نصير شمة الملحن وعازف العود الأول فى العالم.. وجائزة الرواية الألمانية

11/11/2015 - 10:52:10

د. أمانى فؤاد

منذ أيام أثناء مهرجان موسيقى الجاز الذى أقيم برعاية الجامعة الأمريكية بمصر استمعت لتجربة جديدة يخوضها الفنان نصير شمة، عازف العود العراقى، مع فرقة أجنبية لموسيقى الجاز، مجموعة من العازفين الأوربيين تختلف جنسياتهم لكنً إقامتهم ونشاطهم الدائم بدولة الدنمارك، نوع من التجريب بين تداخل ودمج حوارى للعود العربى بأوتاره الشجية الهادئة مع موسيقى الجاز الصاخبة، تخوفت فى بداية الحفل لعدم تخصصى بفن الموسيقى وتقنياتها، توقعت أن تضيع أنغام صوت العود وسط هذا الصخب، الذى تحدثه آلات النفخ النحاسية والدرامز، ومع أول الفقرات بدأت أستشعر أن هناك نوعا من التداخل الجميل الذى لا يطغى فيه نوع من الأنغام والأصوات على الآخر، هناك وجود محدد للعود وصوته الشجى، شخصية واضحة وقوية حاضرة لنغماته وإيقاعات تتعدد دلالاتها، بل الأكثر من هذا أنه يؤلف من خلاله - وسط هذا الدمج مع الآلات الأخرى - موسيقى تنقل متلقيها لعالم من التصوف الذى تتعالى فيه المشاعر وكأنها ترتقى مقامات ومدارج لتشف متسامية تصوغ نجواها للكون.


وجود بارز للعود يلمسه المتلقى يقود ويجذب نوعا آخر من الإيقاعات الصوتية يأخذ منها ويعطيها، لا تضيع نغمات العود الخاصة ولا نوع ما يستولده من مشاعر تمتلك هويتها وذائقتها الشرقية، بل يزيد تطلعها إلى عالم أكثر تجردا واتحادا مع كيان الوجود ككل، تتناغم معه نبرة أكثر ارتفاعا للآلات الأخرى أو ما يسمى بالموسيقى المعدنية وآلات النفخ لكن المؤلف الموسيقى استطاع أن يوجد هارمونى بين الجميع ليخلق كيانا موسيقيا متجددا وله تميزه.


نجح نصير شمة فى خلق هذا الكونتراست فى ظنى من خلال التوزيع الجيد بين الآلات الموسيقية بوعيه بخصوصية إمكانات كل منها، وإدراكه لقدراتها، ثم توظيف تلك الطاقات مع خصوصية العود، كما برز أيضًا قدرة التحكم بدرجة قوة صوت العود من خلال استخدام تكنولوجيا أجهزة الصوت الحديثة بحيث لا تطغى عليه أصوات الآلات الصاخبة.


يُذكر أن كمال الطويل كان من أوائل الملحنين الذين أدخلوا آلات النفخ النحاسى فى الألحان الشرقية فى أحد ألحانه لعبد الحليم منذ الستينيات، واليوم يطور نصير شمة هذه التجربة بتأليفه لمقطوعات كاملة تُشيًد على هذا التداخل والدمج لشخصيات الآلات ونغماتها.


مع توالى المقطوعات التى ألفها شمة بالحفل وقام بتوزيعها قائد الأوركسترا الدنماركى شعرت أن بإمكان الموسيقى أن تحقق حوار الحضارات بطريقة سلسة راقية فشلت فى تحقيقها السلطات والمؤسسات الأخرى بأنواعها، فرغم اختلاف الشعوب والجنسيات واختلاف طبيعة آلات موسيقاهم، وتباين أشكالها وأصواتها، وطرق تعبيرها عن ذاتها وهويتها، لكن يبقى لجميعها اشتراكها فى الإنسانية الرحبة المتعددة دون أن يتنازل طرف منها عن سمته وخصائصه، المميزة التى تحفظ له هويته، ودون أن تطغى خصائص وطبيعة ثقافة ما. تجربة تحقق نوعا من التحديث والتطور لكلا النوعين من الموسيقى، وتخلق حوارا راقيا بين الثقافات عبر أنواع الموسيقى.


فى حوار مع صاحب «بيت العود العربي» بعد الحفل سألته ألم تتخوف من هذه التجربة، كان من الممكن أن يضيع صوت العود وسط أصوات هذه الآلات عالية الإيقاع؟ فإذا به يسألنى: «هل شعرت بضياعه؟!! من يتملكه الخوف لن يصنع شيئا.


وأضاف بالمران والإرادة والخبرة يستطيع الإنسان أن يصنع الكثير، كما أن التدريبات المكثفة التى بدأتها مع هذه الفرقة الأوربية واحترامهم لكل ما يؤدونه أنضجت التجربة وجعلت لها فرادة خاصة، ويؤكد أن ما يميز الأوربى احترامه لمفهوم العمل والتزامه بكل ما يتعلق به».


