مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (١-٧) إسرائيل وثورة يوليو

11/11/2015 - 11:11:47

د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

عندما قامت ثورة ٢٣ يوليو حاولت إسرائيل فى هذا الوقت ابتزاز إنجلترا، فطالما أنها - أى إنجلترا - ستتسبب فى إحداث خلل استراتيجى فى المنطقة، سيؤثر فى المستقبل القريب على الأمن الإسرائيلى، وذلك بانسحابها من ناحية، وتسليمها قاعدة القناة بكل ما فيها من معدات لمصر من ناحية أخرى، فإن عليها فى المقابل أن تعطى إسرائيل سلاحًا يمكنها من موازنة الميزة، التى ستحصل عليها مصر.


ولقد أزعج إسرائيل فى هذا الوقت المبكر أيضًا، نشاط “رجال عبد الناصر” داخل الدائرة العربية، بالإضافة إلى تشديد مصر للحصار على السفن الإسرائيلية ومنعها من المرور عبر خليج العقبة وقناة السويس، لقد لاحظ “موشى ديان” أن الحكومة المصرية كانت قبل نهاية عام ١٩٥٣ تسمح بمرور بعض البضائع إلى إسرائيل على سفن غير إسرائيلية، طالما أنها بضائع غير إستراتيجية، لكنها مع نهاية سنة ١٩٥٣ فرضت حصارًا كاملًاعلى مرور جميع البضائع من وإلى إسرائيل..“.


كما تبرمت إسرائيل بشدة أيضًا، من التقارب المصرى الأمريكي، وأزعجها - كما اتضح من وثائق الخارجية الأمريكية – أن تتسبب مغازلة الولايات المتحدة الأمريكية لمصر والعرب، إبان محاولة إزاحة إنجلترا من المنطقة، فى كسر التوازن العسكرى فى الشرق الأوسط لصالح العرب. وأيضًا تبرمت من اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تأجيل موضوع الصراع العربى الإسرائيلى- كما كان يريد عبد الناصر- إلى أن تنتهى المفاوضات المصرية البريطانية.


لذا بدأت إسرائيل تضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، عبر طريق جماعات الضغط الصهيونية، وبوسائل أخرى، لتمنع عن مصر المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بدأت رُسل “موشى شاريت”، رئيس الوزراء الإسرائيلى الجديد، الذى اشتهر بدبلوماسيته الهادئة، و”ناحوم جولدمان” رئيس الوكالة اليهودية، تنقل إلى “جمال عبد الناصر” - بعدما عرفت أنه الرجل الأقوى فى مصر، ومفجر وقائد الثورة الحقيقي- رغبة إسرائيل فى عقد اتفاقية سلام مع مصر.


رُسل غير مباشرة من إسرائيل إلى مصر الثورة


كانت محاولات إنشاء قناة اتصال سرية مع النظام الجديد فى مصر قد بدأت فى الحقيقة عقب اعتزال “بن جوريون”، وكانت حكومة إسرائيل تعتقد أن الموقف الذى تتخذه مصر، سوف يؤثر بالضرورة، على مواقف الدول العربية الأخرى تجاهها، وكانت تصوراتها حسب ما صرح به “بنحاس لافون” وزير الدفاع الإسرائيلى للسفارة الأمريكية فى تل أبيب أنه إذا ما استطاعت إسرائيل أن تصل إلى اتفاق مع مصر، فإن الأمور سوف تصبح فى وضعها المناسب على الفور - بالطبع بالنسبة لها- فإسرائيل ليس لديها مشاكل مع لبنان، الذى ينتظر فقط أن تقوم إحدى الدول العربية الكبرى بالتحرك نحو الصلح مع إسرائيل، لكى يحذو حذوها، والأردن يمكن تسوية المشاكل معه، بواسطة إنجلترا، أما سوريا فهى ضعيفة، كما أنها منقسمة داخليًا، إلى حد يجعلها لا تشكل مشكلة حقيقية بالنسبة لإسرائيل، وكان “بن جوريون” نفسه يرى أن مصر هى مفتاح أى تقدم نحو تصفية النزاع العربى الإسرائيلي.


