الفنان د. محمد الناصر : أرسم لأعيش وأتنفس

11/11/2015 - 10:55:50

محمد أبوطالب

تلقيت دعوة كريمة من الفنان د. محمد الناصر لحضور معرضه الذي أقيم قبل أسابيع قليلة في قاعة بيكاسو بالزمالك ، والحقيقة أن هذا المعرض أثار في النفس شجون ومواجع تراكمت على مدى العقود الثلاثة الماضية ، تلك الفترة التي سيطر خلالها دعاة التجريدية وغيرها من الصرعات الغربية الحديثة على ساحات الفن التشكيلي سواء في قاعات العرض أو المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية حتى أماكن الدراسة الأكاديمية ، حيث تلاشت الضوابط والمعايير الموضوعية التي تفرق بين الادعاء والأصالة ، مما أتاح الفرصة للمدعين والدخلاء أن يصولوا ويجولوا ويقدموا أعمالاً لا تمت للفن بأدنى صلة . و نشأ تيار جارف يعارض بشدة الواقعية كان وراءه تقريبا كل المؤسسات الرئيسية التي هيمن عليها أنصار تلك المذاهب الحديثة وكانت معايير الإقتناء و منح الجوائز تخضع لسيطرة أصحاب الفكر المضاد للواقعية إضافة إلى الاعلام والصحافة و النقاد الذين كانوا في الأغلب يطرحون وجهة النظر التي تتفق وهوى هذا التيار الرافض للواقعية والفن الأكادييمي .


وقت بداية ظهور هذا التيار ، كانت الغالبية العظمى من الفنانين تعمل وفق شروط الفن المتعارف عليها خصوصا ما يتعلق بمهارات الرسم و التجسيد والتلوين والتكوين و كل عناصر الإبداع التي اتبعها الفنانون منذ قرون ، فجأة تغير الحال وأصبح كل من يقدم عملا بعيدا عن التجريد يلقى الإهمال والتجاهل بعد أن يتم إزدراء العمل والتهكم علية ووصفه بالرجعية والتخلف .


هذا التحول العاصف بالأسس والمفاهيم والتقاليد الفنية التي على أساسها أنتجت كنوز فنية من إبداع الرواد والأجيال التالية من الفنانين ، كان نتيجه هذا التحول إختفاء وتواري عدد كبير من كبار الفنانين ، وتحول البعض نحو التجريد لمواكبة التيار وإرضاء من بيدهم مقاليد أمور الفن التشكيلي في ذلك الوقت .


عدد قليل جدا من الفنانين أصر على موقفه وحافظ على الأسس والمفاهيم التقليدية والأكاديمية و سبح عكس التيار ، من هؤلاء القلائل كان الفنان محمد الناصر ، رغم أنه كان يخطو أولى خطواته في الفن .


ولد الناصر في محافظة قنا و شغف بالرسم منذ طفولته حيث كان شقيقه الأكبر مدرسا للرسم ، ثم التحق بكلية الفنون الجميلة حيث تخرج عام ١٩٧٩من قسم التصوير بتقدير امتياز وكان ترتيبه الأول على دفعته .


عام ١٩٩٠ حصل على درجة الماجستير وكانت رسالته بعنوان ( مقومات الصورة الشخصية في المدرسة التعبيرية ) .


عام ٢٠٠١ حصل على الدكتوراة وكانت رسالته بعنوان ( الصورة الشخصية وأبعادها الاجتماعية والنفسية في التصوير المصري القديم والحديث .


د. محمد الناصر يشغل حاليا منصب نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام ورئيس قسم الفن التشكيلي .


عمل في البداية سكرتيرا لتحرير مجلة أكتوبر ، ورسم في هذه الفترة عشرات الأغلفة للمجلة ، ثم انتقل للعمل في مجلة الشباب ثم مجلة نصف الدنيا ، حيث تفجرت قدراته الكامنة كمصور و كصحفي.


