عار على بريطانيا..!

11/11/2015 - 10:18:33

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم - سناء السعيد

طالعتنا بريطانيا منذ الاحتلال بوجهها القبيح ونواياها الآثمة التآمرية حيال مصر والمنطقة. وظهر هذا بجلاء فى الأسلوب المبتسر الذى تبنته فى حادث سقوط الطائرة الروسية وافتقر إلى الحكمة عندما بادرت واستبقت التحقيقات وأصدرت حكما متسرعا بوقف رحلات بريطانيا الجوية إلى مصر على أساس فرضية لم تثبت بعد تقول بأن سبب سقوط الطائرة الروسية كان تفجيرا إرهابيا. وهى بلا شك محاولة منها لضرب مصر اقتصاديا من خلال القضاء على السياحة. ولا غرابة، فخطة إسقاط مصر وتقسيمها لاتزال قائمة فى سيناريوهات السياسة الغربية التى تقودها أمريكا.. ما حدث اليوم يستدعى لنا دور بريطانيا الخسيس فى غزو العراق ٢٠٠٣ والدور الحقير لرئيس وزرائها وقتئذ «تونى بلير» الذى سارع مؤخرا واستبق نشر تقرير» تشيلكوت» حول ضلوع بريطانيا فى هذه الحرب ـ والمزمع صدوره فى يونيو أو يوليو ٢٠١٦ بعد أن تأخر صدوره أربعة أعوام ـ ليقدم اعتذاره على مشاركته فى هذه المحرقة التى سلطت على العراق.


اعترف «بلير» بأنه ارتكب الخطأ عندما قرر مع «بوش» غزو العراق فى ٢٠ مارس ٢٠٠٣ .الغريب أنه يقدم الاعتذار لأول مرة منذ اثنى عشر عاما، ويقر بالخطأ الفادح الذى ارتكبه مع بوش الصغير، ويردف قائلا: (أخطأنا، فالمعلومات الاستخبارية كانت خاطئة، والتخطيط كان خطأ، بل وهناك الخطأ فى تقدير ماذا عساه أن يحدث بعد الاطاحة بالنظام العراقى).


عار على «بلير» الجريمة التى ارتكبها فى حق العراق، وبالتالى فإن اعتذاره اليوم لن يعفيه من ارتكاب هذا الجرم الذى أدى إلى تدمير دولة وقتل وتشريد مواطنيها وسلب الأمن والاستقرار من ربوعها. بل وأدى إلى تفشى الإرهاب ممثلا فى القاعدة وداعش والنصرة وأحرار الشام وغيرها من تنظيمات فككت الدولة وأعملت فيها القتل على الهوية. إنه «بلير» الذى اتخذ قرار المشاركة فى الحرب ضاربا بعرض الحائط الاحتجاجات التى كانت تسود الشارع البريطانى وقتئذ ضد هذه الجريمة.


ونتساءل ماذا يفيد الاعتذار اليوم بعد أن تحول العراق إلى أتون من الفوضى وعدم الاستقرار؟. وهو مادفع الأمريكى «دونالد ترامب» ــ الذى يعد اليوم الأوفر حظا للفوز فى انتخابات الرئاسة الأمريكية ــ إلى أن يقول: (لو ظل صدام والقذافى فى الحكم لكان العالم اليوم أفضل حالا)، ثم أشار إلى ماعليه الوضع الآن قائلا: (الناس تقطع رءوسهم اليوم ويتم إغراقهم فى أقفاص. لم يعد هناك عراق ولم تعد هناك ليبيا. لقد تناثرا إربا إربا، لم تعد هناك أى سيطرة ولا أحد يعلم ماذا يجرى. الوضع فى كل منهما كارثى وكذلك الحال فى سوريا، بل فى الشرق الأوسط كله. لم يكن هناك إرهابيون فى العراق من قبل، ولكن اليوم أصبح العراق جامعة هارفارد للإرهاب).