لكن محاولات “بن جوريون” لفتح قناة الاتصال مع مصر وئدت فى مهدها، ويعود ذلك فى تقديرى إلى ثلاثة أسباب رئيسية:


١. أن إسرائيل كانت تستهدف من وراء فتح قناة الاتصال هذه استطلاع وجهات نظر النظام الجديد، ومعرفة أولوياته فقط، واستكشاف إمكانيات فرض السلام الإسرائيلي” على مصر.


٢. أن القيادة الجديدة فى مصر، كانت قد قررت البدء أولًا بالمفاوضات مع انجلترا، فلم تلتفت إلى عروض “بن جوريون” وتصريحاته، أو طروحات ناحوم جولدمان ورسله.


٣. أن وجود “اللواء نجيب” على رأس النظام حتى أزمة مارس ١٩٥٤، بتوجهاته المعتدلة– إذا ما قورنت بتوجهات عبدالناصر وبعض أعضاء شمجلس قيادة الثورة - تسبب فى إحداث شيء من التعتيم على التوجهات الحقيقية للضباط، وبهذا الصدد فلا قيمة حقيقية للتطمينات الشفهية السرية، التى منحها “نجيب” ومن قبله “على ماهر” عندما تقلد منصب رئيس الوزراء بعد الثورة للخارجية الأمريكية.


على أية حال، كلف “موشى شاريت” هو الآخر، بعدما أصبح رئيسًا للوزراء، شخصيات عالمية، كان يعرف أن لها صلة ما بـ”جمال عبد الناصر” كلفها بأن تنقل إليه، رغبة الحكومة الإسرائيلية، فى التفاوض مع مصر من أجل السلام، كان من بين رسل إسرائيل، بعض نواب حزب العمال البريطانى فى مجلس العموم وبعض كبار الصحفيين الإنجليز، وكذا بعض الصحفيين من الولايات المتحدة الأمريكية، وحسب شهادة “محمود رياض” فإن “محاولات استكشاف الطريق إلى حل الصراع وفرص السلام لم تتوقف منذ توقيع اتفاقيات الهدنة وبروتوكول “لوران”، وإنه قابل طوال الفترة ما بين ١٩٥٣ – ١٩٥٥ شخصيات أمريكية يهودية عديدة، منهم مستر “جاكوب بلوستاين” وهو رجل أعمال كان يمتلك شركة بترول، الذى سأله عن موقف مصر من إسرائيل، وكيفية إقرار سلام دائم فى المنطقة.. وحسب شهادة محمود رياض أيضًا، فإن رد مصر كان باستمرار تمسكها بضرورة عودة اللاجئين وبقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة”.


موقف عبد الناصر من رسائل شاريت وجولدمان


ولقد أصغى عبد الناصر جيدًالرسل “شاريت وجولدمان” وغيرهما، إلا أنه رفض فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل رفضًا قاطعًا.


وظل متمسكًا بأن موضوع إسرائيل موضوع لا يخص مصر وحدها، بل يخص الدول العربية جميعها، لأنها جميعًا طرف فى الصراع العربى الإسرائيلي، كما أن فلسطين لا تمثل جزءًا من السيادة المصرية، بل هى مسئولية عربية جماعية، لا تملك أى دولة عربية أن تقترب منها منفردة، كما ظل متمسكًا بضرورة الفصل بين عقد اتفاقية الجلاء، وبين ترتيبات الدفاع عن الشرق الأوسط من ناحية، وبين حل مشكلة الصراع العربى – الإسرائيلى من ناحية أخرى، وهو ما اعتبرته إسرائيل “تكتيكًا خادعًا” ومناورة ذكية من “عبد الناصر” يستهدف من ورائها الخلاص من الإنجليز أولًا، وبناء مصر الصناعية القوية، ثم يتفرغ بعد ذلك لها.


