . وعن إنكار المسئولين فى وزارة الصحة أن وفاة د. داليا كانت بسبب عدوى الالتهاب السحائى وأنها بسبب حادث تعرضت لها منذ عامين، قالت د. مى الحادث كان منذ ٥ سنوات، وهى تزوجت وأنجبت وعملت طبيبة بعد هذا الحادث، ثم أن المستشفى الجامعى التخصصي سحب عينة من السائل الشوكي، وكانت معكرة وكرات الدم البيضاء تجاوزت الألف، معنى أن الجسم مستثار للدفاع عن العدوى البكتيرية .


لا يجوز إخفاء الحقائق للتنصل من المسئولية، ولبقاء الحال على ماهو عليه، د. داليا ماتت شهيدة ولها حقوق يجب أن يحصل عليها ابنها الرضيع، ثم الاعتراف بالخطأ هو البداية للإصلاح نحن نعترف بخطأ الأطباء فى التشخيص فى المستشفى قبل نقلها للمتشفى الجامعى التخصصى، وهو ما يدعونا إلى إيجاد بروتوكول أو نظام أو برنامج للتشخيص عن طريق دورات تدريبية للأطباء، وتوفير فرص الدراسات العليا للأطباء .. هذه مشكلة كبيرة.


العدوى فى المسشتفيات العامة والخاصة مميتة، وإجراءات الوقاية لابد أن تتبع، أما بدل العدوى للأطباء فهو قضية قديمة بالنسبة لنا، وذهبنا للمحاكم للمطالبة به، ولايعقل أن فئات كالقضاة والبنكيين يحصلون على بدل عدوى مر تفع، بينما الأطباء المعروضون للعدوى مئات المرات يحصلون على ١٩ جنيها فقط بدل عدوى، وهناك قضية تنظر أمام مجلس الدولة نطالب فيها بإقرار بدل عدوى ألف جنيه حد أدنى للأطباء هذه القضية محجوزة للحكم فى ٢٨ نوفبر الحالى .


وحتى الوصول لهذا التاريخ قررنا القيام بوفقة أمام بعض المستشفيات (منشية البكرى العام فى القاهرة) فى المحافظات للمطالبة بتوفير المستلزمات الضرورية للحماية من العدوى فى المستشفيات، وذلك يوم السبت القادم، والسبت الذى يليه أمام نقابة الأطباء (دار الحكمة)، والذى يليه أمام مجلس الدولة يوم النظر فى القضية، كما قررت النقابة فى ٣١/١٠ مطالبة الأطباء فى المسشتفيات بإرسال مذكرات عما ينقص المستشفيات والوحدات الصحية التى يعملون بها من أدوات الحماية الأولية ، وإذا لم يتم الاستجابة..فسيكون حقهم الامتناع عن العمل.


ليس المطلوب أن يموت كل يوم طبيب حتى نصلح المنظومة الصحية، قبل «داليا» كان الطبيب «أحمد عبداللطيف» الذى ترك طفلين.. كل مرة نتأثر ونبكى ثم لا شىء يتغير . فالمنظومة الصحية بحاجة إلى إصلاح عاجل وحقيقى، الأطباء والمرضى فى المربع الخطر والقاتل.


هانى مهنى أحد أعضاء مجلس نقابة الأطباء من الشباب يقول نحن نطالب وزارة الصحة بالاعتراف بحقيقة وفاة د. داليا محرز الذي ثبت باليقين وبالتحليل وبتقرير المسشتفى الجامعى التخصصى لقناة السويس ، أنها أصيب بالتهاب سحائى ، ولقيت حتفها، وأن ابنها الرضيع يستحق تعويضا عن وفاتها بإصابة عمل، ونطالب بمعاش استثنائى لها، حيث لم يمض عليها ١٠ سنوات عمل، ومن ثم لم تستحق معاشا، وعلى الوزارة أن تعمل على ذلك بدلا من محاولة إخفاء حقيقة واضحة ومثبتة .


وبدلا من معاقبة هذا الطبيب وذاك لمجرد أنه لم يتواجد أثناء مرور المسؤل ، ولم يشفع له أنه سهر للفجر لعلاج إحدى الحالات فى غير نوبتجيته . نحن الأطباء حقوقنا مهضومة. د. داليا التى كانت تعمل فى الوحدة وتتحرك مع القوافل العلاجية فى الكفور والنجوع والقرى، وتترك ابنها الرضيع لتسهر فى النوبتجية. وراتبها لم يصل بعد لألفي جنيه، ثم تصاب بالعدوى فلا تجد من يعالجها إلا بدفع الآلاف، ويحاولون حرمان طفلها من أبسط التعويضات.


لايوجد نظام لتطعيم الأطباء والعاملين بالمستشفيات ضد الأمراض المعدية، ولا نظام لعلاجهم فى أماكن تليق بهم.. موظفو البنوك يحصلون من ٥٠٠ إلى ألف جنيه بدل عدوى، التى تنتقل لهم من النقود، والتعامل مع الجمهور، ووكلاء النيابة والقضاة يحصلون على ١٨٠٠ جنيه بدل عدوى و٣ آلاف جنيه بدل علاج والطبيب الذى يكشف أحيانا فى اليوم على ١٤٠ مريضا يحصل على ١٩ جنيها، الطبيب الذى قضى نصف حياته فى الجد والاجتهاد الدراسى والنصف الآخر فى التعامل مع المرض والمرضى ، ألا يستحق بدل عدوى ألف جنيه! فالطبيب فى السودان يحصل على راتب ألفي دولار .


أخشى أن يأتى يوم وهو قريب لاتجد المستشفيات العامة أطباء، فلم يعد المثل القائل (إن فاتك الميرى اتمرغ فى تراب) الأطباء يبحثون الآن عن راتب أكبر فى الداخل أو الخارج على الأقل يضمن لهم فرصة علاج إذا أصيبوا بالعدوى .


إصلاح حال الطبيب هو جزء من إصلاح المنظومة الصحية بالكامل، هو حق وليس افتئات . المستشفيات ليس بها الحد الأدنى من أدوات الوقاية القفازات والماسكات والكلور المطهر، وكلها أمور لاتكلف كثيرا، ولكنها توفر الحد الأدنى من الحماية، ناهيك عن الأمصال والتطعيمات.. وفاة داليا هو جرس إنذار .


حكاية داليا فتحت جرح الأطباء جميعا، فجرح مصر فى انهيار الصحة والتعليم نتيجة إهمالها لـ ٣٠ سنة لكن لماذا الإصرار على لي الحقائق وإنكار الواقع .. نحن لم نبدأ بعد طريق الإصلاح .