«بلير» يعتذر اليوم ويقر بأن غزو العراق كان أحد الأسباب فى ظهور تنظيم داعش الذى تتظاهر أمريكا اليوم بمحاربته عبر التحالف الدولى الذى تقوده وهى أبعد ماتكون عن مجابهته. فلا يمكن لأمريكا راعية الإرهاب أن تحاربه وهى التى استعانت به كأداة لتنفيذ مشروعها الساعى إلى تفتيت دول المنطقة بعد اضعاف جيوشها واشعال الحروب الطائفية المذهبية بين شعوبها. أما ماحفز «بلير» على تقديم الاعتذار اليوم فهو أنه أراد أن يستبق بذلك نتائج تقرير لجنة «تشيلكوت» حول مشاركة بريطانيا فى الحرب وهو التقرير الذى طال انتظاره.


«بلير» يقدم الاعتذار عن المعلومات الاستخبارية الخاطئة التى تم التعويل عليها لتبرير الغزو وعلى رأسها وجود أسلحة دمار شامل فى العراق. «بلير» كان على علم مسبق بأن أمريكا شرعت فى غزو العراق بأكذوبة تتحدث عن حيازته لأسلحة دمار شامل، ورغم ذلك لعب «بلير» يومها دور الداعم والمساند لسيناريو أمريكا لغزو العراق ــ والذى بدأ بوش التخطيط له منذ عام ٢٠٠٢ ــ رغم معارضة الرأى العام البريطانى للحرب. وتفيد المصادر المطلعة بأن قرار غزو العراق اتخذ حتى قبل تقرير»هانز بليكس» ــ كبير مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ــ عن أسلحة الدمار الشامل وهو التقرير الذى دحض كل المزاعم التى ادعت ملكية العراق لهذه الأسلحة وأكد أنها أكذوبة كبرى. ورغم ذلك تم الغزو الذى جلب الدمار للعراق ومهد الأرضية بالتالى لظهور المنظمات الارهابية بدءا بالقاعدة مرورا بداعش والنصرة وأحرار الشام وجيش الفتح وغيرها، فلقد كان من الطبيعى أن تستغل هذه المنظمات الفراغ الأمنى الحادث فى العراق فى أعقاب حل جيشه على يد «بول بريمر» الحاكم المدنى الأمريكى لأرض الرافدين، فمن رحم القاعدة وجد تنظيم داعش ومن ثم انتقل إلى سوريا فى أعقاب أحداث مارس ٢٠١١.


استبق «بلير» صدور تقرير»تشيلكوت» وقام بالاعتذار مؤخرا على أمل تبرئته من جريمة غزو العراق وهو الغزو الذى ألحق الدمار بالدولة وبأبنائها عربا كانوا أم كردا أم شيعة أم سنة أم مسيحيين وأرمن وتركمان ويزيديين. إنها الجريمة النكراء التى لايمكن لتونى بلير التنصل من ارتكابها أو ابراء ذمته منها، فهى الجريمة التى ساعدت الغرب المريض على التدخل فى ليبيا ثم على التدخل بعد ذلك فى سوريا عبر تسليط جماعات الإرهاب عليها بهدف استئصال الدولة.


واليوم يتطلع المرء إلى نتائج تقرير لجنة «تشيلكوت» حول مشاركة بريطانيا فى الحرب الملعونة، والأمل أن تصدر أحكاما ناجزة كى يؤخذ على يد كل من أجرم فى حق العراق. وأول هؤلاء «تونى بلير» الذى لابد أن يحاكم بعد أن غاب ضميره والتحف بالشيطان الأمريكى وشاركه فى غزو العراق وتدمير بنيتها دون ذنب أو جريرة. الغريب أن يتم تنصيبه بعد ذلك مبعوثا للجنة الرباعية لعملية السلام فى الشرق الأوسط التى تقودها أمريكا. وهى اللجنة التى لم تتحرك فى ظلها عملية السلام قيد أنملة، حيث انصب اهتمامها الأكبر على عدم اغضاب الكيان الصهيونى. وكأنما أرادت أن تقول: «ليذهب الفلسطينيون إلى الجحيم» .إنه «بلير» المجرم أبعد مايكون عن السلام. ويكفى أنه شارك ودعم «بوش» فى المحرقة التى سلطت على العراق. ولهذا يجب توقيع العقاب الرادع عليه ليكون الجزاء من جنس العمل...