خطة فرع الشئون العربية ونشاط المخابرات المصرية فى الدائرة العربية


والمتتبع للحركة السياسية المصرية فى الفترة المبكرة من تاريخ ثورة يوليو يُدرك على الفور أن “عبد الناصر” لم ينتظر الانتهاء من المفاوضات مع إنجلترا، وإن سياسات “مجلس قيادة الثورة” الذى كان يسيطر عليه، كانت جديرة بأن تحظى باهتمام إسرائيل.


فمن ناحية نجح فى تثبيت أقدام ثورته، ودعم وجودها، واكتسب لها قدرًامن الشرعية وقام بضرب وتهميش القوى السياسية المناوئة له، واقتحم قضية التنمية الاقتصادية فواجه القضايا الاقتصادية الملحة، وبدأت أولى خطواته نحو تنمية القطاع الصناعى ومن ناحية أخرى، كلف “عبد الناصر” زكريا محيى الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، بإنشاء جهاز مخابرات قويًا لحماية الثورة الوليدة من أعدائها، كما كلف أحد الضباط الأحرار بإنشاء فرع للشئون العربية يتبع المخابرات العامة، وطلب منه إعداد خطة لسياسة مصر فى الدائرة العربية، على أن يكون هدف الخطة هو “ربط الوطن العربى بالقاهرة”، تمهيدًا لممارسة دور إيجابى فى تحرير الأجزاء المحتلة، باعتبار أن استقلال وتحرير مصر سيظل منقوصًا وقاصرًا ما لم يتم تحرير باقى أجزاء الوطن العربي.. وأعتقد أنه من الضرورى عرض الخطوط العامة لهذه الخطة، خاصة أن نشاط “عبد الناصر” فى الدائرة العربية سيكون من العوامل الأساسية والمهمة التى ستؤثر فى الموقف الإسرائيلى من ثورة يوليو.. ولعل أهم ما اشتملت عليه هذه الخطة:


أ. إنشاء إذاعة خاصة تتفرغ تفرغًا كاملًا لتغطية شئون الوطن العربى باسم “صوت العرب” وتتولى هذه الإذاعة الآتي:


١. استقطاب اهتمام المواطن العربى وتوعيته بالمخططات التآمرية، التى تدبر ضده.


٢. إيضاح أهداف ثورة يوليو التحريرية.


٣. تناول مشاكل الوطن العربى وتحليلها.


ب. القيام بدراسة ميدانية للواقع العربي، للتعرف على تفاصيل هذا الواقع، والتعرف على مختلف القوى المحركة والمؤثرة فى مجرى حياة جماهير كل ساحة، سياسيًا واجتماعيًا.


ج. القيام بدراسة تفصيلية لواقع الأحزاب السياسية التقدمية، التى ترفع شعارات قومية، من خلال الاحتكاك المباشر بها وبقيادتها.


د. الاستفادة من الأعداد الكثيرة من المدرسين المعارين لكافة أجزاء الوطن العربي، كدعاة للثورة.. وكذا الاستفادة من الأعداد الضخمة من الطلاب العرب الذين يدرسون بالقاهرة وأيضًا الاستفادة باللاجئين العرب.


كما نصت الخطة التى وافق عليها “عبد الناصر” يوم ٣١ مارس ١٩٥٣، على أن يبدأ فرع الشئون العربية، العمل فورًا بعملية استكشاف ودراسة لجميع أقطار الدائرة العربية، وبالفعل بدأ “رجال عبد الناصر” رحلاتهم السرية إلى جميع عواصم الدول العربية ويهمنا هنا أن نشاط مصر المبكر فى الدائرة العربية لم يكن بعيدًا عن أعين المخابرات الإسرائيلية والبريطانية على وجه الخصوص، مما سيؤثر على تقدير إسرائيل لحقيقة توجهات النظام المصرى الجديد.