نفس هذه الإجابة المران الطويل والإرادة كانت إجابته عن فقرة منفردة أداها على العود وهو لا يستخدم اليد، التى تمسك بالريشة التى تحرك الأوتار، عزف محتضنا العود بأصابع يد واحدة، وطوعه لهذا الأداء، وحين سُئل عن أدائه لهذه الفقرة نمّت إجابته عن جانب إنسانى شفيف ينبئ عن روح عذبة تدرك عذابات البشر فيما حولها، وتطوع من أجلها الجمادات والقيم والمشاعر والقدرات البشرية، فحكى أن مدرسته كانت تضم أحد الهواة للعود وعاشقى عزفه، وبعد شهور من التدريب لديه اُستدعى هذا الطالب للحرب وغاب لفترة ليفاجأ به فى إحدى الحفلات وهو يسلم عليه بيده اليسري، ويعرف شمة أن تلميذه فقد اليمنى فى الحرب، يذكر أنه ظل لأكثر من ثلاثة أشهر معتكفا يدرب يدا واحدة لتعزف على العود، يقول: إنه وجد مجهودا وعنتا فى أن يستقيم الصوت ويخرج من تجويف آلته المحببة، لكن الإصرار ورغبته فى أن يسعد تلميذه الذى يعشق العود كانت وراء نجاحه فى أن يطوع هذه المهارة الخاصة ليعوضه فقد يده بالحرب، وأن يخرج الصوت بهذا الشكل اللائق رغم أن المسافة بين أوتار العود الخمسة ضيقة للغاية ويجد العازف صعوبة شديدة ليتحكم بأصابعه فى النغم واختلافه، فضلا عن خروج صوت واضح.


المتأمل فى مسيرة الفنان نصير الشمة يجد أنه يحيا يتنفس ويؤمن ويحارب بالموسيقى، يحب ويكره بها، الموسيقى وسيلته ليدافع عن معتقده ورسالته، عن شطحاته الصوفية والفكرية، يستقبل العالم من حوله بالموسيقى، فهى وجوده: عنفوانه، ولحظات هزيمته، بها تتردد أنفاسه بهذه الحياة.


يدرس العود وبعد فترة يتجاوز معشوقه كونه آلة تعبر أنغامها عن وجوده بل يطوره بإنجازه للعود المثمن عن مخطط الفارابى، الذى قرأ عنه فى كتب التراث منذ أكثر من ألف عام مضت.. عبر شمة بالعود عن تلقيه ووعيه بالواقع من حوله ووجوده، به يتذوق الفنون ويتفاعل معها موسيقيا، به يتلقى الشعر والفنون التشكيلية والسينما والمسرح والغناء ويقدم ما نسميه العروض، التى تتعدى النوعية فى البلاد العربية والغربية ويحدث بهذا الدمج ما يسمى تداخل الأنواع الأدبية مع فنون التشكيل والسينيما والمسرح.. وهو ما يصنع عند المتلقى حالة من تضافر الفنون وحوارياتها الشائقة فى تيار ما بعد الحداثة.


حين يكتب المقال يتعامل مع الكلمة كأنه يلحنها يدفع بموسيقاها من خلال المجاز الراقى واختياره لأسلوب رشيق معبر يحمل من الأفكار ما يصفى هذا العالم ويستقطره فى مادته الحقيقية كما تفعل الموسيقى عشقه، الذى تحول لعلامة وجوده الراسخة، يتحدث عن فيروز والرحبانية عبر صناعة الومضة البراقة، صناعة الصوت الصباحى والصورة اللحظية ذات الكبرياء، يصف حلاوة الطرب فى أداء صباح فخرى وتلون طبقات ودرجات صوته، يشير لحنجرة عبد الحليم حافظ الذكية شديدة الحساسية ونجاحه فى تحديد شكل جديد للأغنية العربية قصيرة الجملة راقية المعنى، يقول عنه عبد الحليم الذى توزع فينا، وأصبح أيقونة حب لأجيال من زمن الحب والفن الجميل، يؤرخ الملحن بحس فنى لهذه القامات الغنائية الكبيرة بالكلمة والشهادة الصادقة، الواعية بنقاط تميز كل موهبة.


يحارب شمة الأنظمة والسلطات القمعية بسلاحه الناعم الثائر الغاضب، يؤلف مقطوعاته ويضفرها أحيانا مع الكلمة والصورة حين تجمع عروضه بين الشعر والموسيقى بين كلمات الأغنية وما يعده لها من ألحان، وحين تستهويه الفنون التشكيلية يؤلف مقطوعاته لتتجاوب مع روح اللوحة التشكيلية ولتنعكس ألوانها على موسيقاه وينطبع جوهر الرسالة، التى يتضمنها المعرض وكيفية تلقى الملحن لها على مقطوعته، بالموسيقى تشاهد عيناه الصورة ذائبة فى جوهرها مجردا، أتصور أنه صنيع من أزال قشور الأشياء ليراها بعرفانية خاصة مجردة، لذا تأتيه ألحانه كأنها تستنطق تجليات هذا العالم وتجليات فنونه فى رحلة بحث عن جوهر هذا الوجود، وقصة بحث الإنسان بكل أنواع فنونه عن هذا المطلق الذى تتعدد صوره.


