حتى لا تأكل الفئران كراريس المدرسة

05/11/2015 - 9:31:57

إقبال بركة إقبال بركة

كتب - إقبال بركة

"محافظ المنيا يستعين بالأمن ضد تسرب التلاميذ من المدارس" تحت هذا العنوان نشرت صحيفة المصرى اليوم يوم 4 أكتوبر 2015,  "اتخذت مديريات التربية والتعليم عدة قرارات من أجل ضبط العملية التعليمية، وتلافى المشاكل والسلبيات التى تنخر فى جسد التعليم مثل التسرب من المدارس والدروس الخصوصية, وقـرر اللواء صلاح الدين زيادة محافظ المنيا بالتعاون مع مديرية الأمن استدعاء ولى أمر أى طالب يتواجد فى الشارع أثناء اليوم الدراسى للقضاء على ظاهرة التسرب من التعليم".


كم مرة قرأنا أخبارا مماثلة عن المشاكل العويصة التى يعانى منها التعليم فى مصر، وعن القرارات الخطيرة والجهود الجبارة التى تقوم بها الوزارة ومسئوليها، ورغم ذلك مازالت المشكلة بلا حل! تذكرت الفيلم التسجيلى "إلى أين" الذى أعددته فى مايو عام 1997 لمواجهة مشكلة تسرب الأطفال من المدارس، وبالتالى ارتدادهم إلى الأمية, وقد وجدت عونا من المسئولة فى اليونيسيف (فرع مصر) فى ذلك الوقت الدكتورة فاطمة خفاجة التى أمدتنى بدراسات ومعلومات عن هذا الموضوع ووافقت على أن أقوم بعمل فيلم تسجيلى حول تلك الظاهرة، فلجأت إلى صديقتى المخرجة الراحلة نبيهة لطفى وزرنا معا بعض القرى المصرية لنتعرف إلى الأسباب الحقيقية التى تدعو الأطفال إلى الهروب من المدرسة وزيادة نسبة الأمية فى مصر, كانت المهمة شاقة ولكنها ممتعة حيث جلست أتحاور مع أمهات وآباء ريفيين حول آرائهم فى هذه المشكلة الغريبة وما يفعلونه فى حال تسرب ابن أو ابنة لهم من المدرسة, والتقيت أيضا بعدد من الفتيات المتسربات وسألتهن عن الأسباب التى دفعتهن للتوقف عن الذهاب إلى المدرسة, وكانت الإجابات صريحة وطريفة فى نفس الوقت, قالت فتاة جميلة فى العاشرة من عمرها: أمى حرضتنى على عدم الذهاب حتى أساعدها فى شغل البيت، وقالت الأم: "أعمل إيه! الفئران أكلت كراريسها وماعييش فلوس أجيب كراريس جديدة", وقال عمدة القرية: البنت مآلها الزواج، فلماذا تتعلم ؟ وأجمع كل من تحدثت معهم على أن الدروس الخصوصية وراء الهروب من المدرسة، لأن المعلمين والمعلمات لا يدرسون فى الفصول حتى يرغموا أولياء الأمور على اللجوء إلى الدروس الخصوصية، ويضطهدون الطفل الذى لا يلتحق بفصولهم الخاصة. واعترفت أم أخرى بأن الأولاد ما إن يشبوا عن الطوق حتى تستغلهم الأسرة كمورد لكسب العيش، الولد للحقل والبنت لخدمة بيوت المدن, وبعد انتهاء الفيلم التسجيلى قام اليونيسيف بتوزيعه على كل من يهمه الأمر عسى أن يحرك المياه الراكدة فى وزارة التعليم.


حدث ذلك عام 1997, وعندما زرنا بعض المدارس صدمتنا أحوالها المزرية أسوار مهدمة، فصول بلا دكك، تلاميذ يجلسون على الأرض، دورات مياه قذرة ومعطلة.. الخ, وبعد أكثر من ثمانية عشرة عاما ها هو وزير التعليم يعترف بأنه لم يحدث أى تغيير يذكر ومازالت هذه الأحوال جميعها تعشش فى القرى المصرية والعشوائيات ومازلنا نعانى من مشكلة التسرب, ليست الفئران هى العدو الحقيقى للتعليم فى مصر بل غياب الضمير والإهمال والفساد المستشرى فى الوزارة، ولا تنتظروا حلا قبل القضاء عليهم أولا.