في هذه المرحلة ، جذبت انتباهي رسومه الصحفية التي عكست مهارته الفائقة في الرسم و كانت سعادتي بالغة لظهور رسام صحفي يمتلك هذا المستوى من المهارة والإتقان بعد أن افتقدت الصحافة المصرية هذا المستوى من الرسم لسنوات . و أعتقد أن محمد الناصر يعتبر أحد الرسامين المهرة في تاريخ الصحافة المصرية .


قام الفنان محمد الناصر بمحاكاة المجتمع المحيط به وإعاد صياغته وفقا لقدراته في طرح رؤاه المشابهة للواقع، والتي كانت وثيقة الصلة بما يختلج في نفسه ا من أشكال ومضامين ترتبط بالواقع. ومن هنا كانت لغة التعبير التشكيلي هي وسيلته للطرح الفكري و الجمالي ابتداء من الأحداث اليومية والمعيشية التي يتعامل معها حتى التصورات الخيالية والأفكار الفلسفية ، فنلاحظ أنه قد رسم العربة الكارو ، السقا ، بائع الفول على عربته الخشبية الصغيرة وحوله الأطفال يحملون الأطباق في انتظار حصولهم على الفول ليعودوا لأهلهم بوجبة الفطور الشعبية ، ورسم بائع الجرائد وجامع القمامة . كما رسم وجوه المصريين من كل الأنحاء من النوبة جنوبا حتى الشمال ، وسجل عشقه للقاهرة الفاطمية في عديد من اللوحات الرائعة .


تدور أعمال الناصر فى فلك الإنسان والمكان وهو يتعامل مع المكان كما لو كان كائناً تربطه به علاقات ود ومحبة ، أما الإنسان ورسم الصورة الشخصية فهو عالمه الأثير ولديه القدرة على اقتناص أعماق الشخصية والتعبير عنها بسلاسة وهدوء والبورتريه عنده ليس مجرد صورة شخصية وأنما هو تجربة إنسانية تلتحم فيها مشاعرالفنان بمشاعر صاحب الوجه المرسوم وهو يؤكد أنها لا يرسم وجهاً وانما يرسم وجهة نظره فى صاحب الوجه شخصيته قبل شخصه معاناته الساكنة فى اعماقه قبل ملامحه ببساطة الجوهر قبل المظهر ولهذا وجوه الناصر المرسومة تنقل المشاهد الي عوالم يستحيل التعرف عليها بعيداً عن اللوحة.


و أعماله تتوافق مع رأي أرسطو الذي يرى أن المحاكاة لا تخرج عن كونها تقليدا للعالم الحسي بكل ما يحمله من صور واقعية ملموسة ، والفن الذي لا يرتبط حسب رأيه بالعالم الحسي ، غير قادر على تحقيق غاياته الجمالية ، و هو يرى أن الفنان يستمد عناصر فنه من الطبيعة ثم يتسامى عنها ذاتيا و هو يرى أن الفن محاكاة للطبيعة ولكن ليس بالمعنى الحرفي للكلمة.... وإنما الفن عنده إما أن يكون أسمى من الطبيعة أو أدنى منها .


ونحن ننظر بعين التقدير إلى إمكانيات محمد الناصر الكبيرة في إعادة صياغة ما يراه في الواقع بصورة جديدة تماما ومؤثرة تعتمد اللون وجمالياته والتكوين وزاوية الرؤية و ( الكادر ) وبالطبع مسارات الضوء وما ينتجه من ظلال .


و الفنان محمد الناصر قد إرتكز على أساس أكاديمي قوي أتاح له الفرصة لكي ينطلق ويجرب سواء في المشهد الطبيعي أو الصورة الشخصية وحتى في الطبيعة الصامتة .


