الفاقد الذى فقدناه!

11/11/2015 - 9:52:57

  رجائى عطية رجائى عطية

بقلم- رجائى عطية

كان من أميز ما عشنا وتربينا عليه، تبادل المحبة وتبادل الاحترام، كانت المحبة هى الأكسير، الذى تجملت به حياتنا مهما قتمت أو أعتمت الصورة، أو زادت المعاناة أو تفاقمت المشكلات والصعوبات والمعضلات، وكانت المحبة هى العوض، الذى يرضينا حين يغيض الرزق أو تجف الينابيع، والمدد الذى يحفزنا على مواصلة المجاهدة ويمدنا بشيم التراحم والبر والتعاطف والوفاء.. لم تكن هذه المحبة مقصورة على المتبادل بين الآباء والأمهات، وبين الأبناء والبنات والأحفاد، أو ما بين الأخوة والأخوات، أو الأهل والأقارب، أو ما بين الأصدقاء والخلان.. كانت مناخًا عامًا يتجاوز فى شموله الصغائر التى لا تخلو منها الدنيا، وتعطر الحياة بتكافل يحيطنا فى الأحزان، كما يحيطنا فى الأفراح والمسرات، ولازالت عادات أهل الريف فى إخراج الصوانى لطعام المعزين فى القرى، حيث تعز المطاعم، صورةً حية من نواتج هذا التكافل المحفوف بالمحبة والتراحم، كما لاتزال عادة «النقوط» فى الزواج أو الإنجاب، التى لم تنقرض بعد، صورةً نابضةً من التعاون النابض بالحب والتساند. كانت الفنون والآداب تترجم عن هذا الحب الذى يعطر حياتنا، فتعددت فى التعبير عنه الأشعار والأغانى، ورددتها القلوب والألسنة، وتناولتها المصنفات الفنية على اختلافها، وتناولت الحب بكل ألوانه وزواياه، فتغنت الأغانى والتواشيح والابتهالات بالعشق الإلهى، وبمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتغنت بالحب بمعناه الشامل، وبحب الأم وحب الأب وحب الأخ وحب الأبناء والبنات، ولم تتخلف الأمثال العامية عن ركب التعبير عن هذا الحب، حتى رأينا العامة يتنادون فى الدعوة لنجدة عربة عاطلة «اللى يحب النبى يزق»، ولم يكن فى هذه المصنفات افتعال للحب، وإنما كانت فى الواقع ترجمةً له، وهو حب معطاء، يولد الاحترام والتراحم والتساند والتعاون والتكافل والوفاء.. الحب لم يكن فقط فيما بيننا من أواصر وصلات، وإنما كان «حب العمل» رمانة ميزان النجاح فيه، مثلما كان مناط الإخلاص والإسماح.. نضوب الحب هو نضوب لقيمٍ كثيرة يؤدى تراجعها إلى تداعيات ضارة لا تنتهى، ويصيب حياتنا بالجفاف والوحشة، ويقوض روح التراحم والتعاطف والتسامح، فتغيب هذه الشمائل عن التعامل والحوار والنقد والنقاش، وربما أسلسل ذلك إلى خصومات وعداوات تضرب فى السلام الذى ظل يحوط حياتنا.


وكان الاحترام هو صنو المحبة والجناح الآخر، الذى قامت عليه حياتنا، من يفارقه يكون قد فارق الأدب.. فلا أدب بغير هذا الاحترام المتبادل الذى يقوم بين الجميع، ويلتزمونه فى مشاعرهم وفى سلوكهم وتصرفاتهم وتعاملاتهم، وفى نشاطهم وسكونهم، وفى أحاديثهم وفى صمتهم، وفى تقدير متبادل مبذول بين الأجيال.. سواءً قامت آصرة البنوة أو الأبوة أو الأمومة أو القرابة أم لم تقم، وفيما بين الحاكم والمحكوم، وما بين التلاميذ وبين المعلمين الذين قال فيهم شاعرنا: قم للمعلم وفّه التبجيلا: كاد المعلم أن يكون رسولًا، وفيما بين الأصدقاء والزملاء، وما بين الرئيس والمرءوس، وما بين الجار وجيرانه، هذه القيم إن حدث جنوح عنها وهو يحدث أحيانًاـ ظل هذا الجنوح نشازًا يستوجب العتاب أو اللوم، ويُبدى عنه الأسف والاعتذار.


