أطالب بوزارة اقتصاد حرب

11/11/2015 - 10:30:54

معتصم راشد المستشار الاقتصادى لاتحاد المستثمرين

يؤسفنى أن بعض الذين يجلسون على الكراسى يرددون مقولة خاطئة، مفادها: يصعب تحجيم الواردات، لأن هذا يتعارض مع اتفاقات وقعتها مصر !! وأكتفى من جانبى بالرد على هؤلاء بأن أطالبهم بالقراءة المتأنية لقواعد منظمة التجارة العالمية، أحد أضلاع مثلث تحكم العالم اليوم (البنك الدولى - صندوق النقد الدولى - منظمة التجارة العالمية).


مصر يا سادة يا من تتحدثون كثيرا، تمر بظروف استثنائية، مصر فى حرب لمن لا يعلمون أو يعرفون، لذا فإننى طالبت، ولازلت أطالب بـ(حكومة اقتصاد حرب)، مصر تحولت إلى (شركة استيراد) يديرها مافيا التجارة بدليل أن حجم الاستيراد، وفى ظل نظام السوق الذى يتحدثون عنه، كان فى حدود ٥٤ مليار دولار (١٠/٢٠١١)، ارتفع إلى ٥٩.٢ مليار دولار (١١/٢٠١٢)، ثم انخفض إلى ٢٧.٦ مليار دولار (١٢/٢٠١٣) وعاد ليقفز إلى ٦٠.١ (١٣/٢٠١٤، وأخيرا وليس آخرا ٦٠.٨ مليار دولار (١٤/٢٠١٥)، وأرقام (١٥/٢٠١٦) تتجاوز هذا بكثير، حيث تشير المؤشرات المتاحة إلى ارتفاع قيمة العجز فى الميزان التجارى إلى ٢٦.٣ مليار جنيه لشهر يونيو ٢٠١٥ مقابل ١٦.٢ مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام الماضى، بنسبة ارتفاع بلغت ٦٢.٥ ٪ !! لماذا؟ لأن التصدير انخفض إلى نحو ٢٢ مليار دولار فى (١٤/٢٠١٥) فى حين كان ٢٦.٩ مليار دولار (١٠/٢٠١١)، هذه الأرقام تؤكد أن مصر أصبحت شركة استيراد، وأن الدولة كانت غافلة تماما عن الصناعة !!


كتبت، وأكتب، وسأكتب عن ضرورة تصحيح مفهوم اقتصاد السوق، الذى أصبح مرادفا للفوضى، وبفعل فاعل !!


الصناعة هى قاطرة التنمية، وهى التى تمثل قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد القومى، وهنا أنبه وأؤكد على أن أى نظام سياسى مهما كانت نجاحاته السياسية، إلا أنه يبقى فى حاجة ماسة وملحة لاقتصاد وطنى قوى، يدعمه، ولعل هذا يفسر دعوتى لشخص الرئيس فى العدد السابق بأن يولى اهتماما خاصا لترتيب البيت من الداخل، خاصة أن المواطن المتوسط الحال، بل وماهو دون الفئة العليا، بدأ يئن.


هنا أنبه وأحذر، لأنه كلما زاد الحرمان الاقتصادى انعكس هذا على حال الاستقرار السياسى، وأحيل فى هذا الشأن إلى رسالة دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.


ترشيد الاستيراد أصبح ضرورة ملحة، وأطالب الحكومة ألا تخضع لأى محاولات تثنيها عن المضى قدما لإصدار هذا القرار. الأمر الآخر، لابد من إعادة النظر فى المواصفات القياسية والارتفاع بسقفها إلى الحد الأقصى، لأن السوق أصبح صالة عرض لأسوأ واردات !!


هنا وإن كنت أكتب عن واقع صعب، إلا أنه لا يفوتنى أن أشير لأمل ألمحه واسشعرته بحق عندما استمعت لوزير التجارة والصناعة، وإن كنت أتمنى أن يعمل كوزير للصناعة والتجارة!! إحقاقا للحق الرجل مستوعب تماما لكل ما تعانيه الصناعة، وله رؤية محددة، وأعانه الله على الذين حوله ويروجون صعوبة تحجيم الواردات!! أيضا لابد أن أشيد هنا بوزير المالية، وإن كنت أحمله مسئولية ما آل إليه حال السياسة المالية التى لازالت تعتمد على جيوب المواطنين الغلابة لسد أى ثغرات فى عجز الموازنة !! أوجه تحية -أيضا - لرئيس مصلحة الجمارك الذى يواجه مافيا التهريب، وأطالبه بمزيد من الجهد، خاصة أن حجم التهريب قد تجاوز فى السوق قرابة الـ ١٠٠ مليار جنيه !! نصف هذا التهريب يخص قطاع الغزل والنسيج بما فى الملابس الجاهزة !! ولعل هذا يفسر حال ما آلت مصانع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة.