الرسم عند الناصر في حقيقته هو مغامرة للبحث عن الحقيقة و الجمال والسفر إلى عوالم خيالية لكنه دوما مرتبط بجذوره الضاربة في الأرض التي نشأ عليها و الثقافة والتقاليد التي شكلت وجدانه .


رغم مهاراته الفائقة في الرسم وسيطرته الكاملة على أدواته التكنيكية ، إلا أنه دوما يتجنب الثرثرة البصرية والمبالغة في التفاصيل ، وقد وصل لمرحلة رائعة في هذا الخصوص كانت واضحة في معرضه الأخير ، مما أضفي بلاغة فنية على أعماله .


المتابع لأعمال الفنان يلاحظ أنه اهتم بالعلاقة بين الكتلة الرئيسية والخلفية أو الحيز الذي يحيط بها والذي يساعد على وضوح تلك الكتلة التي يعتبرها الفنان العنصر الأساس في العمل الفني ، ولو اعتبرنا الكتلة الأساسية بمثابة المساحات الإيجابية ، و الخلفية هي المساحات السلبية على التوالي . نجد في الغالب أن الشكل الرئيسي هو الجزء الأهم الذي يختلف في صفاته المرئية عن الخلفية و يحظى بالاهتمام الأكبر من الفنان ، حيث يعنى به عناية كبيرة من حيث الحجم والتركيب والنسبة ، أما الفراغات التي تنشأ عن الشكل الأساسي وتمثل الخلفية فهي عند بعض الفنانين لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام ، أما في أعمال محمد الناصر نلاحظ أنه يعتبرها أيضا جزء هام من العمل الفني ويوليها نفس الاهتمام دون أن يحدث أي تعارض بين المساحتين أو تطغى مساحة على الأخرى ، وقد اهتم الناصر بالخلفيات أو المساحات السلبية سواء كانت حول الشكل أو ناشئة بداخله بنفس درجة اهتمامه بالشكل أو المساحات الإيجابية وخلق بينهما علاقة قوية بحيث أعطى للخلفية ما للشكل من قيمة جمالية وقد يتبادل الشكل الرئيسي والخلفية الأدوار ، و يحدث ذلك عندما يكون كل منهما على درجة جيدة من الرسم والتلوين ، و يكون لهما درجتان لونيتان متساويتان في القوة فيتعادلان من الناحية الفنية أو من حيث المعنى الذي يريد تصديره للمشاهد ، وقد برع محمد الناصر في لوحات كثيرة في خلق علاقة تبادلية ناجحة بين الشكل الرئيسي و الخلفية . ايضا تميز الفنان محمد الناصر ، بل تفرد برسم اللوحة التي تبدو كما لوكانت تفصيلية من مشهد كبير ، بمعنى آخر أنه اختار لبعض لوحاته كادرا خاصا غير مألوف في الفن التشكيلي ولكننا نراه في السينما و يطلقون عليه ( كلوز ) كما في لوحة ( كارو ) ولوحة ( ترقب وانتظار ) .


كذلك من الملاحظ أنه يغظي بعض أجزاء اللوحة باللون الأزرق وأجزاء أخرى باللون البيج ويترك الأجزاء التي يريد التركيز عليها بألوانها الطبيعية ، وهذه الخاصية أيضا غير مألوفة في الفن التشكيلي وإن كانت تستخدم في التصوير السينمائي أحيانا ، حيث يضع المخرج ( ماسك ) لوني على أجزاء من المشهد .


الحديث عن الفنان محمد الناصر يحتاج الكثير من الغوص والتحليل لتجاربه وأعماله المميزة ، ولكنا نكتفي بهذه اللمحة السريعة ،


أخيرا أ لا يفوتني أن أذكر أنني عندما قابلت الفنان محمد الناصر، لم أسأله سوى سؤال واحد قبل مغادرتي معرضه الأخير ، وكان السؤال :


لمذا ترسم ؟


وكانت إجلبته : أرسم لأعيش وأتنفس .