وظل هذان الجناحان: المحبة والاحترام، رغم ما يحدث أحيانًا من انفلاتات، رباط علاقاتنا وصلاتنا، وظل أيضًا يحكم خلافاتنا، فكان «أدب الاختلاف» بمثابة دستور بين الناقد والمنقود، وبين اللائم والملوم، وبين الآراء والأفكار والأساليب، يراعى التزام «الموضوعية» والابتعاد عن «الشخصنة» أو «التجريح» والإساءة.


ولكن زحفت علينا موخرًا «جاهلية» جديدة، لم يكن حسبها جنوحات الإرهاب بزرع القنابل وتفجير العبوات والقتل والذبح والنسف والتدمير والإهلاك، وإنما امتدت هذه الجاهلية إلى القيم والسجايا والشمائل والأخلاق، فأفلتت ألسنةٌ تدمى بأكثر مما تدميه السكاكين أو تنسفه المتفجرات، وصارت الكلمات ضربًا من القذائف والسهام والطعنات، وصار اغتيال الشخصية هدفًا تنجرف إليه بعض الممارسات، ومع تراجع هيبة القانون، ورخاوة إعماله وتطبيقه ـ ازداد الجموح والإيذاء، ومعهما ضاع الاحترام وضاعت المحبة أيضًا، وأقفرت الحياة ـ حياتنا ـ فصارت تعانى من داء وبيل لا سبيل إلى علاجه وتجفيفه إلاَّ بالعودة إلى القيم التى أقفرت وولت، وليس أصعب من أن يستعيد الجانح القيم التى أعطاها ظهره وطفق يهدرها ويتطاول على عباد الله ويؤذى ويدمى، فلا مناص إذن من إلزامه الأدب بقوة القانون، ولا مناص أيضًا من العودة إلى «التربية»، التى نضب معينها ونضبت روافدها، ومع أن التربية تبدأ من البيت والأسرة، إلاَّ أن عموم الظاهرة، التى ضربت فى كل شىء وفى الأُسر وفى كل مجال، يفرض أن يتقدم للقيام بواجبهـ مرافق التعليم والثقافة والإعلام، ولا غناء لاضطلاع أى من هذه المرافق بمهامه الواجبة، من تصحيح وإصلاح ماران عليها من تراكمات أصابت بنيتها وأعرافها ومواثيقها، وقلصت أو عكست دورها، فصارت أضلاع العملية التعليمية فى حاجة إلى ترميم سريع وآخر بعيد المدى، يتناول كل ما ومن أصابه العطب، فقد تخلى المعلم كارهًا أو مختارًا عن المكانة التى كانت له، فتقلص دوره أو انعدم، وتعثر الأداء الثقافى فيما شجر ويشجر بين أهل البيت من تنافسات وخلافات طالت المنظومة ذاتها فتعثرت خطواتها ونضب التأثير المطلوب منها أو المأمول فيها، أما الإعلام فقد أصابته أمراض وارت تأثير من بقى من جيل الرواد أو الملتزمين بالقيم المتلقاة عنهم، واستشرت علل أصابت جانبًا غير قليل عَاَف هذه القيم وهَجَرَها، وجرته أو دفعته أغراض، فدخل طائعًا أو مغرضًا، فى دوائر خرجت عن آداب ومواثيق الإعلام، واستهدفت الظهور وغيره من الأغراض، بالإهاجة والإثارة، وأدواتهما غير أدوات الإنارة والإرشاد والتقويم والهداية، واستعاضت تحقيقًا للأغراض الصغيرة ـ بألسنة حداد، وانفلاتات لا أدب فيها ولا احترام، تدمى وتؤذى وتسىء، دون أن تعنى بالنقد الموضوعى وسلاحه الدراسة والإلمام والحجة والبرهان، وكلها أسلحة مباحة ومطلوبة لاستمرار المراجعة والنقد اللذين لا غناء عنهما، فى إطار الاحترام أو أدب الاختلاف!


فهل نتقدم لاستعادة الفاقد المفقود منا؟!