وهنا أتوجه بنداء لرئيس الدولة، بأن يصدر تعليماته بل وأوامره الصريحة بضرورة انتشال هذا القطاع من الغرق !! ولا ننسى أن مصر كانت رائدة فى هذا المجال، فانحدر بها الحـال وأغلقت المصانع الواحد تلو الآخر، لأن الصناعة لم تكن مدرجة على أجندة الحكومة طوال فترات سابقة، وهى التى سمحت بأن يكون السوق المصرى صالة عرض للـواردات، فى وقت رفعت فيه الصين دعم الصادرات من ١١٪ إلى ١٧٪ لتدعم صادراتها !!


نحن لا زلنا نشهد خلافات داخل مجلس الوزراء حتى هذه اللحظة لتوفير اعتمادات (مساندة التصدير)، ولا أقول (دعم التصدير)، لأن ما يحصل عليه المصدر فى حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون (تعويضا) عن بعض الأعباء التى يتحملها دون أدنى وجه حق !!


يلزم أن أشير هنا إلى أن المشكلة الحقيقية التى يجب أن نعترف بها تكمن فى (إدارة الاقتصاد)، نحن نتحدث عن اتباع سياسة اقتصاد السوق لنمارس الفوضى!! ونرفض اتباع (الضرائب التصاعدية)، ونهمل جميع الآليات التى تكفل (حقوق المستهلك)!!


الإشكالية الحقيقية التى نحن بصددها اليوم أن مصر وفقا لآخر تقرير صدر هذا العام والذى يصدره البنك الدولى لـ(ممارسة أنشطة الأعمال) تقهقرت إلى المركز ١٣١ فى حين كانت تحتل المركز ١١٢ فى تقرير العام الماضى!! ومن المؤكد أن هذا التقرير جاء ليزيد من أوجاع الاقتصاد الذى يعانى (أزمة حادة فى الدولار) أثرت على تجارته الخارجية وقدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية، رغم كل التصريحات الوردية التى يطلقها الوزراء يوميا، ورغم ما يفترض أنه قانون للاستثمار!!


هنا –أيضا- لابد أن نشير لتراجع ترتيب مصر فى مؤشر التنافسية على مدار الخمسة أعوام الماضية (١٠/٢٠١١-١٤/٢٠١٥) حيث كان ترتيب مصر الـ ٨١ (١٠/٢٠١١) تراجع إلى ٩٤ (١١/٢٠١٢)، ثم استمر فى التراجع إلى ١٠٧ و١١٨ وأخيرا ١١٩ على الترتيب فى (١٤/٢٠١٥).


أعاود لأكرر إننى أطالب بوزارة (اقتصاد حرب) تتعامل مع الأزمات قبل أن تحدث من خلال تصور لبعض السيناريوهات التى يمكن أن تصادفنا خلال المرحلة القادمة، لنعبر من عنق الزجاجة.


أؤكــد – أيضا- إن الاستمرار فى الاعتماد على الموارد (الريعية) أمر محفوف بالمخاطر، ولابد من الاعتماد على موارد حقيقية وهذا لن يتأتى إلا من خلال دعم الصناعة لإقالتها من عثرتها التى أراها كانت متعمدة خلال الفترات السابقة !!


وأعيد التذكرة بكل ما طالبت به خلال الأسبوع الماضى وأطالب الرئيس بأن يتدخل شخصيا لإعادة ترتيب البيت من الداخل حماية للمواطنين والبداية الحقيقية وضع الصناعة فى موقع مساوٍ للدول المحيطة بما يسمح لها بوضع تنافسى فى السوق العالمى.. الصناعة هى المدخل الوحيد للتنمية المستدامة وخلق فرص التشغيل الحقيقية بأجور عادلة تكفل حياة كريمة على طريق العدالة الاجتماعية.