اللافت للنظر أن نصير شمة من هؤلاء المثقفين الفنانين الذين لا تملكهم شطحاتهم الفنية لتأخذهم نحو أبراج عاجية تتعالى عن الواقع من حولهم، بل يؤمن برسالة الفنان تجاه وطنه وعروبته وإنسانيته، رسالة الفنان المستمرة التى تنتج أجيالا للمستقبل، الذى ترنو عيناه إليه دائما، تلاميذ ومريدين ينتقيهم ويكتشف مواهبهم ويهبهم البيئة الفنية المناسبة، ولا يكتفى بالفن فقط بل بدعمه لهم بالتثقيف والتعلم والدربة والممارسة وهو ما جعله ينشأ بيت العود العربى فى قصر الهوارى الأثرى فى القاهرة القديمة التى ترفل بعراقتها ومواهبها، وهو ذاته ما جعله يكرر التجربة بأبى ظبى عاصمة دولة الإمارات لتنكسر على يد الفن التقاليد الرجعية والقمعية لدرجة أن تُقبل المرأة الخليجية على تعلم العود وتتذوق الألحان والعزف الراقى، وهو ما يعكس قدرة الفن على إذابة كل جمود عقائدى وتقليدى.


أدرك نصير شمة بحدسه الصوفى، الذى يستقطر معانى الحياة والواقع أن هناك خللا جوهريا فى المجتمع العربى وأن التعليم رسالته الحقيقية التى ترأب صدع ما حدث بالشخصية والعقل العربى فى العقود الماضية فى ظل أنظمة سياسية جوفت شخصية مواطنيها، فالشعوب الجاهلة المسطحة أسلس فى القيادة عن تلك المفكرة المتعلمة، كما أنه يرى أن صناعة أجيال من المبدعين المتميزين كل فى مجاله مسئولية ورسالة يجب أن ينهض بها الأساتذة الكبار وهو ما يفتح طاقات النور للمستقبل، لذا فى ظل ظروف بلاده منذ حرب الخليج الأولى والثانية وحتى الآن اتخذ قضية التعليم ومستوى ما يقدم للطلبة من مناهج ونوعيتها قضيته المحورية، ويصر دائما على أهمية الفنون والآداب فى الرسالة التعليمية والتربوية وقدرتها على دحر أى نوازع إرهابية متطرفة لدى النشء، فالفنون هى التى تُزكى الروح وتجعلها أكثر تعددا وانفتاحا على العالم وقبولا للآخر، الآداب والفنون هى من تنتج وتبنى شخصية حقيقية تتذوق وتفكر وتبدع وهنا لا محل لأى نوع من التطرف.


يتسلم نصير شمة من ألمانيا فى غضون الشهور القادمة جائزة الرواية الألمانية وهى من أرفع الجوائز فى المحيط الثقافى لديهم، وهنا تساءلت ما علاقة الملحن ومؤلف المقطوعات الموسيقية بالرواية لأكتشف بعد نظر الألمان فى اختيارهم للنماذج الناجحة من حضارات وثقافات وفنون متعددة لتكريمهم وإلقاء الضوء عليهم وعلى مسيرتهم وإنجازاتهم فى محيط مجتمعاتهم، التى كثيرا ما تكون معوًقة والصعوبات التى استطاعوا التغلب عليها فى رحلة نجاحاتهم، وتقديمهم كنماذج لقصص تحقق لامعة، وسعيهم لإبراز ذوات بشرية تمثل مادة بشرية مجسدة بالواقع لكتاب الرواية بالعالم لخلق عوالم ونماذج فى المجال السردى الروائى تصنع النجاح وتصر عليه، فتقدم لعوالم السرد عوالم خصبة قد يتخيرها الروائيون لتلهمهم ببعض الأفكار والتقنيات، أو قد تقدم مشواره الغنى لكل الأجيال القادمة، لتبث الآمال الكبار فى إمكانية تحقيق النجاح فى أسوأ ظروف الحياة، حين تتغلب الإرادة والقدرات الفردية وتنجح فى تخطى كل الصعوبات والمعوقات.


خليق بمجتمعاتنا العربية أن تتبنى هذه الرؤية وأن تسعى لإبراز هذه النماذج من المتحققين كل فى مجاله بدلا من إشاعة روح اليأس والقنوط من كل إنجاز ومحاولة تشويهه، وأن تقدم قدوة للأجيال القادمة لتتمثلها فى أذهانها لتعرف أن إرادة النجاح ممكنة، وها هى تتجسد فى نفوس فائقة القيمة الفكرية والفنية، فكل التحية لنصير شمة سفيرا للفن العربى وإنسانا مسؤولا متعدد العطاءات.