فلسفة الثورة وتخوف إسرائيل من فكرة الدوائر الثلاث


وبعد ذلك، أصدر عبد الناصر، فلسفة الثورة، حيث تحدث فيها عن فكرة الدوائر الثلاث، وموقع مصر من الدائرة العربية، كما تحدث صراحة عن جذور وعيه ووعى أعضاء مجلس قيادة الثورة بفكرة القومية العربية، وعن الأثر الذى تركته حرب فلسطين ١٩٤٨، فى فكر ووجدان جيل كامل من الضباط العرب، كما تحدث عن الدور الهائم، الذى أرهقه التجوال واستقر به المطاف على حدود مصر يدفعها دفعًا لتنهض وتتزعم الدول العربية، ولم يخف “عبد الناصر” فى هذا الكتيب، حقيقة انحيازاته فى مجال العلاقات الدولية، فبعدما تحدث عن انحيازه لحركات التحرر العربية، تحدث عن انحيازه لدول القارة الإفريقية فى صراعها ضد الاستعمار ليس ذلك فقط، بل أعلن بصراحة ووضوح، أن تعاون مصر مع دول الدائرة الإسلامية العملاقة سيفجر طاقات هائلة.


وفى تقديري، أن أخطر ما جاء فى فلسفة الثورة، واستفز الغرب وإسرائيل فى آن واحد كان حديث “عبد الناصر” عن البترول العربي، كأحد أهم مصادر قوة الوطن العربي، فبالإضافة إلى الرباط المادى والمعنوى الذى يربط ويوحد الشعوب العربية وبالإضافة إلى إمكانيات الموقع الاستراتيجى لدول الوطن العربى مجتمعة، يأتى البترول “عصب الحضارة المادية، الذى بدونه تستحيل كل أدواتها إلى قطع من الحديد يعلوها الصدأ، ولا تنبعث منها حركة أو حياة..”.


هكذا حدد “عبد الناصر” فى فلسفة الثورة، الأسباب، التى كان لابد أن تدفعه إلى الصدام مع الإمبريالية وإسرائيل، حيث هدد المصالح الغربية وفى مقدمتها البترول، كما هدد أمن، ووجود إسرائيل، بدعوته إلى توحيد الجهود العربية فى مواجهتها، “ما دامت المنطقة واحدة، وأحوالها واحدة، ومشاكلها واحدة ومستقبلها واحد.. والعدو واحد. فلماذا تتشتت جهودنا”.


كما حدد الموقع الاستراتيجي، الذى سيدور عليه ومن أجله الصراع، أى الدوائر الثلاث ومصر فى القلب منها، وهو موقع كان يدور حوله ومن أجله وعليه صراع أعنف وأشرس، ورغم برودته بين المعسكرين الشرقى والغربي، ولم تكن إسرائيل بعيدة، أيضًا عن تداعيات الحرب الباردة.


ولقد تلقفت الأجهزة والقيادات الإسرائيلية والغربية أيضًا كتيب “عبد الناصر” ودرسته باهتمام، وفهمت ما جاء فيه وبين سطوره جيدًا واعتبره “بن جوريون” أسوأ من كتاب “كفاحي”، الذى نشره “هتلر” واعتبرت إسرائيل صدوره كارثة، زادت من قلقها، وبدأت تنظر إلى “عبد الناصر” على أنه “هتلر” جديد، ولد على أرض مصر، لكى يهدد وجودها كأسلافه الفراعنة!! وأخذت فكرة “بن جوريون” حول أمن إسرائيل، التى كانت تدول حول أن: “أمن إسرائيل لن يتحقق بالمفاوضات، وإنما من خلال قدرتها على الدفاع عن نفسها، حتى
لا يقتادها “عبد الناصر” كالخراف إلى المذبح..”. بدأت تجد قبولًا ورواجًا داخل إسرائيل.


ولعل هذا يفسر اتجاه الحكومة الإسرائيلية – قبل عقد اتفاقية الجلاء” - إلى التخطيط والسعى لتخريب العلاقات المصرية - الأمريكية، وسعيها لتقوية برنامجها الدفاعي، بهدف إقناع الولايات المتحدة الأمريكية، بأن تفوق إسرائيل العسكرى هو الضمان الوحيد لاستقرار الشرق الأوسط”، كما يفسر أيضًا قيام إسرائيل بتفجير الموقف على الحدود المصرية والعربية، كما سنرى.